الإدارة العامة علم حديث لم يظهر إلا في عشرينات وثلاثينات هذا القرن، رغم أن المسؤوليات إلى مارستها الحكومة كانت دائما يمكن وصفها بأنها إدارة. لقد كان الفراغ الفلسفي وتنازع المدارس المختلفة واقتباسها من مجاهل العلوم الأخرى أدى إلى خلط المفهوم وفشل في تحديد المنهج الواجب الالتزام به .

مما أدى إلى تدني مستوى التحليل وفهم المنظمات المعقدة وعملها. كما كان للتطور السريع والجذري في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عدم السماح باستقراء موضوعي للقواعد والمبادئ كالاتساع الهائل في الحجم سواء لأسباب موضوعية أو مظهرية أو دخول الجهاز الإداري إلى ميادين جديدة كلية لم تعرفها الدول النامية من قبل.

ويقول بحث للدكتور هاشم الباش إن هذه الظروف جرت إلى خضوع الجهاز الإداري لظاهرة التجربة والخطأ، مما استدعى في كثير من الأحيان إلى النقل الواعي أو غير الواعي لنماذج إدارية غير ملائمة للأوضاع المحلية وغير مسايرة للمستوى الفني والواقع الاجتماعي والثقافة السائدة.

أو أن هذه النماذج المنقولة تحمل في طياتها تحيزا لمصلحة المؤسسات المالية الكبرى التي سوقتها أثناء عمليات تمويل المشاريع التنموية والتي لم تراع الفجوة المتنامية بين الموارد والحاجات العامة. ويلاحظ أيضاً أن الأزمات المالية والاختلالات في الميزانيات العامة لم تجر إلا إلى ضغط في النفقات وحرمان الجمهور من الخدمات كما ونوعا.

كما يمكن إضافة عامل آخر ساهم في تشويش الصورة الإدارية، فقد كان الكثير من اتفاقيات التعاون الإداري سواء أكانت ثنائية أو جماعية مجالا للمنافسة والتداخل والتناقض مما جعل الدول المتلقية للمعاونة الفنية في حالة عدم استقرار وعدم استمرارية في مشاريعها الإصلاحية ومجال لإهدار الأموال والجهود مما دفع العاملين في الإدارة إلى الشك في أمور الإصلاح الإداري المنشود.

لذا يصبح تحليل دور الإدارة قضية واجبة الدراسة، إلا أن الدور الذي يمكن أن تساهم الدولة فيه غير واضح المعالم يتأرجح بين قطبي الشمولية والمحدودية، أي أن المعيار الأقرب إلى المعقولية يمكن أن يقوم على أساس مقارنة دور الدولة مع حاجات ومتطلبات المجتمع في مختلف مراحله التنموية وان هذا الدور قد يمتلك عدة مهام من الواجب تحقيقها منها:

إن الاعتقاد الشائع والسائد بين كثير من الناس، بان نظام السوق لا حاجه له بالدولة وان آلية السوق أو مفهوم «اليد الخفية» هي التي تعيد التوازن وتحقق العدالة في توزيع الثروة. هذا الاعتقاد يخفي في ثناياه فكرة مضادة لمفهوم السلع العامة ،

فهذه سلع وخدمات أساسية للمجتمع ولكن السوق لا تصلح لتوفيرها (العدالة، الدفاع.. الخ) لان منفعتها تجاوز المستفيد منها ويفيد منها الغير بالضرورة، أي لا يمكن توفيرها لشخص دون أن يستفيد منها الغير. وكذلك هناك من الخدمات متى أديت لفرد استفاد منها الجميع دون تكلفة إضافية (فتح جسر أو طريق).

كما يجب الاعتراف بان السوق في حاجة إلى تنظيم حيث إن وضع الإطار القانوني لمباشرة النشاط يفرض خضوع الجميع له، وهو سلعة أو خدمة عامة، لا يمكن توفيرها من خلال السوق وحدها.

إن التنظيم يحد أو يمنع استغلال أو احتكار السوق ويقلل ويهذب من تشوهات السوق ويحمي المستهلك من شرورها. إضافة إلى أن المجتمع كثيرا ما يطالب بوضع تشريعات لتشجيع الاستثمار والصادرات.

إن الدولة تلعب دور الضامن للترابط الاجتماعي من اجل تحقيق تساوي الفرص ومقاومة الاختلالات الاجتماعية وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، كما أن الدولة مسؤولة عن توفير المواصلات والاتصالات لربط أجزاء الاقتصاد وإصدار النقود وهو مظهر للسيادة وتتحمل الدولة مسؤولية الاستقرار في قيمة النقد.

إن هذه الهموم التي تعاني منها الإدارة تضغط بقوة لمراجعة مهام الدولة بشكل دوري حماية وضمانا لعدم الإفراط أو التناهي في التواضع والتفكير في إيجاد حلول جديدة ومغيرة للمشاكل القديمة والجديدة مستفيدين من التجارب الناجحة للدول المتطورة والنامية في المجال الإداري مع مراعاة أن قوانين العلم تحمل صفة عالمية ولكن الممارسات قد تلبس ثوب الخصوصية.

أما السبب الثاني والذي جعل الضوء المسلط على الإدارة العامة فهو ظاهرة الخصخصة والتي تعرف بشكل عام «بأنها انتقال عمل ما كليا أو جزئيا من القطاع العام إلى القطاع الخاص« بما يحتوي عليه ذلك من زيادة فعالية القطاع الخاص وقوى السوق سعيا لتحقيق الأهداف الاجتماعية وبكلمات أخرى أن الخصخصة هي تقليص «الجهاز الحكومي» وتضييق حدود مسؤولية الدولة.

إن هناك سيلا أشبه بالطوفان في الأدبيات التي تتحدث عن التخصيص منذ الثمانينات، حيث تمثل توجها عالميا مخالفا لما هو سائد في الساحة الاقتصادية والاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية.

كانت غالبية الدول الصناعية تسير على هدى المبادئ التي صاغها الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز كرد على الأزمة الاقتصادية التي اشتعلت في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية .

لقد وضعت المبادئ الكينزية الدولة في مصاف المستثمر المالي الرئيسي في الاقتصاد الوطني وأعطتها دور التدخل عبر موازنتها المالية في النشاطات الاقتصادية من اجل تصحيح حالات البطالة والركود الناتجة عن السوق أو تفاديا لزيادة حجم الطاقات الإنتاجية المؤدية للتضخم

إلا أن السياسات الاقتصادية التي اتبعت قد ولدت أزمة حادة في السبعينات شلت قدرة الحكومات على كبح العجز في الموازنات الحكومية وأفقدتها القدرة على استفحال التضخم وبقاء أسعار صرف العملات في مستوياتها السائدة،

مما زعزع الثقة في المبادئ الكينزية وسارع في انتشار دعوة جديدة للسياسة الاقتصادية تنادي بتعظيم دور القطاع الخاص وإعطاء المشروعات الخاصة الحرية بشأن الاستثمار والاستخدام للأيدي العاملة .

ولا شك أن عمليات انتقال المسؤوليات الاقتصادية من الحكومة إلى السوق لابد وان تجر معها تغييرات في الإطار المؤسساتي. لذا ترجمت هذه الأفكار إلى فضاء إداري ممثلا في حزمة من الأساليب التقنية تمكن المسؤولين الحكوميين أن يختاروا منه الأساليب الأكثر ملاءمة لانجاز المهام المطلوبة

ودعمت هذه الأساليب بعد انتصار ريجان وثاتشر في العقد الثامن من هذا القرن، كشكل للتحديث الإداري ومتغير تابع للتوجهات الاقتصادية والسياسية الجديدة، واعتمد هذا القضاء أساسا على معيارين هما الحرية أي اقل تدخل للدولة في الاقتصاد والفعالية والكفاءة لآلية السوق.

والأهداف الحقيقية للتحديث الإداري هي التي تولد من أحشاء الواقع الاجتماعي الجديد والتي تسعى لزيادة القدرة على اتخاذ القرار وإدارة الأجهزة الإدارية بصورة جماعية وتحمل المسؤولية من قبل الموظفين.

فهذه الأهداف تمثل إطارا أخلاقيا غايته المصلحة العامة والتفكير في ترشيد وتحديث الإدارة. إن الإدارة الحكومية ، لم تتجاهل الكفاءة في الماضي لقد كان تنفيذ السياسات بعيدا عن السياسة هو أحد جوانب الكفاءة ، ولقد تبنت طرقا مقننة علميا في تسيير الإدارة كاستخدام نظام الجدارة والتصنيف وإعادة تنظيم الهياكل الإدارية والتخصص المهني، إن كل هذه النظم هي وسائل تسعى إلى الكفاءة.

كاتب وباحث بحريني