بات تعبير الفجوة الرقمية شائعاً تماماً خلال السنوات القليلة الماضية. وهو تعبير يُستخدم للدلالة على الهوة التي تفصل بين من يمتلكون المعرفة والقدرة على استخدام تقنيات المعلومات والكومبيوتر والإنترنت، وبين من لا يمتلكون مثل هذه المعرفة أو هذه القدرة. ذلك أن المجتمع أصبح ينقسم على هذا النحو، بالإضافة إلى انقساماته التقليدية الأخرى على أسس طبقية واجتماعية واقتصادية.

ومن العوامل الرئيسية التي تؤثر على وجود وتفاقم هذه الهوة الرقمية بكل أشكالها ومستوياتها عدم وجود بنى تحتية مناسبة لأغراض الاتصال بالشبكة في الكثير من بلدان العالم الثالث. كما أن غياب أو ضعف هذه البنى يؤدي إلى ارتفاع أسعار خدمات الإنترنت، بحيث يصبح هذا الارتفاع عاملاً معوقاً بدوره.فمثلاً تتجاوز تكاليف الارتباط بشبكة الإنترنت في بعض دول أفريقيا مستوى الدخل الشهري لشريحة واسعة من سكان تلك البلدان!

وكانت إحصائية سابقة نُشرت في تقرير حول ألفجوة الرقمية قدرت أن نصيب أميركا الشمالية من مجموع مستخدمي الإنترنت يبلغ نحو 75 %. وبالمقابل لا يتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط5..% من الحجم العالمي!

ان القضية ليست قضية تقنية فقط، أو امتلاك أجهزة حواسيب بنسب مرتفعة قياساً لعدد السكان أو حتى استخدام هذه الحواسيب على نطاق واسع، وإنما هي في إنتاج المعلومات والقدرة على تخزينها في مراكز معلومات وأبحاث، والحق بإدارتها فضلاً عن وجود قوانين تسمح بحرية الاتصال والتواصل والحصول على المعلومات وتداولها، ومحو الأمية المعلوماتية، وإيجاد الظرف الاقتصادي المواتي لإمكانيات استخدامها، إضافة لشروط أخرى عديدة تتعلق بمرحلة التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري في أي بلد من البلدان.

أما من الناحية التقنية للمعلومات نجد كثيرا من الدول أنشأت بما يسمى بالحكومات الالكترونية والجامعات الافتراضية التي تعتمد على المعلومات بشكل أساسي وعلى وسائل الاتصالات الحديثة. وايضاً نجد مراكز البيع والشراء التجارية والبنوك الالكترونية التي هي بالتالي تعتمد على وجود وسائل الاتصال المتاحة للشعوب واستيعاب الشعوب لهذه التقنيات الحديثة واستعمالها بالشكل الصحيح.

وعلى طريق مواجهة الفجوة الرقمية في المنطقة العربية قامت مشاريع الحكومة الالكترونية في الوطن العربي حيث يرى المتحمسون لمشاريع الحكومة الالكترونية ان أساس نجاح أي مؤسسة في هذا العصر يعتمد على مدى قدرتها على التخطيط الاستراتيجي السليم لمشاريع الحكومة الالكترونية وكفاءاتها وقدرة الموظف المسؤول والتنفيذي على اتقان واستخدام النظم التكنولوجية الحديثة بجانب أمن المعلومات والمعاملات والخدمات الالكترونية..

وهذا يتطلب احداث نقلة نوعية في تطوير المهارات للكوادر البشرية التي تقدم الخدمات للجمهور وقطاع الأعمال لبناء مجتمع معلوماتي في المنطقة. ويتمثل التحدي في السنوات المقبلة في تبني الجماعات المحلية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال من خلال تعامل الحاكم والمحكوم.وهذا يعني ان التحول إلى الادارة الالكترونية ليس دربا من دروب الرفاهية وانما ضرورة حتمية تفرضها المتغيرات العالمية.

وقال محمد غزلي عضو اللجنة الوطنية للحكومة الالكترونية في المملكة المغربية ان الحكومة الالكترونية ليست فقط تقديم معاملات عن طريق الانترنت وانما هي أكبر تحد للسنوات المقبلة من خلال تبني الجماعات المحلية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال وذلك من خلال تعامل الحاكم والمحكوم وشركاء المصالح العمومية.

واوضح في حديث خاص ل (البيان الاقتصادي) ان اساس الحكومة الالكترونية ينبني على شيئين اثنين يتمثلان بتبني استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال كآلية ورافعة لتحسين الاداء والتواصل وتحول العلاقات التقليدية بين الحكومات ومجموع الشركاء داخليا وخارجيا.

وبشأن مواجهة الهوة الرقمية قال يحيى فاخورية رئيس قسم الحكومة الالكترونية في وزارة الصحة الأردنية انه يفترض ان يكون هنالك نوع من التوعية للمجتمعات بمختلف وسائل الاعلام والاتصال الحديثة والقديمة كالهاتف النقال والانترنت والتلفاز من اجل إيجاد مجتمع معلوماتي يعتمد في تسيير شتى معاملاته على تكنولوجيا المعلومات.

وعلى الصعيد نفسه قال المهندس محيي الدين يحيى حكمي المدير التنفيذي لقطاع التقنية والمعلومات والخدمات الالكترونية في الغرفة التجارية الصناعية بجدة ان ألفجوة الرقمية يمكن تجاوزها ببناء مجتمع معلوماتي ويمكن تحقيق ذلك بالبدء بالبيت بان تغرس في نفوس الأطفال قضية الكمبيوتر والانترنت ولو باستخدام الألعاب ومن ثم تطور القضية لان بعمل الطفل برنامج صغير ليحسب مصروفه اليومي وتدريجيا يتطور يوما عن يوم فهذا الطفل هو الأساس لبناء مجتمع معلومات وهذا الطفل عندما يكبر يصبح مواطن صالح يتمتع بالمعرفة المعلوماتية..

وأشار إلى التغيير الكثير الذي حدث في المملكة العربية السعودية خاصة في المجال التجاري حيث يقوم مجتمع التجار بالحصول على معلوماتهم من الغرفة التجارية ولا يمكن تجاهل أهمية المجتمع الاقتصادي والتجاري في تحفيز استخدام الخدمات الالكترونية وإتاحتها لهذا المجتمع على الرغم من قلة استخدام الأعضاء لهذه الوسيلة الحديثة في تسيير المعاملات واستغلالها على الوجه الاكمل مما يضيع القيمة التي من اجلها صرفت الكثير من الأموال عند توفير هذه التقنية.

وحول العقبات التي تحول دون التحول إلى الإدارة الالكترونية بشكل كامل قال انه في أي مجتمع او وزارة او مؤسسة تأتي اولى العقبات البيروقراطية وحب السلطة وتملك المعلومة والخوف من انفلات المعلومة من يد المسؤول لانه بوجود المجتمع المعلوماتي يعتقد بعض الناس انه سيفتقد السلطة التي بيده وان الناس لن ترجع اليه لتسأله عن المعلومة بالاضافة إلى اهمية انتشار الوعي وتغيير التفكير واقناع الجمهور باهمية استخدام المعلوماتية.

وحول التغيرات التي حدثت في السعودية بعد دخول المعلوماتية قال ان مبادرة الملك عبدالله بدخول مليون جهاز حاسب إلى للمنازل غيرت كثيرا من المفاهيم عند كثير من الناس واوجدت مجتمع معلوماتي إلى حد ما حيث بدأ الناس يشترون الكمبيوتر حتى لو من اجل الانترنت او الالعاب وفي النهاية اعتقد ان الجمهور ستستفيد في النهاية وسيستخدمها في البرامج والمعاملات الالكترونية.

وعبرعن مخاوفه من انتشار المعلوماتية مستقبلا وقال مبتسما بان الثورة الالكترونية قد تزيد من السمنة عند الكثيرين نتيجة للميول إلى العزلة والفردية وقلة الحركة وممارسة الرياضة نتيجة لانتشار العمل عن بعد والدراسة عن بعد.

ومن جانب اخر دعا سليمان بن حمد البوسعيدي مدير عام التخطيط بوزارة العدل في سلطنة عمان إلى الاهتمام بالمدارس اولا لنشر المعلوماتية ومن ثم تعميم التقنية المعلومانية على موظفي الحكومة واعتماد مبدأ التدرج على خطة عمل واستراتيجية واضحة مشيرا إلى تجربة ناجحة مرت بها السلطنة خاصة في وزارة العدل حيث تم اعتماد استراتيجية واصحة تستمر لخمس سنوات وتم الاستفادة من تجارب الاخرين مثل وزارة العدل هنا في حكومة دبي مؤكدا ان تقبل المجتمع الخليجي ليس بالصعوبة الموجودة لدى المجتمعات الاخرى وهذا يجعل من امر نشر ثقافة المعلوماتية امرا يسيرا.

وحول اساليب التغلب على الهوة الرقمية قال اننا كدول مجلس تعاون اعتقد اننا نسير بخطى ثابتة صحيحة فنالك نقلة كبيرة تجري الان مما يجعلني اقول بثقة ان هذه ألفجوة تتقلص يوما بعد يوم من خلال عقد المؤتمرات وبرامج التدريب التي قامت بها دول المجلس مجتمعة مؤكدا امكانية الوصول مشيرا إلى ما وصلت اليه دبي التي قطعت شوطا كبيرا فيما يتعلق بنظم المعلومات وهنالك دول اخرى تحذو نفس الحذو واعتقد انها قادرة على ذلك.

وعلى الصعيد ذاته قال سعيد بن راشد الشرياني مدير مركز نظم المعلومات بوزارة العدل في سلطنة عمان ان الاستثمار في قطاع المعلومات يعد استثمارا واسعا ومربحا اومجديا جدا مشيرا إلى وجود شركات عمانية سارت خطوات على هذا الطريق حيث بدأت تسوق هذه البرامج في الشرق الاوسط وفي اميركا والدول المتقدمة لهذا فان الشركات ستجد سوقا واسعة في هذا المجال بحيث يمكن ان تصبح صناعة البرمجيات في عمان صناعة تصديرية مستقبلا.

ومن جهة اخرى قال عقلة الطاهات مدير ادارة الحاسب الالي في دائرة الاحوال المدنية والجوازات الأردنية ان الكوادر البشرية العاملة في برنامج الحكومة الالكترونية تخضع لدورات تدريبية تهدف إلى رفع مستواها التقني باستمرار داعيا إلى مزيد من الاهتمام بتدريبها..

واشار إلى ان اولويات برامج الحكومة الالكترونية تتمثل بالمشاريع البرامجية واعطاء المعلومة الصحيحة خدمة للمواطنين في جميع ارجاء الوطن داخلة وخارجة من خلال خدمة الحصول اصدار جوازات سفر ودفاترعائلة عن طريق الانترنت باستخدام برنامج البوابة الالكترونية والتي سيبدأ تطبيقها في القريب العاجل.

الى ذلك قال هاني محمود الشنتير مدير مشروع برنامج الحكومة الالكترونية في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردنية ان صناعة البرمجيات الأردنية تعد صناعة تصديرية حيث أصبحت تشكل دخلا مهما للأردن بحيث أصبحت تؤثر بمستوى الناتج القومي حيث هنالك عناية من الدولة في هذه الإطار بالإضافة إلى جهود جمعيات متخصصة في تشجيع الشركات المنتجة للبرمجيات.

وتساعدها على ترويج منتجاتها في داخل وخارج البلد اذ ان الكثير من المنتجات الأردنية تصدر إلى دول الغرب أيضا مثل ألمانيا وامريكا. وعلل تراجع مستوى الصادرات خلال هذا العام بضعف رؤوس الأموال المحلية المستثمرة في هذا المجال مقارنة بالشركات العالمية في ظل ازدياد حدة التنافسية.

وقال انه يمكن ردم الهوة الثقافية بتوفير الدعم المستمر من الحكومات وأصحاب رؤوس الأموال لان المواطن الأردني او العربي مقارنة مع نظيره الغربي لديه قدرات إبداعية وإنتاجية قوية جدا وهذا تم إثباته في السنوات القليلة الماضية بدليل ان الكثير من العقول هاجرت للغرب لتجد الرعاية والدعم ومن ثم لتعود إلينا بإنتاج غزير جدا ونعود إلى استغلال هذه الخبرات بعد إثبات وجودها في الغرب وهذا يدعو إلى الاهتمام بالحافز المادي الذي يدفع المواطن الأردني أو العربي للهجرة للغرب.

الى ذلك يبلغ مستخدمي الانترنت بالدول العربية6..% فقط من تعداد السكان بينما بالدول المتقدمة نجد أن مستخدمي الانترنت يبلغ 88% من تعداد السكان، وتفسير ذلك أن الدول المتقدمة بهذا المجال أوجدت البنية التحتية القوية وبأسعار في متناول الجميع.

دبي ـ حسين حمادنة