أخذ الساسة وهيئات الرقابة المالية، والأخصائيون الماليون من خارج الولايات المتحدة، يبحثون عن دور مؤثر في الإشراف على الأسواق والبنوك ووكالات التصنيف في الولايات المتحدة، في ضوء المشاكل الأخيرة المرتبطة بالرهن العقاري عالي المخاطر.
وحجتهم في ذلك بسيطة: وهي أن الولايات المتحدة تصدر المنتجات المالية غير أن الخسائر التي يمنى بها المستثمرون في بلدان أخرى، توحي بأن الهيئات الرقابية الأميركية لا تولي اهتماماً كافياً لمراقبة المنتجات أو توجه أنظار المستثمرين إلى المخاطر الكامنة.
وفي هذا الإطار قال «بيتر بوفنجر» عضو المجلس الاستشاري الاقتصادي الألماني، والاستاذ في جامعة «فورز بيرغ»، إن ثمة حاجة لمقاربة عالمية، ولابد من مشاركة الولايات المتحدة بها». وفيما لم تجد الفكرة آذاناً صاغية لدى الهيئات الرقابية الأميركية في الماضي.
فإن المحللين يقولون إن أوروبا وآسيا لديهما الآن اليد الطولى، وما على واشنطن إلاّ الرضوخ إذا ما رغبت في فرض تنظيمات متبادلة على صناديق الاستثمار الحكومية، التابعة للأسواق الناشئة. ويقول «بوفنجر» في هذا الصدد إن أميركا تعتمد على بقية العالم لتمويل ديونها».
ولئن لم تشتر مؤسساتنا منتجاتها المالية، فإنها ستتضرر لا محالة» وكانت البنوك والصناديق الاستثمارية من الصين إلى فرنسا، قد مُنيت بخسائر فادحة، في الآونة الأخيرة بعد شرائها أوراقاً مالية مدعومة بالرهن، ومنتجات مالية معقدة منبعها الولايات المتحدة.
ولقد أخذ المستثمرون في أحايين كثيرة على حين غرّة، لأن وكالات التصنيف الائتماني الأميركية منحت المنتجات تصنيفات عالية، قادت المستثمرين إلى الظن بوجود مخاطر قليلة، كما راح المستثمرون العالميون يتساءلون عن السبب الذي سمح فيه للبنوك الأميركية بمنح الرهونات العقارية لمشتري المنازل، الذين عجزوا في النهاية عن سدادها.
وإلى ذلك قال «كلود بيبير» رئيس المجلس الرقابي في A x A أحد أكبر المصدرين العالميين، أنه في الاقتصاد المعولم، حيث الصناديق التحوطية وعمليات الشراء المعززة، والصناديق الاستثمارية، يتوجب علينا المساءلة عن المزيد من الشفافية،
وتعقيباً على ذلك فإن عدداً لا يستهان به، من البنوك الأميركية، والهيئات الرقابية المالية بما فيها هيئة الأوراق المالية والبورصات رفضت التعقيب، وقال كثير منهم إنهم ليسوا الوحيدين المخولين بمراقبة سوق الرهن العقاري عالي المخاطر.
أما في أوروبا، فإن الأزمة الائتمانية شجعت أولئك الذين كانوا يطالبون بقوانين عالمية أكثر صرامة منذ بعض الوقت. وكانت ألمانيا لقيت صدوداً من جانب واشنطن ولندن، عندما طالبت بقانون دولي للسلوك خاص بالصناديق التحوطية ولقد تجرأ بعض المستشارين الاقتصاديين الخاصين بالحكومة الألمانية الآن للمطالبة بضرورة تأميم وكالات التصنيف الائتماني
وتسجيل القروض الضخمة بصورة علنية وتطوير المعايير الدنيا لسندات الدين المعقدة، ومن جانبه قال رئيس مجلس التحليل الاقتصادي الذي يقدم التوصيات لرئيس الوزراء، إن الصناديق التحوطية يجب أن تخضع لمزيد من قوانين المكاشفة حول مخاطر تعاملاتها.
كما دعا «كريستيان دوبواسو» رئيس المجموعة وعضو اللجنة الخاصة بالمؤسسات الائتمانية والاستثمارية التي تساهم في تنظيم القطاع البنكي الفرنسي إلى وضع سجل عالمي لجميع الصناديق التحوطية بالإضافة إلى دعوته إلى إخضاع السندات المعقدة للرقابة قبل تفويضها للمحافظ البنكية.
وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساراكوزي، الذي تعهد بإضفاء «طابع» أخلاقي على الرأسمالية المالية. طلب من وزير ماليته «كريستين لاجارد» إعداد مقترح لقوانين إفصاح أشد صرامة، حول المشاركين في السوق، قبل اجتماع وزراء مالية مجموعة البلدان السبع في شهر أكتوبر المقبل.
وكان ساراكوازي أكد في خطاب أخير له حول السياسة الخارجية على دعوته لتعزيز القوانين الدولية لتجنيب أزمات مالية. وقال إن مثل تلك الأزمات، ستكرر في حال إخفاق زعماء الدول الكبرى في اتخاذ إجراءات صارمة لفرض شفافية وتنظيم الأسواق العالمية.
ومن جانبه قال البنك المركزي الصيني انه سيتحرك باتجاه وضع معايير للإفصاح عن المعلومات حول السندات المدعومة بالأصول في إطار توسعة سوقه لتلك الأدوات المالية وضم المعلومات عن القروض والشروط والمقترضين، في أي سندات جديدة تطرح في الصين، وتعتبر الولايات المتحدة وبريطانيا منبع ما يسمى المنتجات المالية المعقدة، كتلك التي انهارت أخيراً، نظراً لتواجد بنوك وول ستريت الكبير في كلا البلدين.
وبدوره، قال «كريس ريكس وورثي»، مدير خدمات الرقابة المطورة، وفي IMS كونسلتنغ، شركة الاستشارات المتوافقة مع لندن، والمراقب السابق في هيئة الخدمات المالية البريطانية : «إن صلب الموضوع، وهو أن أكبر المؤسسات المالية، تواصل خلق المزيد من المنتجات المعقدة».
وقال ريكس وورثي إن المنظرين في أنحاء العالم يتحدثون عن أهمية «الاختبار المؤكد» غير أن التطورات الأخيرة أوجدت هواجس مفادها أن تلك المؤسسات إما أنها لا تبذل جهداً كافياً في هذا الإطار أو أنها تطرح أشياء معقدة، لنماذجها من تقييم المخاطر.
وأضاف: «إن التعاون الوثيق على الحلبة العالمية بين اللجان التنظيمية هو بلا شك أحد الأشياء المطلوبة». والمنظمون الأميركيون يدركون المشكلة، فقد أجرت الهيئات الرقابية والبنوك الأميركية سلسلة من الدراسات المسحية والمراجعات يعود تاريخها إلى العام 2005، تبين لها أن معايير الائتمان تراخت فيما يخص قروض المنازل وأن المقترضين لا يستوعبون أو غير مؤهلين للقروض التي يمنحونها.
كما أن بعض المؤسسات المالية تدير مخاطر قروض الرهن العقاري غير التقليدية باتباع ضمانات أكثر حصافة حسبما قالت مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية الأميركية في سبتمبر 2006، فيما يلقي البعض مخاطر تلك المنتجات على المستثمرين».
وكانت بعض الهيئات التنظيمية الأميركية تدفع باتجاه المزيد من التعاون الدولي بشكل عام. وقد انكبت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية على مناقشة فرض المزيد من الرقابة على الصناديق التحوطية، ووقعت عدة اتفاقيات للتعاون مع هيئات تنظيمية في الصين وألمانيا خلال الشهور 18 الماضية،
فالهيئة «عضو نشط للغاية» في المنظمة العالمية لهيئات الأوراق المالية، الهيئة العالمية التي تجمع جميع منظمي الأوراق المالية حسبما قال «أندرو لاكوس» مسؤول العلاقات العامة في المجموعة، مضيفاً «بأنهم يدركون الحاجة لمزيد من التعاون الدولي غير أن قروض الرهن العقاري عالي المخاطر، التي أشعلت فتيل الأزمة الأخيرة انطلقت بشكل أساسي من الولايات المتحدة.
و«هذا الوضع أثار تساؤلات حول كيفية تنظيم تلك السوق» وفي الولايات المتحدة يُلقى قسط كبير من اللوم على وكالات التصنيف الائتماني التي تقبض من البنوك لتصنيف منتجاتها والتي ربطت أحياناً تصنيفات تقييم استثمارية مع أوراق مالية تبين لاحقاً أنها أقل درجة.
ومن جانبهما طالب جوزيف ماسون أستاذ التمويل في جامعة دريكسيل في فيلادلفيا و «جوش روزنر» العضو المنتدب في شركة الأبحاث «جراهام فبشر» بضرورة فرض المزيد من الرقابة على وكالات التصنيف الائتماني. وقال «روزنر»، إن المنظمات الرقابية الأميركية ليست الوحيدة التي توانت بالرغم من أنها حقاً فعلت.
مضيفاً بأن المنظمات الرقابية العالمية أنحت باللائمة على وكالات التصنيف التي ترك لها عنان سلامة وصحة الرساميل البنكية والتأمين وأموال التقاعد أما في استراليا، حيث تعامل المستثمرون في منتجات مالية كالمشتقات والمقايضات، فإن عدداً من الصناديق التحوطية أصيبت بأضرار جسيمة نتيجة انكشافها على قروض الرهن العقاري عالية المخاطر.
ترجمة : وائل الخطيب