البحث عن الكوميديا في السينما لا يتوقف، من قبل المؤلفين والجمهور على حد سواء. فشلت أفلام كثيرة في الوصول إلى هذا المبتغى، ويعزى هذا الفشل إلى الحديث عن التطور الاجتماعي الهائل الذي بدل مفاهيم كثيرة، وقضى على المفارقات وحولها إلى مآسٍ لا يمكن استخدامها لصنع فن الإضحاك المجاني، أو لإنتاج الكوميديا السوداء المؤثرة.

محاولات قليلة في السينما العالمية، نجحت خلال السنوات الأخيرة في تخطي العقبات.. مقالب «سكابان» تكررت إلى حد الإفراط، بينما قواعد «الفودفيل» لا تزال حاضرة، ومن الصعب استخدامها. فالواقع بإشكاليته أقوى ب(كوميديته) من تأليف ينسج منه. «شاك ولاري» المعروض في الصالات المحلية منذ مطلع الأسبوع الحالي، تجاوز إلى حد ما مطبات، وقعت فيها أفلام كثيرة تدعي الكوميديا. فالمؤلف باري فانارو، والكاتبان الكسندر بايني وجيم تايلور، مع المخرج دينيس دوغان، تعاونوا لإيجاد رؤية لها نكهة ومعنى.

اشتغلوا على «حداثة» الواقع، ونسجوا منه «حدوتة» لها أكثر من بعد. عن حياة رجلين اطفائيين، الأول: شاك الممثل (آدم ساندلر)، أعزب وزير نساء، لكنه يضحي بحياته من اجل إنقاذ من يتعرض للخطر. والثاني: لاري الممثل(كيفن جايمس)، أرمل يعيش مع طفليه بلا معين على تربيتهما، فيطلب مساعدة زميله في حال تعرضه لأي مكروه في عمله، لكي يجنب عائلته الصغيرة مشكلات الرعاية والعوز..

وهذه المساعدة المطلوبة غير مألوفة. لذا يتقدمان بطلب عيش مشترك كعائلة واحدة إلى «البلدية»، من أجل تحقيق ضمان اجتماعي مقبول. لكن التحايل على القانون يجبرهما أن يعقدا قرانهما على بعضهما. لكن هذا يتم في كندا القريبة جغرافياً من الولايات المتحدة والبعيدة عنها بقوانينها. لأن أكثر الولايات الأميركية لا تسمح بزواج المثليين. والرجلان ليسا بالفعل من الشاذين، بل يحتالان على القانون ليس إلا. ولجان الضرائب ووزارة المالية تلاحقهما حتى مخدع «الزوجية».

نشاهد في الشريط عدم تقبل المجتمع الأميركي لظواهر الشذوذ.. على الأقل يعزل من ينتمون إليها. إشارة واضحة إلى قوة خطاب الكنيسة في المجتمع الأميركي المحافظ، والمبني على تأثرات كبيرة بالرؤية الكاثوليكية التقليدية. ولا ينسى مؤلف القصة انتقاد الممثل والمخرج ميل غيبسون، وكذلك يوجه سهامه بطريقة خفية للشاذين ولماضيهم على حد سواء.

فهو لا يطرح قضية ليدافع عنها، بل يعرض لحالة ونقيضها. بما معناه أنه يؤلف على مفارقة، وهذا هو جوهر لعبة الكوميديا. كذلك بنى حواراً قوياً وسريعاً، عرف المخرج دينيس دوغان كيف يستغله في حركة الكاميرا السريعة، أو في مونتاج الصورة.

(شاك ولاري) عمل مسل ويعيد لسينما الكوميديا بعض ما فقدته، فقد بدا في كل تفاصيله متماسكاً ومشدوداً إلى بعضه. ليس وجبة سينمائية كبيرة لكنه معقول لعشاق سينما الكوميديا. أداء ساندلر في أعلى درجات الاحتراف. وهو الممثل صاحب الاسم الكبير، لكنه لم يدهش حتى اللحظة.

أدواره الكبيرة قليلة جداً، مع أنه يملك موهبة فذة، بمواجهته كيفن جايمس أقنع المشاهد. جيسكا بيل بشخصية المحامية المدافعة عن حقوق الشواذ، أضفت حضوراً ساحراً على العمل. شاهدناها في «نيكست» منذ فترة وجيزة إلى جانب الممثل نيكولاس كيج، وبإدارة المخرج لي تاماهوري.

ولعل استعادة أفلام عتيقة وتكرارها، أيضاً لم يفيا بالغرض. الكوميديا في التلفزيون بدورها استهلكت كل شيء، خاصة منها الإنتاجات الأميركية الاستعراضية. (بيل كوسبي شو)، وسواه، الذين استخدموا مفارقات العائلة في يومياتها، اقتربت أكثر من حالة إلقاء النكات في حفل مدرسي.. استنجد الرأسمال الإنتاجي بأسماء النجوم الكبار لإنقاذ الموقف، ولم تنج الكوميديا.

قلة من الباحثين الأذكياء عرفوا أن البحث يفترض تغييراً في مساحات البحث. بالطبع السينما العربية غير معنية بهذا القلق. ليس لأنها متجاوزة همومها بل لأنها لا تلتفت إلى هذه الأزمة أصلاً. فهي تعتبر أن التطورات بمستوياتها كافة لم تطأ بعد بلدان لغة الضاد. فلا نزال نرى هجمة جديدة من جيل الممثلين الجدد يطرقون هذا الباب. بعضهم مثل محمد سعد ومحمد هنيدي، ومن بمستواهم، لا يكترثون سوى لأرباح مادية، يحصلونها من جيوب شبه فارغة لجمهور يعاني معظمه من فقدان العمل.

دبي ـ حسين قطايا