أشرف وزير المالية الأفغاني د.أنوار الحق أحادي خطوة بخطوة على بناء النظام المالي في أفغانستان ما بعد الحرب بداية كحاكم للمصرف المركزي في بداية مجيء الرئيس حامد قرضاي للسلطة، ومن ثم كوزير للمالية في الحكومة. ملمّ بكل تفاصيل الاقتصاد الأفغاني الذي قال انه يتقدم بوتيرة متسارعة ولكن حجمه لا يزال ضئيلا بالنسبة لشعب يبلغ عدده نحو 26 مليون نسمة.

د.أحادي خريج الجامعة الأميركية في بيروت وعاش فترة طويلة في لبنان استضافنا في مكتبه بمقر وزارة المالية في كابول ودار معه الحوار التالي:

ـ بداية ما الأزمات والسبل المطروحة للخروج منها؟

ـ المشكلة الرئيسية في أفغانستان هي الفقر وللحد منها لابد من توفير حد أدنى من الأمن ولتأمين ذلك عليك ان تبني اجهزة الدولة، وهذا ما نحن بصدد فعله حاليا بمساعدة المجتمع الدولي. هناك اجهزة الشرطة والقضاء والدبلوماسية وإدارات الدولة التي تحتاج إلى عملية بناء واسعة بدأناها وقد شهدت تقدما ملموسا بالفترة الأخيرة.

لكن التنمية الاقتصادية لا يكفي لتحقيقها توفير الأمن فقط، بل نحتاج إلى الاستقرار أيضا الذي يتولد من شرعية وفعالية الحكومة والثقة بالدولة ومؤسساتها. والشرعية كما تعرفون تستمد من الانتخابات التي أجريناها بكل شفافية في بلدنا وانبثقت عنها السلطة الحالية كسلطة شرعية.

والآن بعد ان نالت السلطة شرعيتها أصبح عليها ان تقوم بمهمتها الرئيسية وهي تحسين ظروف حياة المواطنين ومعيشتهم وتوفير احتياجاتهم. بالتأكيد أمامنا عوائق كثيرة كشح الموارد والدمار الكامل لأجهزة الدولة التي تسلمناها وغياب الأمن ولكن مع ذلك يمكن القول انه بالأرقام والنسب حققنا تقدما كبيرا. فالناتج الوطني تضاعف في 5 سنوات، وان كان لا يزال ضئيلا.

ـ هل يمكن ان تعطونا بعض الأرقام الرسمية عن الأوضاع الاقتصادية؟

ـ في 2002 كانت نسبة النمو 29 % وفي 2003 كانت 18 % وفي 2004 كانت 10 % و2005 كانت 14 % وفي 2006 كانت 8 % بسبب الجفاف الذي تعرضت له البلاد. وهذه السنة من المتوقع ان نحقق 12 % وهذا أمر جيد.

اذا أخذنا الأرقام التراكمية نجد ان الناتج الوطني كان 5. 4 مليارات دولار في 2002، والآن ارتفع الى 9 مليارات من دون إدخال قطاع التبغ والأفيون الذي تقدر عائداته بـ 3 مليارات ولكن لا تحتسب ضمن الناتج القومي. حصة الفرد من الناتج المحلي كانت بحدود 175 دولارا سنويا، أما الآن فهي 355 دولارا من احتساب عائدات التبغ.

بالأرقام نحن نحقق تقدما جيدا ولكن مازلنا من أشد الدول فقرا في العالم. ولا تتوافر لدينا بعض الأرقام المهمة مثل وضع البطالة ولكن يمكنني التأكيد ان وضع العمالة تحسن بالعيش، خاصة بالنسبة للمتعلمين حيث انخفضت البطالة في صفوفهم، بينما تبقى عالية في أوساط غير المتعلمين.

من هنا أرى مشكلة أساسية في ضعف النظام التعليمي بعد 25 سنة من الحرب العنيفة. فلبناء الدولة نحتاج الى طاقات متعلمة ومنتجة. نحن نعالج الأوضاع اليوم للحصول على موظفين أكفاء محليين بالمستقبل. ولهذا السبب حاليا يحصل المتعلمون والاختصاصيون، خاصة القادمين من الخارج على رواتب عالية مقارنة بما يحصل عليه نظراؤهم في إيران والهند وغيرهما.

ولكن عددهم قليل فنحن نحتاج إلى الآلاف والآلاف منهم ليس في كابول فقط، بل في المقاطعات أيضاً. وهذه أيضا مشكلة جدية تواجهنا وهي نقص الموارد البشرية الفعالة. الأمر الآخر الذي نحتاجه إلى جانب الأمن واستقرار السلطة الذي يتحدد بموجبه نجاح مهمتنا موضوع استمرار الدعم الدولي،

فالحمد لله اننا خلال السنوات الأخيرة حصلنا على مساعدات مهمة من المجتمع الدولي، وكنا محظوظين في ذلك. لكن السؤال: هل سيبقى الوضع على ما هو عليه؟ فلو توقف الدعم الخارجي ستكون لذلك آثار مدمرة على بلدنا. فالاستثمارات الآتية من الخارج هي التي توجد الطلب اليوم في اقتصادنا وتعزز بالتالي نسبة النمو.

وهنا أريد ان أوضح انه ليس كل المساعدات التي نحصل عليها نقدية أو تمر عبر خزينة الدولة. فالكثير من المانحين يصرفون أموالهم على مشاريع ينفذونها بأنفسهم أو يقدمون مساعدات إنسانية. هنا اذن نتحدث عن فعالية المساعدات المقدمة والجزء المسلم منها للدولة. فعندما تكون دولة لاجئين تحتاج إلى مساعدات إنسانية. ولكن عندما تكون دولة نظامية فأنت تحتاج الى تنمية واستثمارات وتنظيم وتنسيق للقطاعات الاقتصادية.

ـ قبل توليكم وزارة المالية كنت حاكم المصرف المركزي في بدايات بناء الدولة ماذا تقول عن تلك التجربة؟

ـ اذكر أمورا تشعرني بحجم التقدم الذي حققناه، فعندما وصل الرئيس قرضاي للسلطة وبدأنا بناء الدولة كنا نقوم بشحن الأموال في أكياس من باكستان في نهاية كل شهر عبر هيليكوبترات الأمم المتحدة لنسدد الرواتب. اما الآن فلدينا نظام مصرفي متماسك نسيّر أمورنا من خلاله.

ووضع اتصالات جيدة بعد الحرب كانت اجهزة الموبايل تقتصر على الوزراء وكبار المسؤولين والشخصيات اما الآن فهي متوافرة على نطاق واسع. ونحن نخطو باتجاه بناء اقتصاد سوق ناجح مدعوم بنظام حريص على الديمقراطية والحريات. وعلى المدى الطويل اعتقد ان الأمور ستكون ايجابية ويهمنا كما قلنا ان تستمر المساعدات الدولية لفترة مقبولة من الزمن حتى ننهض بأنفسنا.

ـ ما هي حصة الدفاع والأمن؟

ـ هناك جزآن بالميزانية أحدهما للرواتب والمصروفات، ويبلغ هذا العام نحو 1072 مليون دولار، والآخر للاستثمارات والتنمية ويبلغ نحو 1600 مليون (الميزانية التنموية)، ويذهب نحو 80% من الجزء الأول الى الأمن والشرطة ونخصص نحو 40% من الجزء الثاني للدفاع ايضا،

وهنا ايضا أشير الى ان العديد من المساعدات العسكرية لا تدخل في الميزانية البالغة نحو 6. 2 مليار دولار وباحتساب هذه المساعدات يكون الانفاق على الأمن أعلى، فعادة ما تسمح المساعدات العينية مباشرة لنا، كما فعلت الولايات المتحدة مثلا مؤخرا عندما زودتنا بـ 6000 مركبة للشرطة. اجمالا يمكن القول ايضا ان ثلث الأموال التي تتلقاها افغانستان دخل في حساب الميزانية العادية اما الباقي فتم صرفه من خارجها.

ـ ما أبرز مصادر إيراداتكم؟

ـ هناك أولا الجمارك التي ارتفعت في السنوات الأخيرة بنحو 400% وهناك الضرائب والرسوم وضريبة الدخل التي يقتصر تسديدها على الشركات. هذا العام نطمح الى ان تصل ايراداتنا الى 750 مليون دولار لتغطية الجزء الأكبر من ميزانيتنا الأساسية التي قدرنا مصروفاتها بـ 1072 مليون دولار. أما الميزانية التنموية فنغطيها من المساعدات الخارجية.

ـ هل من توجه لتشجيع الاستثمارات الخارجية؟ وما وضع هذه الاستثمارات؟

نحن نرحب بالاستثمار الخارجي وننظر الى ذلك كأساس لبناء اقتصاد قوي، بصراحة الظروف المتوافرة من الناحية الاقتصادية لدينا تعتبر تنافسية جدا بالمقارنة مع اسواق المنطقة، خاصة لجهة استهلاك الموجودات خلال فترة 2 - 4 سنوات، اذا كانوا يسعون لاستثمارات سريعة، ورسومنا وضرائبنا هي الأقل بالمنطقة، المجال الوحيد الذي تحقق فيه استثمار اجنبي فاعل حتى الآن هو مجال الاتصالات الذي عاد علينا بنحو 600 مليون دولار.

وأظن انه الى جانب الاتصالات هناك قطاع آخر مهم سيجذب المستثمرين هو قطاع التعدين وهو مقدر بمليارات الدولارات، وهناك ايضا قطاع استخراج الغاز الطبيعي وهو مهم واساسي. وبعض الصناعات يمكن ان تكون جاذبة ايضا،

وهنا حتى الآن لدينا مشكلة اساسية اخرى تواجه المستثمر الخارجي الى جانب نقص الأمن ببعض المناطق وهي نقص الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي ولكن سنحلها خلال عام ونصف الى عامين عبر عدد من الاتفاقيات مع مختلف دول الجوار لتغذيتنا بكميات من الكهرباء قادرة على حل هذه المشكلة. وفي المستقبل نخطط لبناء سدود على الأنهار تمكننا من الاكتفاء ذاتيا.

بعد العديد من المؤتمرات الدولية الداعمة والمانحة لأفغانستان، هل أوفى المانحون بكل ما تعهدوا به؟

بصراحة لقد تلقينا في أغلب الأحيان مبالغ اكبر مما تعهدت الدول الصديقة بتقديمه، ولكن كما قلت جزء كبير من المساعدات يذهب الى الجانب الانساني، اما الباقي فنستخدمه لبناء الدولة.

ـ كيف تتعاملون مع المساعدات المشروطة من الدول خاصة دول الجوار؟

ـ حتى الآن لا شروط لأن ايران التي قدمت لنا نحو 250 مليون دولار استثمرت بمجالات تنموية والأمر نفسه مع باكستان التي قدمت مئات الملايين والهند التي منحتنا اكثر من 600 مليون دون اي شروط ايضا.

ـ ما هو حجم الدين العام الأفغاني؟

ـ منذ بضعة أيام كان اجمالي الدين العام 8. 11 مليار دولار وذهبت الى روسيا ووقعت اتفاقا لشطب ديوننا البالغة 5. 9 مليارات دولار، ولم يبق إلا مبلغ قليل مترتب على دولتنا ونأمل ان يشطب قريبا بعد ان نلبي الشروط الدولية المطلوبة،

وهذا يرتبط بمدى ايفائنا لتعهداتنا تجاه البنك الدولي الذي يطلب منا تنظيم نظامنا الضريبي وزيادة ايراداتنا واصلاح اقتصادنا، ولو فعلنا ذلك فسنحقق خطوات مهمة وسنحصل على مزيد من الدعم وستكون أفغانستان من أقل دول العالم من حيث الدين العام.

ما هي الدول الأوفر حظا لنيل مشاريع استثمار الغاز في أفغانستان؟

إن الأمر يتعلق بمناقصات عالمية وفقا للقواعد الدولية المرعية الإجراء بهذا المجال، لذلك يصعب التكهن بمن سيفوز بالعقود، لكن بالنسبة لنا سنقبل من يقدم لنا افضل عرض وأعلى ايرادات، وليس لدينا اي شروط مسبقة بأن يكون الحائز على المناقصة مثلا غربيا أو من المنطقة او غير ذلك

كابول - عدنان الراشد ومحمد الحسيني