تزداد الصورة الاقتصادية في العالم تعقيداً وتشهد تطورات يومية ويعجز الاقتصاديون ومحللون كثر عن مجاراتها، وفهم ما يحدث واستيعابه، إلا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بحكمته ورؤيته الثاقبة قدم في المنتدى الاقتصادي العالمي .
الذي عقد في مدينة داليان الصينية مؤخرا منهاج عمل يتضمن حلولا لمواجهة تحديات متعددة يتعلق قسم منها ببناء اقتصاد المعرفة ـ موضوع بحثنا ـ الذي صار العالم يتعامل مع صناعات معرفية تكون الأفكار لبنتها الأولى وقواعد المعلومات موادها الأولية والعقل المعلوماتي أداتها.
وتناول سموه في تحليله الإبداعي التحديات التي تواجه اقتصاد المعرفة متسائلاً ما الذي تحقق من وعود التنمية وصيانة البيئة ومكافحة الأوبئة ومحاربة الفقر؟ لاشك أن درجة من الإنجاز والتقدم قد تحققت وان اقتصادات عديدة حققت نمواً مشهوداً
لكن الصورة الكاملة مليئة بالزوايا المعتمة التي تطرح على عالمنا تحديات جمة أولها التحدي القديم الجديد المتصل ببناء اقتصاد المعرفة الذي يقرر امكانات تقدم الدول وازدهارها الاقتصادي واحتمالات ديمومته من عدمها موضحاً سموه دور التعليم في اقتصاد المعرفة.
وبالتالي فإن ازدهار أي دولة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع التعليمي لشعبها، وهذا ما يفسر زيادة الاهتمام الدولي بالتعليم والطفرة التي يشهدها التعليم على وجه الخصوص في الإمارات التي حققت زيادة ضخمة في اعداد المتعلمين،
فعند حصول الإمارات على الاستقلال في 2 ديسمبر 1971 كان فيها 45 خريجاً جامعياً فقط. أما اليوم فالجامعيون بعشرات الآلاف. أما بالنسبة لالتحاق الإناث بالتعليم الجامعي فتبلغ 92% وهو الأعلى في العالم.
وأكد صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن تركيز القيادة الآن ينصب على تحسين نوعية التعليم لتزويد أبناء الإمارات بالمهارات اللازمة لعصر المعرفة، وبرغم الإنجازات التي حققتها الدولة فإن سباق تطوير التعليم لا يعرف التوقف، كما أن حاجة إنسان عصر المعرفة للتعليم تستمر ما استمرت الحياة،
ولكن مناطق عديدة في عالمنا مازالت تعاني من صعوبات في بناء اقتصاد المعرفة، وهنا يشير سموه إلى أن هدف الأمم المتحدة للألفية الثالثة توفير تعليم ابتدائي لكل طفل على وجه الأرض مع حلول العام 2015 قد لا يتحقق في العام 2050،
موضحا سموه ان التربة المجبولة من الفقر والجهل والتجاهل الدولي صالحة دائماً لاحتضان بذور التطرف وإنتاج المتطرفين، وإذا أردنا أن نكون أبطالاً بحق للازدهار والتقدم فليس بمقدورنا تجاهل الفقر الذي يدفع إلى العزلة عن التيار العريض للتطور الإنساني،
ولا يكفي التأكيد على أن التعليم هو أكثر الأسلحة مضاء في كسر حلقة الفقر واليأس والتطرف بل يجب أن نوفر لأسر هذه الحلقة وسائل الحياة الكريمة والعيش الرغيد. أما التحدي العالمي الثاني فيتعلق بإدامة التنمية، فمشكلة التنمية مع الموارد الطبيعية المتناقصة قضية ملحة وعاجلة إنها تحدٍ كبير للمدن على اختلافها وبعد المسافات بينها مثل بكين ودلهي ونيويورك،
وهي مشكلة مركبة فمن أمن الطاقة المستقبلي إلى احتياطات النفط المحدودة، ومن الوصول إلى المياه إلى الوصول إلى اليابسة ومن الخيارات الوطنية للأولويات والسياسات الاقتصادية إلى الخيارات الشخصية في الاستهلاك
فيقول: «علينا أن ننتج أكثر ونستهلك اقل علينا أن نخصص الموارد ونبذل الجهود ونتعاون في البحث عن بدائل للموارد المتناقصة» أما التحدي الثالث ربما يكون في ضوء الواقع الراهن للعلاقات الدولية هو التحدي الأهم
وهذا الواقع يستدعي ضرورة قيامنا جميعا بدورنا كاملا في توسيع التسامح والقبول بين مختلف الأمم والثقافات والأديان والأعراق يجب السعي لتحقيق أكبر درجة من الفهم والتفاهم بين الأمم والحد من محاولات فرض القيم الثقافية على بعضنا البعض.
والذي يستقرأ أفكار سموه بتعمق يجدها تربط بين الماضي والحاضر وبلورة تجاربهما نحو المستقبل الذي لا يمكن أن يكون واضح المعالم لمن لا يدرس الماضي ويكشف كل ما فيه وما حوله ليعيش الحاضر، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية،
كان كل مفكر اقتصادي وسياسي إما كينزي المذهب أو اشتراكي، وظهر في العالم قطبان أيديولوجيان لكل منهما فكر متماسك ويقدم نفسه باعتباره إنموذجا لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وكشفت تيارات الفكر لدى اليمين واليسار على السواء عن تجديد العهد في الاحتكام إلى العقل وتجديد الثقة بالنظرية،
وشرع القطبان ومن يدور في فلكيهما في بذل جهد للتنمية والإعمار وإعادة البناء في إطار نظريتين متكاملتين: الرأسمالية التي تدعو إلى الليبرالية ومجتمع الرفاه، أو الاشتراكية ومجتمع المساواة، وفي الربع الأخير من القرن العشرين ظهر نقيضيها بالكامل. إذ سقطت التجارب الاشتراكية،
وأضحت الهيمنة لقطب واحد، وانحسر دور القوى العاملة مع تطور ثورة المعلومات والاتصالات، وظهرت نظريات تؤكد سقوط الليبرالية وتحولها إلى ما يسمى الليبرالية الجديدة، أي إلى حاكمية السوق المتحررة من كل الضوابط، واتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء.
وفي السنوات الأخيرة ظهر اقتصاد المعرفة والذي يعد فرعاً جديداً من فروع العلوم الاقتصادية القائم على المعرفة التي تشكل المعلومات العنصر المهم فيه والتي أرست مفهومه دولة الإمارات في تنمية قدرات العقل العربي والتعامل مع الظواهر المتعددة وكيفية إيجاد أساليب لحلها، مستغلة نظم المعلومات على أحسن وجه،
وبنظرة مستقبلية يؤكد سموه بأنه:لا بديل عن العمل معا فالواقع الدولي تغير جذريا وتغيرت معه قواعد العلاقات الاقتصادية والسياسية تغيرا جذريا وما كان صالحا وممكنا في الماضي ليس بالضروري أن يكون صالحا وممكنا للمستقبل ولم يعد لمنطق العنف والصراع الساخن جدوى في عالم اليوم.
باحث اقتصادي