إذا كان أقصر الطرق إلى قلب الرجل معدته، فالمطبخ أقصر الطرق إلى قلب الحياة. هذا ما يقدمه فيلم «نو ريزرفيشن» إخراج سكوت هيتز وتمثيل كاترين زيتا جونز، وآرون إيكارت، والطفلة أبيغال بريسلين، والذي يعرض في الصالات المحلية منذ مطلع الأسبوع الحالي.
وتؤدي جونز دور «كايت» كبيرة الطباخين في أحد المطاعم الفرنسية بمدينة مانهاتن الأميركية، حيث تدخل إلى حياتها الوحيدة «زوي» ابنة شقيقتها التي تقضي في حادث سير، بينما يدخل إلى مطبخها، الطباخ الجديد آرون إيكارت «نك بالمر» كمساعد لها، مع أنه يحسن أن يكون مستقلاً.
«كايت» ماهرة في عملها وتثور لأي نقد من الزبائن، ما يجبرها على أن تتلقى معالجة نفسية، تمضيها بشرح أنواع الصلصات التي تستخدمها للطبيب المعالج، حتى أنها تحضر له بعضاً منها إلى العيادة. وبينما جارها المطلق يعاكسها، ولا ييأس من محاولاته الفاشلة. لا تتقبل ابنة شقيقتها «زوي» التي تعيش معها الأمر بسهولة.
وكذلك الخالة لا تتقبل دخول «نك» إلى مطبخها. ولا يلبث الرفض أن يتحول إلى قبول الأطراف الثلاثة ببعضهم بعضاً، لكنه قبول حذر يصطدم بعوائق أحياناً وبسوء فهم. فالشخصيات الثلاث لها خصوصيات، ومن الطبيعي أن تكون متناقضة. يجتمعون في النهاية في مطبخ مشترك، لمطعم يحمل أسماءهم.
المخرج هيتز الذي أدار الممثل الكبير أنطوني هوبكينز في «قلوب في أتلنتيك»، الشريط الساحر، الذي اشتغل فيه المخرج على موهبة الطفل أنطون يلشين، كما يفعل هنا مع الطفلة أبيغال بريسلين، أظهر حدة ذكائها وموهبتها الفنية.
وقدم هيكز فيلماً جيداً في العام 1996 بعنوان «شاين» (اللمعان)، مع الممثلة لين ريدغرايف، حين رشحت لأوسكار أفضل ممثلة في العام ذاته، كما أن الفيلم حاز على ترشيحات عدة. لتميزه بأسلوب إخراجي يعنى باستخدام التفاصيل الصغيرة ضمن السرديات الكبيرة. في «نو ريزرفيشن» يؤكد هذه القدرة، يحاكي جوهر الحياة من هوامشها. ما يظنه المشاهد أنه ثانوي، يصير جوهراً بعين المخرج سكوت هيكز. الذي يقطع مشاهده برقة لا تشعر الرائي بحدة، الصلة بين صورة وأخرى عضوية مهما تناقضتا، وكذلك الحياة وحدة متكاملة فيها شوؤن مختلفة.
أدار هيكز ممثليه في «نو ريزرفيشن» بما يتناسب مع روح السيناريو الاجتماعي الإنساني لفيلمه. وضع الجمال الذي تتمتع فيه بطلة فيلمه كاترين زيتا جونز جانباً. اشتغل على قدرات أخرى لم نشاهدها كثيراً في أعمالها الكثيرة السابقة.
أثبت لها أنها تستطيع أن تكون أكثر من جميلة، استدعى موهبتها إلى امتحان مطلوب، وبالفعل تجاوزته بنجاح. وعلى المنوال ذاته، أدار آرون ايكارت، صاحب جائزة النقاد الأجانب في أميركا لأفضل ممثل عن فيلم «في شراكة الرجال»، ببساطة يتطلبها الدور الذي أداه. وهي بساطة تتطلبها الحكاية «الحدوتة» التي يقدمها الشريط.
«نو ريزرفيشن» على الأقل يبتعد عن سينما العنف السائدة. وسينما الخيال العلمي المصنعة بتقنيات الغرافيك الحديثة. قد لا يجد هذا الشريط جمهوراً واسعاً له، وهذا أمر دائم يرافق معظم الأفلام الجيدة.
لكنه حتماً سيكون له قيمة فنية كبيرة لدى الكثير من متابعي السينما الممتلئة بالحياة الفعلية، البعيدة عن أمور مصطنعة أو مصنعة بضراوة التقنيات الفاقدة للحس الإنساني الحقيقي، وللفن بوصفه مستلهماً من الواقع صوراً ترتقي به ويرتقي بها إلى مصاف مرتفعة أمام من يريد أن يراها أو يمسك بتلابيبها بكفيه.
دبي ـ حسين قطايا
