خاب الأمل بإنجاز المخرج الأميركي برايان دي بالما «ريداكتيد» أو «مشفّر وسري» الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية من المهرجان. إذ كنّا نترقب إضافة سينمائية تُسهم في قراءة الملف العراقي بوجهة نظر أميركية، إلاّ أن النتيجة جاءت أدنى بكثير من التوقّع والترقّب.
فكما أخفقت الإدارة الأميركية في استيعاب تعقّد الواقع العراقي، أخفق المخرج الأميركي برايان دي بالما من الاقتراب من الحرب في العراق. حيث حاول إظهار بشاعة ما يحدث خارج مشهد الصدام العسكري والمواجهات القتالية خلال الحروب من حالات اغتصاب وهتك للأعراض على يد الجنود الغزاة عادة، إلا أنه وقع في شرك الصور النمطية التي تضبب الصورة أكثر ممّا توضّحها.
في «ريداكتيد» يختار «دي بالما» مجموعة من الجنود المتطوعين في الجيش للمشاركة في الحرب ضد نظام صدّام حسين. ويحملنا إلى بدايات العام الماضي وإلى تخوم مدينة سامراء العراقية (تضاريس المشهد هي أبعد ما تكون عن سامراء الحقيقية).
لا حرب ولا إطلاق نار ولا وجود لما يمثّل المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية. بل مجموعة من الجنود يعيشون في حالة من الخمول المثير للسأم القاتل تدفع كلاً منهم إلى إظهار اندفاعاته وهمومه، والتي تُختزل جميعها في نهاية الأمر في حالة الجموح الجنسي الذي يقود إلى اغتصاب فتاة عراقية في الخامسة عشرة من العمر. وبرغم بشاعة ووحشية الحالة التي يسعى المخرج لروايتها في شريطه فإنه اختزل مأساة كبيرة كالواقع العراقي في مطلع عام 2006 بالأزمة الجنسية لمجموعة الجنود القادمين من المجتمع الأميركي السحيق.
لا فيلم ولا شخصيات ولا أحداث ولا يذهب الشريط أبعد ممّا عوّدتنا أجهزة التلفزيون من نقل لصور المشهد العراقي. ويبدو الفيلم في نهاية الأمر بأن الأزمة العراقية والمأساة الكبيرة الواقعة على العراقيين ليست في نهاية الأمر إلاّ «حماقة» و «بشاعة» يرتكبها مجموعة من الشباب العصابيين في ليلة من ليالي العراق، وأن رفض العراقيين ليس للإحتلال والحرب والدمار الذي تسببت به بل مجرّد ردة فعل أب أناط مهمة الانتقام لشرف ابنته المهدور إلى مجموعة من القتلة وقاطعي الرؤوس.
وبرغم بشاعة الاغتصاب أينما اقتُرف ورغم الحق في اعتبارها جريمة ضد الإنسانية، فإن القضية العراقية ونتائج الحرب هي أكبر وأعقد بكثير. قد يذهب دي بالما إلى أنه أراد رواية جزء من هذه الحرب، وهو على حق في ذلك لكن ليس بالإمكان في حالة متشابكة مثل العراق، اقتطاع الجزء وتجاهل الكل المتسبب في المأساة. ولم يُضف «التلفيق» الذي اختلقه دي بالما في إناطة مهمة رواية «حدوتة» الفيلم بالكاميرا الرقمية لأحد الجنود، وأوقعه تتبّع الشعار السياسي المدين للحرب فحسب في شرك التبسيط المثير للقلق.
وبرغم قناعة الكثير من المخرجين والمثقفين الأميركيين في أن الولايات المتحدة تورّطت في العراق ورطتها ذاتها في فيتنام، فإنه يبدو أننا ما زلنا بعيدين من اللحظة التي يتمكن فيها المخرجون الأميركيون من إنجاز أعمال ترقى إلى مستوى الأعمال التي أُنجزت عن الحرب في فيتنام. فإنجاز دي بالما الحالي ليس بعيداً عن رائعتي فرانسيس فورد كوبولا و أوليفر ستون «القيامة الآن » و«بلاتون» ، بل هو بعيد حتى من إنجاز دي بالما نفسه «ضحايا الحرب» الذي أنجزه في ثمانينات القرن الماضي.
البندقية ـ عرفان الزهاوي
