مضى ما يقارب الثلاثين عاماً على ظهور أول المسلسلات السورية «مذكرات حرامي» و«حارة القصر»، وخلال هذه الأعوام اجتازت الدراما السورية العديد من المخاضات والمراحل وراكمت الكثير من الخبرات في سعيها لتثبيت وجودها وتطوير أشكالها.
ويمكن اعتبار سبعينات وثمانينات القرن العشرين بمثابة المرحلة التأسيسية التجريبية التي كانت حكراً على التلفزيون العربي السوري، ففي السبعينات تركزت الجهود حول امتلاك المعدات الأولية واستقطاب الكوادر الأساسية..
وفي عقد الثمانينات تمحورت الجهود حول استكمال القاعدة الإنتاجية وبلورة هوية المسلسل السوري والتجريب في أشكال درامية متباينة..أما عقد التسعينات فهو يؤرخ لبداية مرحلة ازدهار الدراما السورية وانتشارها، وهي المرحلة التي تزامنت مع دخول الشركات الخاصة إلى ساحة الإنتاج وظهور الفضائيات.
ومع دخول الألفية الثالثة حققت الدراما السورية قفزة غير مسبوقة على مستويي الكم والنوع، تألق خلالها العديد من الكُتّاب والمخرجين والنجوم السوريين.
ولعل دخول القطاع الخاص حلبة الإنتاج التلفزيوني رغم حداثته أسهم إلى حد كبير في رفع وتيرة الإنتاج التي تجاوزت معدلاتها السنوية في السنوات السبع الأخيرة الخمسة وعشرين عملاً، بعد أن كانت ذروة الإنتاج السنوي لا تتجاوز الأعمال الخمسة في الثمانينات.
وهذا بدوره قد أتاح فرصاً أوسع أمام العاملين في إطار الفن الدرامي بمختلف اختصاصاتهم لتطوير أدواتهم، كما أتاح الفرصة أمام الكثير من المواهب الشابة أن تتقدم وتكشف عن إمكانياتها، ما أدى إلى رفع سوية الناتج الفني وتنويعه.
ولو أحصينا عدد شركات الإنتاج المسجلة في قائمة لجنة صناعة السينما والتلفزيون لوجدنا أنها تتجاوز المئة، من بينها عشرين شركة إنتاج تلفزيوني على الأقل عاملة وفاعلة، نذكر منها على سبيل المثال: «الشام الدولية»، «الشرق»، «سوريا الدولية»، «إيبلا الدولية» و«الراية».
هذه القاعدة الإنتاجية (التلفزيون والشركات الخاصة) تتمتع بعدد لا يُستهان به من الكوادر الفنية الأكاديمية وغير الأكاديمية، بينهم ما لا يقل عن ثلاثين مخرجاً تلفزيونياً، منهم من يملك لمسته الإبداعية الخاصة، ويتمتع برؤى تؤهله لتعامل مميز مع النص والممثل وبقية عناصر العمل من أمثال: رويدا الجراح وهيثم حقي والليث حجو وحاتم علي.
وإلى جانب المخرجين هناك قائمة طويلة من كتاب وكاتبات السيناريو المخضرمين والجدد أمثال: أمل حنا، دلع الرحبي، سامي يوسف، فادي قوشقجي، نجيب نصير وغيرهم ممن رفدوا الدراما السورية بنصوص ذات تقنيات جيدة ومضمون جريء.
ويُضاف إلى فريق الكتّاب والمخرجين مالا يقل عن خمسمئة ممثل وممثلة بعضهم يتمتع بأداء جميل وحضور آسر على الشاشة أمثال: دريد لحام، سلاف فواخرجي، تيم حسن، جمال سليمان، سوزان نجم الدين، سلافة معمار، نسرين طافش، قصي خولي، هذا بالإضافة إلى الفريق الفني المختص بالصوت والصورة والمونتاج وغير ذلك.
وشهدت الدراما السورية خلال مسيرتها تنوعاً في أشكالها وأجناسها من التاريخي إلى الفانتازيا والكوميديا مروراً بالمسلسلات البوليسية وسير الشخصيات وغير ذلك..أما الجديد واللافت الذي بدأت تظهر إرهاصاته الأولى منذ سنوات عدة، فهو الجرأة التي تجاوزت سقف المسموح به في التطرق للإشكالات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
والتنويع في أساليب الأداء التمثيلي، وذلك البحث الدؤوب عن لغة درامية ذات جماليات مميزة مستمدة من العلاقة ما بين شطري العمل الدرامي- النص وصورته- أقصد مغامرة اللقطة الملحمية عند باسل الخطيب ونجدة أنزور، وشفافية وعمق هيثم حقي والليث حجو في بلورة التفاصيل وعوالم الشخوص، وذلك الحس التحويري الساخر في تقديم مناخ النص وأبطاله الذي يملكه هشام شربتجي، وتلك الرشاقة والانتقالات السلسة التي يتقنها حاتم علي.
دمشق ـ تهامة الجندي
وإذا كانت المقدمات السابقة بمثابة النواة الأساسية لإنتاج عدد كبير من المسلسلات الضخمة والهامة على جميع المستويات من أمثال مسلسل «ذكريات الزمن القادم» و«ملوك الطوائف» و«عصي الدمع» و«فسحة سماوية» و«الانتظار»، ففي مقابل ذلك مازال هناك الكثير من الثغرات الإنتاجية والفنية التي تعاني منها الدراما السورية، فمازال بعض العاملين في هذا القطاع الحيوي يشتكون من ظروف الإنتاج والتسويق الصعبة ومن الرقابة ومن ضياع حقوقهم المادية أو المعنوية، ومازال هناك الكثير من الأعمال المتوسطة ودون الوسط التي لم تتخلّص بعد من رتابة الإخراج والمشاهد المطولة بلا مبرر والحوارات المملة والأداء التمثيلي الضعيف، وهي ثغرات لا يمكن تجاهلها أو تبريرها اليوم