تقف الإمارات يومي غد وبعد غد، على مفترق طرق تاريخي جديد في مسيرتها الاقتصادية والمصرفية. خطوة لم تعهد سابقة مثلها. إذ يترقب الجميع تصويت مساهمي بنكي الإمارات الدولي ودبي الوطني، للموافقة على الاندماج المصرفي العملاق لتأسيس أكبر كيان مالي في المنطقة.

ويسعى الاندماج الذي استمرت دراسته ومفاوضاته لأكثر من سبع سنوات، إلى تنفيذ رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الساعية إلى تعزيز وضع دبي والإمارات كمركز اقتصادي رائد في المنطقة والعالم،

عندما صرح قائلاً: »إن اندماج بنك الإمارات الدولي وبنك دبي الوطني، المؤسستين الماليتين العريقتين والأكثر شهرة في الإمارات، سينتج عنه قيام مؤسسة مالية تعد الرائدة على مستوى الدولة بل وفي منطقة الشرق الأوسط، كما سيعزز هذا الاندماج من مكانة دبي كمركز مالي عالمي المستوى«.

وبدمج الصرحين المصرفيين تبلغ قيمة أصولهما مجتمعة، بحسب بيانات النصف الأول من العام الحالي، حوالي 190. 196 مليار درهم، وبسيولة ودائع يصل حجمها إلى 114 مليار درهم، وإقراض بقيمة 132 مليار درهم.

واعتبر الكثير من المحللين أن الإعلان عن خطة الاندماج بين »الإمارات الدولي« و»دبي الوطني« يمهد لقيام أكبر كيان مصرفي على مستوى منطقة الشرق الأوسط من حيث حجم الموجودات والأصول. وهو ما فتح لهم باب الحديث عن البنوك ذات رؤوس الأموال الصغيرة التي أصبحت بحاجة ماسة إلى الاندماج بهدف خفض التكلفة والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التي يشهدها السوق التمويلي، والذي يتطلب وجود مصارف برؤوس أموال كبيرة.

وتشكل خطة اندماج بنكي الإمارات الدولي ودبي الوطني نقطة تحول مهمة في استراتيجية العمل المصرفي، إذ نبهت إلى ضرورة الدخول في تحالفات قوية لمواجهة تحديات العولمة ومتطلبات تحرير التجارة العالمية وما يتبعها من تنافس حاد في القطاع المصرفي على المستوى الدولي.

ومضى بعض الخبراء إلى أبعد من ذلك، فقد اعتبروا أن تأثيرات خطة الاندماج تمتد إلى خارج المحيط الإماراتي ولربما ستشكل بداية تصحيح في قطاع البنوك الخليجية للبنوك الخليجية ذاتها، إذ أن الكيان الجديد سيكون في وضعية تمكنه من السيطرة على حصة كبيرة من كعكة التمويل. ولم تمر سوى بضعة أشهر عن الإعلان عن تلك الخطوة حتى انطلقت التكهنات هنا وهناك عن احتمال حدوث اندماجات أخرى بين البنوك المحلية العاملة في الدولة.

مجريات الاندماج

كان مجلسا إدارة بنك الإمارات الدولي وبنك دبي الوطني قد أعلنا في منتصف يوليو الماضي، عن شروط اندماجهما المقترح، بإقامة بنك »الإمارات دبي الوطني« وبرأسمال سوقي إجمالي تقارب قيمته 41. 3 مليارات درهم، والحصول على رخصة من مصرف الإمارات المركزي. وسيقدم المصرف الجديد عرضاً للاستحواذ على رأسمال بنك الإمارات الدولي المساهم ورأسمال بنك دبي الوطني المساهم مقابل أسهم في الشركة الجديدة.

وتلقى البنكان الدعم الكامل من حكومة دبي التي تمتلك 77% من رأسمال مجموعة بنك الإمارات الدولي، و14% من رأسمال بنك دبي الوطني. في المقابل تعتبر موافقة المساهمين شرط أساسي لإتمام هذه الصفقة، فمع افتراض أن كل من مساهمي الإمارات الدولي ودبي الوطني وافقوا على شروط الدمج وقبلوا بمبادلة أسهمهم، سيؤدي ذلك إلى امتلاك مساهمي بنك الإمارات الدولي ما نسبته 3. 66% من أسهم الكيان الجديد «الإمارات دبي الوطني»، فيما سيمتلك مساهمو بنك دبي الوطني 7. 33% من أسهم «الإمارات دبي الوطني».

تسعير الأسهم

جاء في عرض الاندماج المنشور في نهاية يوليو الماضي، ان احتساب سعر السهم جرى استنادا لسعر سهم بنك الإمارات الدولي البالغ 3. 9 دراهم كما في 1 يوليو 2007 واستناداً على معدل تبادل سهم واحد من الإمارات دبي الوطني لكل سهم من بنك الإمارات الدولي

ومعدل تبادل 95. 0 سهم من بنك الإمارات دبي الوطني لكل سهم من بنك دبي الوطني بما يعادل سعر 3. 9 دراهم لكل سهم من بنك الإمارات الدولي وسعر 84. 8 دراهم لكل سهم من بنك دبي الوطني. وبلغ سعر سهم بنك الإمارات الدولي وسهم بنك دبي الوطني في 29 يوليو 2007، آخر تاريخ قبل هذا التصريح، 25. 9 دراهم و9 دراهم على التوالي.

ويدل سعرا سهم بنك الإمارات الدولي وسهم بنك دبي الوطني اللذان بلغا 48. 10 دراهم و75. 8 دراهم على التوالي كما في 5 مارس 2007 على معدل تبادل 83. 0 وبمعدل تبادل 95. 0 وسعر 48. 10 دراهم لسهم بنك الإمارات الدولي كما في 5 مارس 2007، يعني ذلك أن سعر سهم بنك دبي الوطني يبلغ 96. 9 دراهم،

مما يعني علاوة بنسبة 14% على سعر سهم البنك كما في 5 مارس 2007، وتم تعديل أسعار جميع الأسهم من اجل اصدارات أسهم المنحة، ويفترض معدل التبادل أن كل سهم من بنك الإمارات الدولي يستخدم كمعيار لتقييم كل سهم من بنك دبي الوطني.

من جهة أخرى ذكرت مصادر في مطلع الشهر الماضي أن السعر سيتحدد بعد انقضاء مهلة قبول العرض «أي بعد 17 سبتمبر». فقد أعلن البنكان أن أمام المساهمين مهلة من الأول من أغسطس الماضي وحتى 17 سبتمبر المقبل لقبول الصفقة.

ردود أفعال عالمية ومباركة رسمية

لم يكن للاندماج المرتقب ذلك الصدى المحلي أو الخليجي الاعتيادي، فقد اعتادت دبي بخبرتها وجرأتها على طرح الجديد والفريد، هذا ما قالته مجلة ميد الاقتصادية على صدر صفحاتها تعليقاً على الاندماج، في حين سارعت صحيفة فاينانشيال تايمز إلى تحليل مجريات الاندماج الذي يشكل فورة في صناعة المال الإقليمية والذي سيفتح لدبي طريقاً نحو العالمية التي لم تعد حكراً على أحد.

في حين صدرت مباركة رسمية من هيئة الأوراق المالية والسلع التي تعتبر أعلى الجهات المسؤولة عن قطاع أسواق المال، والتي تضم في مجلسها أصحاب القرارات الاقتصادية الفاعلة في الدولة، من وزيرة الاقتصاد معالي الشيخة لبنى القاسمي، ومعالي سلطان السويدي محافظ المصرف المركزي.

وأكدت هيئة الأوراق المالية والسلع في بيان سابق لها على أن اندماج بنكي دبي الوطني والإمارات الدولي يحقق مصلحة عامة وطنية لحماية الاقتصاد الوطني. وتضمنت توصيات لجنة الدراسات في الهيئة بشأن دراسة الجدوى المتعلقة بتأسيس شركة جديدة ناتجة عن اندماج بنكي دبي الوطني والإمارات الوطني بأن دوافع الاندماج تتمثل في تحقيق التكامل الأفقي والمنافسة

أو البقاء والقدرة على الوقوف في مواجهة الكيانات المصرفية الكبيرة ومواجهة المتغيرات الاقتصادية في ظل العولمة إضافة إلى الدافع الوطني من اجل تحقيق مصلحة عامة وطنية لحماية الاقتصاد الوطني. وأشارت تلك التوصيات إلى أن الاندماج سيكون اندماجاً أفقيا كون الشركات تقوم بممارسة النشاط نفسه

ويترتب على هذا الاندماج «كما هو مبين في الدراسة المقدمة» زوال الشخصية المعنوية لكل من بنك دبي الوطني وبنك الإمارات الدولي وتكوين شركة واحدة جديدة لها شخصية معنوية مستقلة، وبحيث تنتقل كافة أصول وخصوم الشركات المندمجة إلى الشركة الجديدة وسوف يؤدي الاندماج إلى خلق كيان مصرفي قائد في منطقة الخليج.

«ميد»: دمج فريد من نوعه

قالت مجلة »ميد« الاقتصادية إن اندماج بنكي الإمارات الدولي ودبي الوطني يعتبر أمراً فريداً إذ تعتبر الموافقة على الاندماج خطوةً سهلة نسبياً، وأرجعت ذلك إلى أن القسط الأكبر من المساهمين في البنكين هم نفس الأشخاص، فحكومة دبي تمتلك 77% من بنك الإمارات و14% من «دبي الوطني» وستمتلك 56% من الكيان المندمج.

قالت «ميد» إن القطاع المصرفي المتشعب في الإمارات يضم 46 مؤسسة مالية 21 منها بنوك وطنية، و25منها أجنبية، تخدم 5. 4 ملايين نسمة، وأضافت أن خمسة بنوك وطنية كبيرة تشكل 52% من إجمالي أصول القطاع.

ورغم ذلك فليس هناك بنك واحد يمتلك حصة سوقية تزيد على 12%، وكان بنك أبوظبي الوطني، الذي تبلغ حصته السوقية 12% أكبر بنوك الإمارات قبل الإعلان عن اندماج بنك الإمارات وبنك دبي الوطني في شهر مارس الماضي.

وقالت «ميد» إن تلك المؤسسات المالية ستشعر عما قريب بالضغوط من جانب منافسها الجديد «الإمارات دبي الوطني»، الذي سيمتلك حصة تزيد على 2، 19% من أصول القطاع المصرفي برمته بعد استكمال عملية الدمج في شهر سبتمبر الجاري، كما سيمتلك قرابة 22% من مجمل القروض، و18. 4% من الودائع.

وأضافت انه نتيجة لذلك بدأت البنوك في دبي دراسة كيفية منافستها مع الكيان الجديد، وقد عمد كثير منها إلى القيام بذلك عن طريق شراء حصص في بنوك أخرى منافسة. فالبنك التجاري القطري يعكف على شراء حصة 34% في البنك العربي المتحدة في الشارقة، وبنوك الإمارات الآن، في معظمها، تغذيها ودائع العملاء، ونظراً لأن القوانين تتطلب أن تنمو سجلات القروض بالتناسب مع الودائع للمحافظة على مستويات تمويلها، فإن هناك فرصاً محدودة للاستحواذ على القروض بصورة كبيرة.

وتبقى ودائع العملاء مصدراً رخيصاً للتمويل، فهي أقل كلفة من اللجوء إلى أسواق رساميل الدين أو الحصول على القروض من مؤسسات مالية أخرى. وهذا يفسح المجال أمام »الإمارات دبي الوطني« ليصبح مصدراً للعوائد لمنافسيه الأصغر في البلاد، بأخذه حصة في ديون تمويل المشاريع، ثم إعادة تدويرها في السوق المحلية لكسب هوامش إضافية من الصفقة.

بالإضافة إلى جني 195 مليون درهم من العملاء، الأمر الذي سيضعه في موقف أفضل وفيما يخص نسبة وتناسب المصاريف والدخل، بدلاً من وجود كيانين مستقلين، ويقول محللون إن كثيراً من بنوك الإمارات ستتطلع في النهاية لجني تلك الفوائد، من خلال سعيها الحثيث للاستحواذ على حصص في بنوك منافسة.

وقالت »ميد«: إن توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أعطت زخماً قوياً لعملية الدمج المقررة بين بنكي الإمارات الدولي، ودبي الوطني. والتي سيصبح البنكان بموجبها مصرفاً واحداً عملاقاً يحمل اسم الإمارات دبي الوطني.

وتناولت المجلة، بالتحليل عملية الدمج، فأشارت إلى أن المساهمين باتوا مشاركين في العملية الاندماجية، وأضافت أنه ما إن يحل شهر سبتمبر، حتى تكون العملية قد استكملت وسيصبح البنك الجديد أكبر البنوك في منظومة مجلس التعاون الخليجي من حيث الأصول باحتوائه على 99 فرعاً ومكتباً تمثيلياً في سبع دول، إضافة إلى كادر يضم ستة آلاف موظف.

وأضافت انه بذلك يرسي معياراً جديداً لحجم البنوك في الإمارات وقالت المجلة في إشارة إلى البنوك المنافسة الأخرى، إن السؤال ليس متى ستحذو حذوه، ولكن كيف سيتسنى لها القيام بذلك؟ والبنك الجديد، برسملته السوقية الإجمالية، البالغة 3. 11 مليار دولار، أعلن بالفعل اعتزامه البحث عن القيام باستحواذات، فضلاً عن السعي وراء فرص توسعية أخرى في أرجاء المنطقة.

دبي ـ سمير حماد