التعديلات التي أعلنها صندوق النقد الدولي لمراقبة وتغيير أسعار الصرف وكانت بضغط من الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الكبرى، أصبحت للأسف تتيح للصندوق التدخل في سياسات بعض الدول المتعلقة بسوق الصرف المحلي وتحركات سعر العملات المحلية مقابل العملات الأجنبية.
خاصة وأنها أعلنت بعد خلافات شديدة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية على تحديد سعر صرف (اليوان) الذي تم في نظر بعض الدول الكبرى بأقل من قيمته الحقيقية مما يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع الصينية المصدرة إلى هذه الدول وبشكل ينافس أسعار منتجاتها المحلية.
لقد اعترض فعلاً على هذه التعديلات عدد كبير من الدول النامية على أساس أنها تحد من حريتها في تحديد سعر صرف عملتها المحلية وكان من بين الدول المعترضة عدد كبير من الدول العربية ـ على رأسها الإمارات والكويت ولبنان وسوريا وسلطنة عمان وجيبوتي واليمن ومصر.
بينما وافقت عليها بل وقادت إليها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية على أساس أنها تعكس أفضل الممارسات الحالية في مراقبة أسعار الصرف والسياسات النقدية المحلية التي نصت عليها اتفاقية صندوق النقد الدولي، وبذلك اختلف أعضاء الصندوق عند إقرار هذه التعديلات.
وكان على رأس المعترضين الصين، وعلى رأس المؤيدين الولايات المتحدة الأميركية التي ما زالت للأسف تملك أكبر قوة تصويتية في الصندوق تستطيع بها فرض أي قرار عليه، وبذلك تقررت التعديلات، وأصبحت التزاماً على كل الأعضاء.
وبعيداً عن المعترضين والمؤيدين للقرار والذين أقروه، أقول إن أعضاء صندوق النقد الدولي والبالغ عددهم حالياً 184 عضواً بلغوا جميعاً سن الرشد وأصبحوا قادرين على وضع السياسات النقدية التي تناسب سعر صرف عملاتهم المحلية، وبالشكل الذي يتفق مع صالح شعوبهم ولا يجعلها نهباً لشعوب أخرى.
وهو ما يختلف عن الفترة التي نشأ فيها صندوق النقد الدولي في الأربعينات والتي أعدت فيها اتفاقية الصندوق التي تتضمن قواعد كاملة لتحديد سعر صرف مناسب للعملات المحلية وبحيث لا يؤدي إلى اعتصار جهد دولة معينة لصالح دول أخرى لكي لا ينهار النظام النقدي العالمي الحالي كما حدث في نظام قاعدة الذهب قبل الحرب العالمية الثانية.
وبالتالي فإن هذه التعديلات والتي تتيح للصندوق أن يتدخل في تحديد سعر صرف العملات المحلية لم تكن موفقة حتى وإن كانت تتفق مع اتفاقية الصندوق قبل امتثال الدول الأعضاء إلى المادة الثامنة من الاتفاقية، كما أنها يمكن أن تؤدي إلى مشاكل عويصة أمام خبراء الصندوق الذين سيقع عليهم عبء إثبات أن عملة بلد ما مقدرة بغير قيمتها الحقيقية.
خاصة وأن الدول الأعضاء سترفض تدخلهم في إجراء المسح الاقتصادي والنقدي الذي من واقعه يتم تقدير القيمة الحقيقية لسعر الصرف، وما إذا كانت سليمة أو كانت أعلى أو أقل من السعر الصحيح لأن ذلك يحتاج إلى التدخل في كل السياسات الاقتصادية التي تسير عليها الدولة وما إذا كانت تؤدي إلى أوزان اقتصادية حقيقية أم أنها تؤدي إلى عجز أو فائض غير حقيقي.
ولتقييم وتحليل هذه التعديلات بشكل تفصيلي علينا أن نلقي نظرة فاحصة على ما ورد في اتفاقية صندوق النقد الدولي وقواعده الخاصة بنظام تحديد أسعار الصرف والتي ظلت تتحرك طوال الخمسين سنة الأخيرة بموجب هذه القواعد.
ففي البداية فرض الصندوق على كل عضو أن يحدد سعر الصرف لعملته على أساس الذهب كمقياس عام أو على أساس الدولار الأميركي بوزنه وعياره في أول يوليو عام 1944 ولا يجوز في العمليات التي تتم في داخل الدول الأعضاء أن يختلف الحد الأعلى والحد الأدنى لسعر صرف عملاتها :
ـ بأكثر من 1% في حالة عمليات الصرف العاجلة.
ـ وبأكثر من الزيادة المسموح بها في حالة عمليات الصرف الأخرى.
كما أباحت اتفاقية الصندوق للعضو أن يقوم بتعديل سعر صرف عملته وفقاً للقواعد الآتية :
ـ في حدود 10% من سعر التعادل الأصلي، ويجب في هذه الحالة تبليغ الصندوق قبل إجراء التعديل وليس للصندوق حق الاعتراض في هذه الحالة.
ـ في حدود 20% من سعر التعادل الأصلي ويجوز للصندوق في هذه الحالة أن يعارض في التعديل وذلك في خلال 72 ساعة مبدياً أسباب الاعتراض إذا طلب العضو ذلك.
ـ أكثر من 20% من سعر التعادل الأصلي ويكون للصندوق في هذه الحالة الحق في أن يعترض دون أن يحدد له أجل لإبداء الرأي.
وعلى ذلك فإن اتفاقية الصندوق التي تم إقرارها في ظل النظام النقدي العالمي كانت تفسح السبيل للدول الأعضاء بتعديل أسعار الصرف، بموافقة الصندوق طالما كان ذلك إجراء ضروريا لمعالجة اختلال أساسي في ميزان المدفوعات، والمقصود بالاختلال الأساسي هو استمرار وجود عجز لمدة طويلة نتيجة وجود تفاوت مستمر بين نفقات إنتاج الصادرات والسلع المنافسة للواردات من ناحية وأسعار هذه السلع بالخارج من ناحية أخرى.
على أن سياسة أسعار الصرف لم تعد أداة نقدية تستخدم في مجال إعادة التوازن لميزان المدفوعات فقط كما كانت في الماضي، وإنما أصبحت أداة اقتصادية كثيراً ما يتم اللجوء إليها لتصحيح بعض السياسات الاقتصادية خاصة في مجال سياسات الأسعار والأجور،
وعلى سبيل المثال أذكر أن تخفيض سعر صرف العملة المحلية بالنسبة للعملات الأجنبية يعني زيادة تكلفة السلع المستوردة من الخارج، سواء كانت هذه السلع استهلاكية أو وسيطة أو استثمارية، وهو ما يعني أيضاً زيادة أسعارها في السوق المحلية مما يؤثر على سياسات التنمية الاقتصادية وعلى مستوى المعيشة للغالبية العظمى من المواطنين.
وبذلك فإن كلاً من السياسة الاقتصادية والسياسة النقدية تعطي اهتماماً كبيراً لسياسة أسعار الصرف وتعتمد عليه في إقرارها، وعادة يتم التركيز في هذا المجال حول تقوية سعر صرف العملة المحلية، مما يعمل على تخفيض تكلفة الواردات وبالتالي تخفيض أسعار السلع المحلية التي تُستَخدم السلع المستوردة في إنتاجها، وهو ما يساعد على تحسين مستوى المعيشة ومعالجة مشاكل البطالة كما يعكس الصورة الحقيقية للاقتصاد المحلي.
ومن هنا فإن سياسة سعر الصرف تهم كل الدول الأعضاء سواء الدول النامية أو المتقدمة وخاصة بالنسبة للدول الصاعدة حالياً والتي تطالب وتصر على زيادة الحصص التصويتية لها كالصين والهند والبرازيل والمكسيك وتركيا، وهو ما حدث في اجتماعات مجلس إدارة الصندوق أوائل أغسطس الحالي وأسفر عن خلاف بين أعضاء المجلس، وسيتم التصويت عليه قريبا.
كما أنه ليس من المنطق أن يقوم خبراء الصندوق بالاشتراك مع خبراء الاقتصاد المحلي للدول الأعضاء في وضع السياسة المحلية الملائمة لسعر الصرف التي تملك الدول الأعضاء كل مقوماته.
كاتب اقتصادي مصري