خطت إمارة دبي خطوات كبيرة على مسار النمو الاقتصادي، وحققت معدلا للنمو من رقمين بوتيرة سريعة فاقت الكثير من الاقتصادات الصاعدة بما في ذلك الهند والصين المعروفتين بسخونة أدائهما الاقتصادي.

ويؤسس هذا النمو ما يمكن وصفة جزافا بـ «مثلث النمو الاقتصادي القوي» الذي ينبئ بارتقاء التفاعلات التجارية والاستثمارية فيما بين هذه الاقتصادات إلى آفاق أكثر رحبة واتساعا، ويبشر أيضا بنشوء علاقات تكاملية أكثر عمقا وقوة على مختلف الأصعدة،

حيث يولد النمو الاقتصادي الذي يمثل السمة المشتركة بين هذه الاقتصادات الثلاثة درجة عالية من الاعتماد المتبادل، تمثل فيه إمارة دبي بوابة للاقتصادين الهندي والصيني في ضخ استثماراتهما وتجارتهما إلى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يوفر رافدا لانتعاشها وازدهارها كمركز تجاري عالمي في المنطقة الواقعة بين الأسواق الغربية ومثيلتها الآسيوية.

وتظهر خطة دبي الاستراتيجية للأعوام السبعة المقبلة التي حملت عنوان: «دبي.. حيث يبدأ المستقبل» بوضوح معالم صورة الإمارة في العام 2015 عندما يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 108 مليارات دولار (400 مليار درهم) ومعدل دخل الفرد إلى 44 ألف دولار (161 ألف درهم)، وبمعدل نمو نسبته 11 في المائة،

ما يعني ارتفاع إجمالي الدخل من 42 مليار دولار (نحو 155 مليار درهم في العام 2006) إلى 108 مليارات دولار في العام 2015، وتتبنى الخطة توجهاً استراتيجياً يركز على القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية، والتي ساهمت كمحركات أساسية في ارتفاع معدل النمو الفعلي للناتج المحلي الإجمالي إلى 13% سنويا منذ عام 2000.

وحقق اقتصاد الصين الضلع الثاني من مثلث النمو نموا برقم مزدوج خلال السنوات الأربع الماضية، وبناء على تقرير بثته وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» في مطلع العام الجاري نما الاقتصاد الصيني بنسبة 10% في عام 2003، و1. 10 % في عام 2004، و4. 10% في عام 2005، كما نما إجمالي الناتج المحلي الصيني بنسبة 7. 10% في عام 2006.

وعلى نفس المنوال، حقق الاقتصاد الهندي الضلع الثالث من مثلث النمو نموا نسبته 4. 9% خلال السنة المالية المنتهية في شهر مارس من العام الجاري، وهو أسرع معدل يسجله خلال 18 سنة ماضية، وأفادت البيانات الرسمية أن الناتج المحلي الإجمالي للهند نما خلال السنوات بنسبة 6. 8%.

مؤشرات ودلائل

وتزخر الساحة الاقتصادية في إمارة دبي بالكثير من المؤشرات والدلائل التي تعزز التوقعات باستدامة قوة النمو الاقتصادي،خاصة في المجالات المرتبطة مباشرة بالأعمال، وتجلي ذلك في شغل دبي المكانة الثانية على مستوى العالم في مجال بناء المكاتب التجارية،

وذلك بعد موسكو التي شغلت المرتبة الأولى، وذلك على الرغم من أن عدد السكان في موسكو يعادل عشرة أمثال نظيره في دبي، وقدر خبراء أن قطاع الإنشاءات في دبي بات يسيطر على 25% من رافعات العالم والتي يمكن ان يلاحظها القاصي والداني

وهي تتزاحم في سماء المدينة وتتسابق لتنفيذ مشاريع البناء الهائلة التي لا يزال الإعلان عن الجديد منها مثار دهشة العالم، وجاءت هذه التقديرات على لسان عادل الشيراوي المدير التنفيذي لشركة «تمويل» المتخصصة في توفير حلول التمويل العقاري،

حيث قال : إن حجم مشاريع الإنشاء في دبي فرض أن يستحوذ قطاع الإنشاءات على نحو 25% من رافعات العالم لتتمكن المدينة من انجاز المشاريع العقارية التي تشهد طلبا غير مسبوق من قبل المستثمرين والأفراد المقيمين في الدولة.

وطبقا لخبراء في صناعة المقاولات فإن الرافعات البرجية من أكثر الأدوات الشائعة الاستخدام في المواقع الإنشائية الكبيرة، حيث يصل ارتفاعها عادةً إلى مئات الأقدام في الهواء وطبقا لدراسة فإن عدد الأبراج التي يجري تنفيذها

أو تم الإعلان عنها مؤخرا والمصنفة على انها من ناطحات السحاب يصل إلى 7000 بناية متعددة الأغراض بين سكني وتجاري وكشف نيكولاس ماكلين، العضو المنتدب لشركة سي بي ريتشارد إيليس المحدودة للشرق الأوسط، عن حاجة السوق العقاري بدبي إلى مليوني قدم مربع للجم الطلب المتنامي على المكاتب التجارية في المدينة،

مشيرا إلى إن النمو الاقتصادي الهائل في الإمارة جعل مئات الشركات تتوجه إليها لكنها قد لا تتمكن من العمل فور وصولها بسبب ما تواجهه من صعوبات كبيرة في الحصول على مكاتب فارغة، وأضاف ماكلين أن تحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق في دبي وحدها يتطلب دخول 10 آلاف وحدة سكنية على الفور.

كما سجل مطار دبي الدولي ـ بحسب تقرير المجلس العالمي للمطارات ـ ثاني أعلى معدل للنمو على مستوى العالم، وإذا واصل هذا المعدل في النمو، فأنه من المتوقع أن يتفوق على مطار هيثرو من ناحية نمو عدد الركاب بحلول عام 2011، كما شغل المطار المرتبة ال17 دولياً من بين أكبر 30 مطاراً دولياً في العالم

من حيث حجم شحن البضائع، وقال التقرير: إن مطار دبي الدولي تفوق بذلك على مطار هيثرو بلندن ـ حيث سجل نمواً في الشحن بنسبة4. 14% وتم تناول 5. 1 مليون طن من البضائع خلال العام الماضي عبر المطار،

فيما حل مطار هيثرو في المرتبة الـ 18 بنصيب 3. 1 مليون طن، كذالك تفوق مطار دبي الدولي ـ الأكثر ازدحاماً في منطقة الشرق الأوسط، على مطارات عالمية مثل دالاس الأميركي وطوكيو الياباني وبانكوك التايلاندي وبكين الصيني

من حيث حجم الشحنات، والبضائع غير أن مطار دبي الدولي لم يتفوق على هذه المطارات من حيث عدد الركاب رغم أنه أكثر المطارات ازدحاماً في المنطقة. واستوعب مطار دبي الدولي7. 28 مليون راكب ومسافر في العام الماضي.

الإرادة السياسية

ودل هذا الزخم القوي للنمو الاقتصادي على امتلاك الإرادة السياسية التي هي شريان الحياة لنجاح إستراتيجية التنويع الاقتصادي، وبرز الاندفاع نحو تحقيق قصب السبق على مستوى العالم على أكثر من مجال وصعيد،

ويمثل برج دبي تعبيرا حيا عن إرادة سياسية تعمل من أجل الارتقاء على سلم الرقي والتقدم الاقتصادي، حيث سجل رقما قياسياً على صعيد عدد الطوابق التي يحتويها أي مبنى في العالم، ومع ذلك، مازالت السرية تحيط بمدى ارتفاع البرج،

وتدور التخمينات أنه من المقدر أن يصل عدد طوابقه إلى 160 طابقا كحد أدنى، ومرة أخرى، يكمن السبب وراء عدم الكشف عن عدد الطوابق بالرغبة في الاحتفاظ بقصب السبق في امتلاك أطول برج في العالم، ومن شأن تسريب مثل هذه المعلومات، أن يجعل بعض المنافسين يعملون على تفويت مثل هذا السبق عن طريق بناء برج أكثر علوا.

وقد نجحت الدولة بشكل عام ودبي خاصة في توظيف فائض عائداتها النفطية هذه المرة بصورة تخدم مصالح الدولة والمواطنين وتسهم في توسعة قاعدة الموارد الاقتصادية والحد من الاعتماد على موارد النفط الخام والغاز حيث رفعت الإنفاق بشكل كبير على مشاريع البنية التحتية للقطاعات الخدمية ومختلف القطاعات الاقتصادية،

وأغدقت الاستثمار بشكل خاص على البنية التحتية لقطاع السياحة والنقل الجوي فوظفت الأموال في مشاريع لتوسعة مطار دبي الدولي وهي تخطط لإنشاء مطار آخر في جبل علي، كما ضخت الكثير من الاستثمارات في مشاريع لإنشاء المنتجعات السياحية وتطوير المرافق السياحية لتعزز بذلك دبي كوجهة عالمية للسياحة والتسوق.

صمام أمان

وفيما تتسارع وتيرة إعادة الهيكلة الاقتصادية القائمة على المشاركة بين القطاعين العام والخاص، تحفل الساحة بالعديد من المشروعات العقارية قيد التنفيذ، وقادت جهود التنويع الاقتصادي إلى الدخول في قطاعات جديدة مثل التصنيع والسياحة والخدمات المالية،

وواكب ذلك، إطلاق مشروعات في مجال الخدمات اللوجيستية والتكنولوجيا الحيوية، كما توسعت استثمارات القطاع الخاص على الصعيدين الداخلي والخارجي، وذلك بناء على خلفية التحرر الاقتصادي ومعدلات الفائدة المنخفضة والتي تتحدد بناء على الربط مع عملة الدولار الأمريكي.

وتسارعت كذلك وتيرة الاستثمارات الخارجية والتي توفر صمام أمان ضد التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، حيث تمكنت العديد من الشركات في الدولة من الاستحواذ على حصص في الشركات العالمية، كما نشطت هذه الشركات في أسواق السندات والعقارات، وبالتالي، تمتعت الإمارات بمركز أصول خارجي ضخم ومتنامٍ.

وتمكنت دبي من الاستفادة فعلاً بالازدهار الاقتصادي الإقليمي المدعم بارتفاع أسعار النفط الخام العالمية، بحيث لم تنجح حركة التصحيح الحادة في أسواق الأسهم الخليجية التي بدأت في العام الماضي لتهدر مئات المليارات في تخفيف أو إضعاف حالة التفاؤل التي تعيشها دبي.

وبالتالي، يحمل الأفق الكثير من العلامات المبشرة بمواصلة اقتصاد إمارة دبي مسيرته نحو تحقيق معدلات نمو قوية ومتينة خلال المدى المنظور، الأمر الذي يؤكد أن الرؤية الاستراتيجية الرامية إلى المحافظة على قوة زخم النمو الاقتصادي، تسند إلى سياسات وتدابير ساهمت في جعل هذه الرؤية قابلة للتحقيق،

وفي التوقيت ذاته، تظهر امتلاك إرادة سياسية تعمل على توفير المقومات المطلوبة لنجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي، وتزين أيضا الأفق بعلامات ومؤشرات تدل على اكتساب النمو الاقتصادي قدرا عاليا من المناعة والصلابة في مواجهة الهزات والقلاقل الاقتصادية،

وتتفق آراء المحللين على أن نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي قد حصن النمو الاقتصادي من التقلبات التي تشهدها أسواق النفط العالمية، بحيث صار الاقتصاد أقل انكشافا للتداعيات السلبية الناجمة عن أية انخفاضات في أسعار النفط، وهو الأمر الذي من شأنه المحافظة على ديمومة النمو الاقتصادي.

وتبقى المسألة الحيوية في نظر البعض كامنة في امتلاك الطاقة والقدرة على جلب المفاجآت، حيث برهنت قطاعات عريضة من الأنشطة الاقتصادية غير النفطية على أنها قادرة على جذب المزيد من الفاعلين واللاعبين والاستثمارات الضخمة، وهو ما قاد إلى خلق فرص مهمة لأصحاب الأعمال سواء في الداخل أو الخارج،

ومن ثم، أحال هذا النمو القوي والمتين إمارة دبي ـ وبحسب القول المأثور لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء حاكم دبي - إلى أرض تنبت ذهبا وفضة، الأمر الذي يعزز التوقعات بأن تتواصل مسيرة الازدهار الاقتصادي خلال المستقبل المنظور بما يجعل تحقيق الأهداف الواردة في خطة دبي الاستراتيجية مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.

دبي أرض الفرص الواعدة

استقطب قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وسنجعل أرض دبي تنبت ذهبا وفضة» خلال حفل إعلان خطة دبي الاستراتيجية للأعوام السبعة المقبلة، اهتمام المراقبين والمحللين، وعزز التوقعات بأن الإمارة الفتية تشق طريقها لتصبح أرض الفرص الواعدة.

ودحضت هذه الإرادة السياسية الصلدة الآراء المتشككة في قدرتها على تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، بل ونجحت في جعل المتشككين يهرعون نحو الاقتداء بنموذج دبي، وبالتالي، تحققت مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما تحدث سموه عما آلت إليه آراء المتشككين بقوله «إن الكثيرين قالوا إن دبي فقاعة توشك على الانفجار بيد أن هذه الفقاعة حلقت في سماء النمو وهم اليوم يسعون إلى إتباع خطى دبي بعد أن تخوفوا من انهيارها».

وصار جليا للعيان أن دبي نجحت في إثبات نفسها على الساحة الدولية وعلى مختلف الأصعدة، حيث أن المسار الذي سلكته دبي لتصل إلى ما هي عليه اليوم من تميز كمركز عالمي في مجالات عدة أبرزها السياحة والتجارة والخدمات المالية، هو مزيج يستحق الدراسة والتأمل.

وجاء في استراتيجية دبي للأعوام السبعة المقبلة أن تدعيم نجاح دبي الذي تحقق على مدى العقود الماضية يقتضي تحقيق التنمية الشاملة وبناء الموارد البشرية والتنمية الاقتصادية وتحديث القطاع الحكومي والحفاظ على مصلحة المواطنين والمصلحة العامة وسعادة الناس وتوفير بيئة ملائمة تقود نحو النمو والازدهار في المجالات المختلفة،

والانتقال بدبي إلى مسار نمو جديد من خلال تنويع القطاعات الاقتصادية والتركيز على قطاعات محددة من شأنها دفع مجمل النمو إلى الأمام، وتثبيت موقع الإمارة كمركز متميز لنجاح الأعمال عبر دعم إنتاجية القطاعات الاقتصادية والمحافظة على معايير الجودة للإنتاجية، وضمان تميز القوى العاملة من خلال استقطاب العمالة ذات المهارة العالية والحفاظ عليها، وتحسين الكفاءة لدى المواطنين وزيادة حوافزهم

وشرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن استهداف هذه القطاعات الرئيسة لن يؤدي إلى نمو سريع ومقبول، ما لم ينصب اهتمام مماثل ومواز على سبعة متطلبات رئيسة، أو ما يشار إليها بعوامل الدعم الأفقية، وهي: الموارد البشرية، والإنتاجية، والابتكار، وتكلفة المعيشة ومزاولة العمال، وجودة الحياة، والسياسات الاقتصادية والنظم المؤسساتية، والقوانين والتشريعات.

وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد خلال حفل إعلان الاستراتيجية أن الخطة التنموية الاقتصادية الجديدة تقف على أرضية صلبة لأنها متحررة من التأثيرات المباشرة لتقلبات أسعار النفط بعد أن نجحنا في تنويع مصادر الدخل وباتت مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي 3 في المئة فقط.

وأفردت الاستراتيجية مساحة واسعة للحديث عن البنية التحتية باعتبارها متطلبا إلزاميا للنجاح الاقتصادي، وتؤكد في هذا الصدد أنه تم وضع خطة البنية التحتية والأراضي والبيئة ضمن أربعة محاور رئيسية تشمل التخطيط الحضري، والطاقة والكهرباء والماء، وشبكة الطرق وأنظمة النقل، والأمن والسلامة.

وقد سبق الإعلان عن هذه الرؤية الاستراتيجية، تناغم توقعات المسئولين والمحللين بشأن مواصلة اقتصاد دبي تحقيق معدل نمو مزدهر وقوي،واتفاق التقييمات بأن الأداء المتين والمتماسك للقطاع غير النفطي سيوفر قوة زخم لانتعاش النشاط الاقتصادي على المستوى الكلي.

واليوم مع ارتفاع ناطحاتها لتعانق السحاب، ومع الكشف كل يوم عن مبادرة أهم وأكبر، أثبتت دبي أنها واحة استقرار وأمان وسط منطقة يتخبطها التوتر، ومن جديد تجد دبي نفسها في المكان المناسب في الوقت المناسب.

دبي ـ «البيان»