تختتم الليلة الدورة الرابعة والستون من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، في حفل توزع خلاله الجوائز على الأفلام الفائزة.وقد سجّلت المدرسة الروسية من جديد حضورها المتميّز في المهرجان، فبعد أن حقق المخرجون الروس في السنوات الست الأخيرة نجاحات كبيرة في دورات المهرجان.

وحملوا كبريات الجوائز إلى موسكو، عادت السينما الروسية هذا العام مُمَثّلة بأحد كبار معلّميها، نيكيتا ميخالكوف، الذي حمل إلى جزيرة الليدو إنجازه الأخير «12» ، والذي نتوقّع أن يصعد مساء اليوم (على منصّة الفوز ليحمل احدى جوائز المهرجان،

لأنه أنجز شريطاً سيدخل بالتأكيد في سفر الأعمال السينمائية الكبرى، ليس فقط لأهميته الثقافية ومنظوره السياسي، بل للتميّز الكبير في إنجازه على صعيد الإخراج وأداء الممثلين الإثني عشر (ومن بينهم نيكيتا ميخالكوف نفسه).

«12» يعني 12 محلّفاً يمثلون مختلف طبقات وقطاعات الشعب الروسي، دُعيوا لإقرار براءة أو مذنوبية شاب شيشاني اتهّم بقتل زوج والدته الضابط الروسّي الذي شارك في الحرب في الشيشان. المشهد «واضح» للغاية.

السبب في القتل ناتج من هويتي الضحية (ضابط روسي) والمتهم (شاب شيشاني اسمه عمر) والمحكمة بكل قوامها، من رئيسها إلى وكيل النيابة ومحامي الدفاع روسيّة حتى النخاع، ولا يفصل بين قرار المحكمة والحكم النهائي إلاّ إمضاء المحلفيّن الذين أُدخلوا إلى قاعة رياضة مهترئة في مدرسة ابتدائية وأُعطَوا عشرين دقيقة فقط لإقرار الحكم بمذنوبية الشاب.

رئيس اللجنة (نيكيتا ميخالكوف نفسه) يقرر طبيعة العمل بصيغة التصويت، فيقرر أحد عشر من المحلّفين بأن الشاب مذنب، غير صوت واحد يدعو إلى «الكلام في الموضوع على الأقل» وثم «أنا أصوّت ضد توجهّكم لأن النتيجة بالأغلبية أكثر مصداقية من التزكية».

الدرس الأول في الديمقراطية يقود في ساعتين ونصف الساعة من التوتّر العالي والأداء الرائع للممثلين الروس إلى قلب الصورة، وتنتهي المناقشة إلى قرار مختلف تماماً عن القرار الابتدائي. غير أن ذلك لا يعني على الإطلاق خروج الشاب «عمر» من السجن.

فالديمقراطية قد تُسنّ مسارات حياة مجتمع ما، وقد يوفّر القضاء في ذلك المحتمع مفردات العدالة، لكن العدالة لا تعني دائماً ضمان سلامة المواطنين. نتيجة مثيرة للقلق، لكن هذا هو الوضع في الكثير من المجتمعات التي أتاحت الديمقراطية والتصويت فرصة صعود تيارات وجماعات تعكّزت على التصويت والديمقراطية ذاتها، لتقوم بوأدها لمجرد تمكّنها من كراسي الحكم.

«ما العمل إذاً؟» يتساءل ميخالكوف ويضع أجوبته في خاتمة الشريط. بالإضافة إلى القراءة السياسية والثقافية والبصرية يقدّم ميخالكوف في عمله الجديد أحد أهم مميّزات المدرسة السينمائية الروسية، أي القدرة الأدائية العالية لمجموعة الممثلين الذين أدوا بطولة الفيلم، إذ لسنا إزاء اثني عشر ممثلاً بل ضمن إثني عشر درساً في التمثيل.

قدّم كل من هؤلاء الفنانين مقطوعته الخاصة كما لو كان جزءاً من أوركسترا سيمفونية عالية الإبداع، وساهم كل منهم بتنويعاته خلال الساعتين ونصف الساعة اللتين استغرقهما «عزف» الفيلم. احتفظ ميخالكوف لنفسه بالقسط الأصغر من الحضور،

وباعتباره رئيساً لهيئة المحلّفين وبقي حتى النهاية مراقباً لما يحدث، وعندما آل إليه دور «العزف المنفرد» ضيّق مساحة الصورة واختزل مقطوعته بعدد قليل ورائع من إيماءات الوجه، أبرزت ما يُخفي وراء قناع المخرج من تاريخ ممثل كبير.لا أستبعد أن تقوم لجنة التحكيم الدولية برئاسة المخرج الصيني زهانغ ييمو بمنح مجموع ممثلي هذا الفيلم (وكلهم من الرجال) جائزة أفضل تمثيل رجالي.

فينيسيا ـ عرفان الزهاوي