توقع مصرفيون عرب تزايد حالات الاندماج بين المصارف العربية، وأن تتجاوز هذه الحالات الحدود القطرية، لنرى قيام وحدات مصرفية خليجية مشتركة، ومصرية ليبية، وسعودية مصرية، وفيما بين كل المصارف العربية، خاصة بعد أن أصبحت الاندماجات والتكتلات الاقتصادية لغة العصر، ليس بين البنوك فقط، وإنما بين الشركات ومكاتب المحاسبة أيضاً.

فالقطاع المصرفي العربي مطالب بمواجهة حزمة من التحديات في مقدمتها ظاهرة الاندماج والحجم الكبير للمصارف، التي تتجاوز الحدود القطرية لتعمل على أساس إقليمي، وبات على المصارف العربية أن تعمل وكأنها فروع لبنك واحد حتى لا تتحول إلى كيان هزيل عاجز عن مقاومة الكيانات المصرفية العملاقة، التي تظهر يومياً وتتضاعف أعدادها مع تنفيذ مقررات منظمة التجارة العالمية.

وأكدوا أن المصارف العربية، التي تعمل في مجالات الاستثمار والإقراض الصناعي والزراعي والإسكاني، لا تزال متواضعة جداً من حيث حجم أعمالها وموجوداتها وحقوق المساهمين فيها باستثناء عدد محدود منها، كما أنها مازالت تعطي أولويات للأعمال المصرفية التقليدية من تلقي الودائع وفتح الاعتمادات.

وأشاروا إلى أن البنوك العربية عجزت عن استثمار النمو الكمي، الذي حققته في السبعينات، في تدعيم مواقعها ومراكزها المالية وتحقيق تطور نوعي يرقى بها للحاق بالبنوك العالمية وتطورها. مشددين على أهمية تعزيز الاتجاه نحو الاندماج، خاصة وأن المصارف العربية لا تزال عاجزة عن الانخراط في مستجدات الساحة المصرفية الدولية، وأنها ستكون مطالبة بمواجهة كيانات مصرفية عملاقة شرسة تتجاوز أصولها مئات المليارات من الدولارات.

وأكد محمود عبدالعزيز، الرئيس الأسبق لاتحاد المصارف العربية، أن الاندماج الاختياري بين البنوك والمصارف العربية، الذي تفرضه معطيات المرحلة المقبلة، مرهون بأهواء مصالح شخصية تقف حائلاً دون تنفيذه، وأن الوسيلة الوحيدة للاندماج هي منح الحوافز للبنوك المندمجة من ناحية، وهذا ما انتهجته الحكومة المصرية مؤخراً.

وقيام السلطات النقدية العربية بمضاعفة الحدود الأساسية لرؤوس أموال البنوك بشكل يتناسب والأوضاع الاقتصادية والمالية والمصرفية العالمية، مشيراً إلى أن الجهاز المصرفي العربي يعاني تخمة بنوك معظمها صغيرة ولا تملك مراكز مالية قوية، حيث ولدت متواضعة ومحدودة واستمرت هكذا لتحقيق المصالح الشخصية للقائمين عليها.

ووصف بناء وحدات مصرفية كبيرة ورفع كفاءة الخدمات المصرفية وتطويرها بأنها أكبر تحديات المصارف العربية في القرن الواحد والعشرين، فبناء هذه الوحدات العربية المصرفية العملاقة يأتي استجابة لحاجات ملحة فرضتها التغيرات والتطورات السريعة والمتلاحقة في عالم البنوك والمصارف.

موضحاً أنه رغم تطور أداء الجهاز المصرفي العربي إلا أنه مازال بحاجة إلى إجراءات أخري، تؤهله لمواجهة تحديات مصيرية تتعلق بالعولمة والاندماج والتشريعات المنظمة لعمل البنوك والحجم الكبير للمصارف، التي تتجاوز حدود الدولة القطرية لتعمل على أساس إقليمي، وأحياناً تتجاوز الحدود الإقليمية.

وأضاف: «إن التغييرات التي يجب إدخالها على القوانين المصرفية العربية لرفع النمو في القطاع المصرفي العربي وتعزيز معطيات الاندماج، ينبغي تطويرها ابتداء من رفع رأسمال البنوك إلى إعادة تطوير هياكلها وأنظمتها أمام البنوك الأجنبية وانفتاح السوق في ظل آفاق تحرير الخدمات المالية والمصرفية داخل منظمة التجارة العالمية.

ظاهرة عالمية

ويشير د.علي لطفي، رئيس الوزراء المصري الأسبق، إلى أن مسألة دمج البنوك أو الشركات بصفة عامة ظاهرة عالمية، خاصة في الدول المتقدمة، محذراً من أنه بعد عدة أعوم لن يستطيع الصمود في السوق المصرفية إلا البنوك القوية، وإذا كان البنك قوياً برأسماله الضخم فسيمتلك القدرة على المنافسة ويستطيع فتح فروع له في الخارج وجذب الاستثمارات، وبالتالي يدعم مركزه المالي والاستثماري ويتمكن من مجابهة الكيانات المصرفية الضخمة القادمة.

وأكد أنه عند دمج صغير في آخر كبير يتكون كيان اقتصادي ناجح، والقطاع المصرفي العربي يعاني من تضخم سببه البنوك الصغيرة والهامشية، التي لن تستطيع الاستمرار بإمكانياتها المتواضعة ورؤوس أموالها المحددة، خاصة بعد تحرير أسعار السلع والخدمات، وفي مقدمتها الخدمات المصرفية، وكذا اتجاه العالم كله نحو إقامة الكيانات الاقتصادية الأقوى القادرة على اختراق الأسواق الدولية في ظل العولمة.

شركات ضخمة

ويرى سمير القصري، الخبير المصرفي العربي، أن عملية الدمج مطلوبة بشدة للكيانات المصرفية الصغيرة، التي يقل رأسمالها عن 50 مليون جنيه، موضحاً أن قرار الدمج يتطلب موافقة الجمعية العمومية غير العادية لكلا البنكين المندمجين، حيث غالباً ما يواجه عقد هذه الجمعيات صعوبة في حالة البنوك الاستثمارية.

ويقترح القصري تأسيس شركات مالية عربية ضخمة بهدف شراء البنوك الصغيرة ودمجها مع بعضها لتكوين كيان مصرفي كبير، مشيراً إلى ضرورة أن تتوافر في هذه الشركات الشروط الواردة في هذا الخصوص بالقوانين، التي تحكم النشاط المصرفي في كل دولة عربية.

وأنه يتعين على البنوك المركزية وسلطات النقد العربية دعم وتبني إنشاء شركات لشراء البنوك الصغيرة ودمجها، محذراً من بقاء الكيانات المصرفية الصغيرة في السوق المصرية العربية بأوضاعها الحالية دون دمج، خاصة وأن وجود كيانات مصرفية أجنبية كبيرة سيؤدي لوجود مراكز احتكارية في الأوساط المصرفية العربية على حساب البنكية العربية المتواضعة، الأمر الذي يدفع باتجاه الإسراع في عمليات الدمج للوحدات المصرفية الصغيرة. وشدد على أن عمليات الدمج المصرفية باتت أهم احتياجات الاقتصادات العربية حالياً.

وأن البنوك القائمة أكثر من احتياجات السوق، واندماجها في كيانات كبيرة أفضل، لأنها متواضعة ولا تؤدي أدواراً فعالة في الخدمات المصرفية، وتفتقد إلى الآليات والنظم البنكية الحديثة.

مؤكدا أن بقاءها بأوضاعها الحالية محفوف بالمخاطر، وأن برامج الخصخصة، التي تنفذها بعض الحكومات العربية لبيع حصص من البنوك التجارية المشتركة سيؤدي لتقليص البنوك محلياً وخارجياً، ويساهم في تطوير الخدمات المصرفية، لأنه يسمح للبنوك الأجنبية بامتلاك حصة أكبر في رؤوس أموال البنوك المطروحة للخصخصة، موضحاً أن مقررات منظمة التجارة العالمية ستفتح الأبواب أمام البنوك والمصارف الأجنبية لإدخال خدماتها المتطورة، وإن لم تكن البنوك الوطنية العربية قادرة على المقاومة ستنهار وتتعرض للابتلاع.

وخلص إلى أنه لا مانع من أن يشتري بنك أوروبي أو أميركي أو ياباني أحد البنوك العربية، غير أنه من الأفضل إقامة تلك الشراكة بين البنوك العربية للمساهمة في تعظيم حجم المبادلات التجارية الحرة العربية الكبرى، موضحاً أن عمليات الدمج العربية بدأت، غير أنها مازالت متواضعة ومحدودة ولا تتجاوز تسع حالات، ولم تصل إلى الحد الدمج الإقليمي، ومن المتوقع حدوث مثل هذه الحالات في المستقبل القريب، خاصة مع تسارع وتيرة الاتجاه نحو تعزيز ومضاعفة التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري العربي.

اندماج اضطراري

أما د. حمدي عبدالعظيم، الخبير الاقتصادي، فيرصد أبرز حالات الاندماج المصرفية العالمية، مشيراً إلى أنها تجاوزت 1500 حالة بقيمة 153مليار دولار، وذلك عام 1996 مقابل 1855 حالة اندماج بأصول استثمارية بلغت 6,108 مليارات دولار عام 1990، موضحاً أن العالم شهد منذ عدة أسابيع أكبر صفقة اندماج بين ثلاثة بنوك يابانية كبري هي البنك الصناعي الياباني وفوجي بنك وداي ايستي كانجيوبنك.

وأن هذه البنوك الثلاثة تبلغ إيراداتها حوالي 54 مليار دولار، وصافي أرباحها 1700 مليون دولار، وأصولها 1027 مليون دولار، الأمر الذي سيجعل هذا البنك الياباني العملاق الجديد يتربع على قمة البنوك العشرة الكبرى في العالم، قبل بنك دوييشه الألماني، والذي دشن مفاوضات مع ثالث البنوك الألمانية «درسدند بنك» لتوحيد نشاطاتها في مجال الأعمال المصرفية، كما بدأ «ناسيونال دي باري» الفرنسي مفاوضات مع بنكي باريباس وسوسيتيه جنرال للاندماج، الأمر الذي يؤكد أنه لن يكون هناك مكان للضعفاء والكيانات الصغيرة والهزيلة وسط الديناصورات البنكية.

وأضاف: «أن الاندماجات الأجنبية تهدف إلى تكوين كيانات ضخمة تسيطر على السوق وتخفض تكاليف التشغيل وتضاعف الخدمات المصرفية المتميزة، لجذب عملاء جدد وتحقيق أرباح وإيرادات أعلى، بينما نجد أن معظم حالات الاندماج القليلة التي تمت على النطاق المصري والعربي كانت لأسباب اضطرارية.

موضحاً أن القطاع المصرفي العربي يضم العديد من البنوك التي يمكنها الاندماج، وأن البنوك المركزية وسلطات النقد العربية مطالبة بإجراء دراسات سريعة ودقيقة في هذا المجال وتعديل التشريعات المصرفية بما يشجع على الاندماج ويحول دون الاحتكار ويحقق الفائدة من عمليات الاندماج.