مثلما أصبح برنامج نصف شهر المخرجين في مهرجان كان السينمائي محطة هامة للغاية ومختبراً لتجارب منحت السينما العالمية أسماء كبيرة، تمكّن برنامج «أيام فينيسيا» أن يتحوّل في أربع سنين فحسب إلى حاضنة رائعة لعدد من الطاقات الشابة والمخرجين الذين يُنجزون أعمالهم الأولى والثانية.
وكما منح هذا البرنامج المساحة في العام الماضي إلى المخرج والممثل المغربي المبدع فوزي بن سعيدي، شهدت صالات المهرجان عرض الشريط الروائي الطويل الثاني للمخرج اللبناني (الفرنسي) فيليب عرقتنجي «تحت القصف» والذي أُنجز في أيام الحرب الإسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي. ومنذ عرضه الأول للصحافة حقق «تحت القصف» حضوراً هاماً، ووصفه مدير برنامج «أيام فينيسيا» الناقد والكاتب الإيطالي فابيو فيرتسيتّي بأنه «صورة وموسيقى تصويرية واقعيتان بالمطلق تُظهران الحقيقة بكل قسوتها»، وأعتبر فيرتسيتّي الفيلم «متفرّداً» لأن فيليب عرقتنجي «اقتنص من الأحداث صوراً لعمل سينمائي روائي غاية في الواقعية».
ويصف عرقتنجي شريطه «تحت القصف» بأنه «لا ينحاز لموقف ما، بل هو فيلم يتحدث عن معاناة وآلام الأبرياء...» ويُضيف «كان لا بد من تصوير الأحداث وليس الوقوف ضدها...» «زينة» وأدتها ندى أبو فرحات«مسلمة من الجنوب و«توني» ـ أدّاه جورج خبّاز ـ مسيحي يُعلن انتماءه إلى الجنوب. لبنانيان تجمعها المصادفة البحتة وأهداف متباينة في رحلة بحث. وبمرور الساعات يتحول ما يبحثان عنه إلى عامل موّحد بينهما.
يتحوّل «كريم»، صغير زينة وابن السنوات الست، كما لو أنه لبنان الذي يبحث عنه الكل. ويقول عرقتنجي: «تجنّبت أن أُظهر في فيلمي القتلى، لأننا شاهدنا ما يكفي من الجثث». ويُضيف: «هذا الفيلم صوّر هناك تحت قصف القذائف، وكانت الكاميرا هي السلاح الوحيد بحوزتي لتصدي الخوف وإبعاد شبحه عن رأسي».
حرية الاستغلال في زمن العولمة
بعد عام ونيف من فوزه بسعفة كان الذهبية عن فيلمه «الريح داعبت ذؤابات العشب» والذي سجّل به جزءاً من تاريخ النضال الأيرلندي من أجل الاستقلال، عاد المخرج البريطاني المشهور كين لوتش إلى حبه القديم والمتجدد، أي إلى الحديث عن نضالات وأوضاع الطبقة العاملة.
ينطلق لوتش من بلاده بريطانيا ليتناول صفحة من مأساة عامة نتجت عن العولمة، وعمّا يُصطلح به «انسيابية حركة اليد العاملة». عنوان الشريط «إنه عالم حر» وعرض في المسابقة الرسمية للمهرجان، ويتابع فيه لوتش أسابيع قليلة من حياة امرأة إنجليزية جميلة تعمل في مؤسسة لكسب اليد العاملة الرخيصة في شرق أوروبا.
على حين غُرة تجد «آنجي» نفسها عاطلة عن العمل، وبدلاً من الاستسلام إلى محنة البطالة تشمّر عن ساعديها لتتحوّل هي نفسها إلى صاحبة شركة خاصة، تعمل في إطار عملها السابق، ولأنها لا تملك الغطاء المالي والقانوني، الذي يمتلكه عرابو مافيا سوق الأيدي العاملة الرخيصة، تجد آنجي نفسها في لجة أمواج عاتية، كسمكة صغيرة في بحر أسماك القرش الكبيرة.
«أنجي» المُستغّلَةُ السابقة تحوّلت اليوم إلى مُستَغل في «العالم الحر» المُكتظ بملايين الجياع و«المهاجرين غير الشرعيين» الباحثين عن لقمة عيش وغطاء يُبعدهم عن ميتات مؤكدة في بلادهم.ولتحقق آنجي ما تريد، لا تتردد أمام أي وازع أخلاقي أو قانوني، ولا تتردد في استخدام أية وسيلة. إنها تريد الثراء السريع ويدفعها الجشع إلى الاستمرار حتى حين تجد نفسها وحيدة ومبعدة من أقرب الناس إليها.
وكفيلمه السابق الفائز بسعفة «كان» يُتوقّع أن يحمل لوتش بهذا الشريط أيضاً إلى إنجلترا إحدى جوائز مهرجان فينيسيا السينمائي.
البندقية ـ عرفان الزهاوي

