رغم كونه مخرجاً حقق جوائز ونجاحات منذ فيلمه الأول «الذنب كله على فولتير»، وأكد ذلك من خلال فيلمه الثاني «ألعاب الحظ والحب».
ورغم جائزة الأسد الفضي عن العمل الأول، وجوائز السيزار عن العمل الثاني، فقد جاء فيلم «الكسكسي والسمكة» مفاجأة إضافية رسّخت حضور المخرج التونسي عبداللطيف قشّيش في خارطة الإنجاز الأوروبي، وربما العالمي أيضاً. شريطه الثالث الذي عُرض داخل المسابقة الرسمية، أعاد للمهرجان حيويته بعد يومين من أفلام قادمة من وراء المحيط عالية الميزانية وخفيضة المستوى.
وحصل الشريط في عرضه الصحافي الأول على أكثر من مديح صادق وربما كان الأجمل من بين مديح النقاد، عندما قالت صحافية خارجة من القاعة بعد انتهاء العرض: «تمنيّت لو أن العرض استمر ساعة أخرى. كنت سأبقى في القاعة عن طيب خاطر».
لقد مرّت الساعتان والنصف بشكل سلس، من دون أن يشعر النقاد بثقل الوقت، رغم أن العرض كان الأخير خلال اليوم المهرجاني، وكان الكثير من النقاد شاهدوا أكثر من أربعة أفلام قبل شريط قشّيش.
يعرض الفيلم قصة عامل السفن «سليمان بيجي» الذي يعيش في مرسيليا وتثُقل سنواته الواحدة والستون كاهله، وينوء تحت وطأة الكثير من المشكلات اليومية الناتجة عن طلاقه من زوجته الأولى، وحياته مع سيدة أخرى تُدير الفندق الذي يقيم فيه، بعد أن هجر منزل الزوجية الأولى.
مصنع السفن يبدو في طريقه إلى الانهيار، فلا سفن جديدة تُبنى وكل ما يفعله العمال هو تفكيك السفن القديمة لإرسال حديدها إلى تركيا. الشركة تريد التخلّص من العمال الكهول، فيجد سليمان نفسه خارج بوابة المصنع في المرحلة الأولى من تقاعد بائس لن يساعده على مواجهة متطلبات الحياة، فيفكّر بمخرج من هذه الأزمة،.
وبدلاً من أن يقوم بتفكيك السفينة الأخيرة، يقوم بشرائها ليحولها إلى مطعم عائم يُقدّم الأكلات المغاربية وبالذات «الكسكسي» المطبوخ بالسمك. وتساعده في تحقيق الفكرة ومتابعة التفاصيل البيروقراطية الشابة «ريم»، ابنة صاحبة الفندق، التي يُعاملها سليمان كما لو كانت ابنته.
البيروقراطية وغياب الضمانات التي بإمكان سليمان تقديمها تقف حائلاً أمام تحقيق الحلم، لكن الدوائر الرسمية تقترح عليه أن يُقدّم دليلاً عملياً على إمكانيات نجاح المشروع، فيبدأ سليمان، تساعده ريم وابنه الصغير رياض على ترميم السفينة، وتُنقل إلى رصيف صيادي سمك «التونة» في شارع «ريببليك» في مرسيليا وتبدأ العائلة، وعلى رأسهم زوجته الأولى سعاد، بإعداد «الكسكسي» الذي سيُقدّم في حفل افتتاح المطعم العائم. لكن الأمور لا تذهب كما يتمناها سليمان والجميع.
بإمكاننا التأكيد بأن شريط عبداللطيف قشّيش الثالث يؤشر لميلاد «كين لوتش العربي»، فقشّيش، مثل لوتش (الذي يحضر المهرجان بدوره بفيلم يمسّ الأزمة الاقتصادية العالمية ومآسي الطبقة العاملة المعاصرة بسبب العولمة و«تحرير» سوق العمالة)، يتناول واقع العمال المهاجرين باعتبارها ملفاً «وطنياً» فرنسياً (وأوروبياً) .
وليس مجرد ملف أمني وقانوني فقط. إنه لا يتحدث عن الـ «سان بابير ـ أو المهاجرون من دون وثائق»، بل عن مواطنين فرنسيين قدّموا زهور أعمارهم إلى الاقتصاد الفرنسي ويجدون أنفسهم اليوم (حالهم حال زملائهم الفرنسيين والأوروبيين) خارج بوابات المصانع والمشاغل والشركات، ليس بسبب أخطاء أو تجاوزات.
بل بسبب تقادم أعمارهم وبسبب رغبة الشركات وأصحابها في التخلّص من الأعباء المالية (والتقاعدية) الكبيرة الناتجة عن تواجد العمال الثابتين في شركاتهم. فبادعائها تطبيق مبدأ «انسيابية» حركة اليد العاملة تتخلص من العمالة القديمة لتستعيض عنهم بعمال «وقتيين» لا يُثقلون ميزانياتهم.
على مدى ساعتين ونصف الساعة، يتابع قشّيش قصة سليمان بيجي وعائلته، ويمر عبر هذه الشخصية على واقع عائلات الهجرة بشكل واقعي، ويُعطي الحوار اليومي كل مساحته.
وبرغم أنه يُعطي مساحة فسيحة لمُعطى شعبي، أي مائدة أكل «الكسكسي»، فإنه لا يقع على الإطلاق في خانة الفولكلور والصورة النمطية التي عُرفت عن الكثير من الأشرطة التي أنجزها مخرجو المغرب العربي. مائدة الطعام تتحول إلى مكان لعرض الصورة الحالية التي تحياها عائلات المهاجرين في أوروبا، بصرف النظر عن المكان الذي جاءوا منه.
ويتمكّن عبدالطيف قشّيش من عرض حالات اجتماعية تتناولها، (أو ينبغي أن تتناولها) الدراسات الاجتماعية، كتعدد مشارب الهجرات وانهيار الوازع الأخلاقي والمجتمعي لدى الشباب والصبية في مجتمعات ضواحي المدن الأوروبية الكبرى. وكمثال على ذلك تناوله لصبية الحي النزقين الذين يعاملون سليمان، من دون أي اعتبار لسنّه.
وفي كيفية تناوله لشخصية شقيق زوجة ابن سليمان، المهاجر الروسي المعدم سيرغي، الذي يعرضه قشّيش بشكل بعيد عن الصورة النمطية للمهاجر الروسي أو المهاجر القادم من أوروبا الشرقية، والذي يظهر في الأفلام عادة على شكل سلبي للغاية.
بالاعتماد على مدير التصوير (الروسي) لوبمير باكتشيف، تمكّن قشّيش من منح عمله إيقاعاً حيوياً ناقض الإيقاع البطيء الذي يفرضه سن سليمان بيجي ووضعه الاجتماعي. وأكد قشّيش، كما في شريطيه السابقين، قدرته الرائعة في إدارة الممثلين وخلق أداءً كورالياً رائعاً أبرز بشكل واضح القدرات الفردية لمجموعة الممثلين.
وبالذات الممثلة الشابة حفصية حيرزي التي أدت دور الشابة «ريم» والتي يضعها أداؤها في مقدمة المتنافسين عن جدارة واستحقاق لجائزة «مارتشيللو ماسترويانّي» لأفضل طاقة تمثيلية شابة. بالضبط كما يضع الفيلم نفسه عبداللطيف قشّيش في مقدمة المتنافسين على إحدى الجوائز الأساسية في المهرجان، ولا نستبعد، ونتمنى حصوله على الأسد الذهبي أو جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
فينيسيا ـ عرفان الزهاوي