أظهرت تقارير اقتصادية دولية أن حجم التحويلات المالية للمهاجرين بلغت عام 2006 قرابة 276 مليار دولار، وفاقت مساهمتها في اقتصاد بعض الدول النامية أي قطاع اقتصادي آخر. وبينت التقارير أن حجم الكتلة النقدية التي يرسلها المهاجرون إلى أوطانهم تضاعف منذ العام 2000، ليحصل المهاجرون بذلك على ثالث أكبر دخل عالمي بعد سلسلة متاجر وول مارت الأميركية وشركة إكسون موبيل النفطية.

وقال ديليب راسا، أحد خبراء البنك الدولي، إن ما أرسله المهاجرون المصريون إلى بلادهم فاق عوائد قناة السويس، فيما فاقت المبالغ التي أرسلها المغاربة عائد السياحة السنوي للبلاد، فيما تجاوزت تحويلات المكسيكيين قيمة الاستثمارات الأجنبية في بلادهم.

وجاء الهنود في المرتبة الأولى من حيث التحويلات، إذ أرسلوا إلى بلدهم عام 2006 ما يقارب 27 مليار دولار، فيما أرسل الفلبينيون عام 2005 أكثر من 6. 13 مليار دولار. وحث بعض المراقبين على عدم إغفال التأثيرات البعيدة المدى لهذه الظاهرة، فرغم فائدتها الظاهرية على اقتصاد الدول النامية، إلا أنها تساهم على المدى البعيد في إفراغها من العمال المهرة والنخب المتعلمة.

وقالوا ان الهجرة تولد الهجرة.. إنها حلقة متصلة.. الجيل المقبل سيهاجر أيضاً لأن ما يحدث لن يساهم في خلق فرص عمل له هنا. ويتبين من خلال مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة سواء الثنائية بين عدد من دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة

وغيرها من البلدان أو تلك الجماعية بينها وبين الاتحاد الأوروبي أن هذه الاتفاقيات تفرض في فصول خاصة اتخاذ إجراءات لتحرير أسواق العمل المحلية استجابة لمعايير العمل الدولية الجديدة، والتي تقتضي من جملة ما تقتصي مساواة العمالة الوطنية مع العمالة الأجنبية لديها في كافة الحقوق والواجبات.

فكيف تتعامل دول المجلس مع هذه القضية، خاصة في وجود مؤشرات على تزايد معدلات البطالة. فقد أعلنت منظمة العمل الدولية نفسها مؤخراً عن تزايد معدلات البطالة بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث بلغ عدد العاطلين في صفوف العمالة الوطنية نحو 250 ألف عاطل وبمعدل وسطي قدر بنحو 2. 8%.

إلا أن ما يهمنا هنا هو إبراز مضار العمالة الأجنبية بالنسبة لنا كدول حاضنة لهذه العمالة، ونحن نتحدث هنا تحديداً عن العمالة الأجنبية وليس العربية. فقوانين العمل الدولية الجديدة، وخاصة قانون حماية حقوق العمالة المهاجرة تطالب بمساواة العمالة الوطنية والأجنبية في البلدان النامية في كافة الحقوق، كذلك تمكينها من ممارسة طقوسها وتقاليدها وتكوين مجتمعاتها الخاصة،

كما تتضمن الطلب من هذه البلدان إصدار إعلان يقرر أن احترام الدول الأعضاء في المنظمة للحقوق الأساسية للإنسان المتمثلة في الحرية النقابية والمفاوضات الجماعية وحظر العمل الجبري وعدم التمييز والحد الأدنى للسن، وكذلك قيام المنظمة بإجراء تقييم شامل لواقع الجهود التي تبذلها كل دولة عضو لترجمة التحسينات الاقتصادية الناتجة عن تحرير المبادلات إلى واقع اجتماعي أفضل،

والأهم من ذلك إصدار علامة اجتماعية عالمية تمنح للبلدان التي تلتزم بمجموعة هذه المبادئ والحقوق الأساسية والتي تقبل إخضاع ممارساتها لعمليات تفتيش دولية بحيث يكون من حق كل دولة من هذه الدول منح المنتجات المصنوعة على أرضها حق الانتفاع من العلامة الاجتماعية العالمية المقترحة شريطة أن تقبل هذه الدول الالتزامات الناشئة عن ذلك وان تخضع لشروط التحقق في الموقع.

ومع تزايد حدة مشكلة البطالة في صفوف العمالة الوطنية والحاجة لإيجاد الوظائف لمئات الآلاف من الشباب الداخلين إلى أسواق العمل بدول مجلس التعاون سنوياً، فإن تلك الأرقام تبين تعاظم استنزاف العمالة الأجنبية للموارد المالية علاوة على أعبائها على مرافق الخدمات وغيرها مما يخلق إفرازات اقتصادية واجتماعية ـ سلبية عديدة.

وتتراوح نسبة العمالة الأجنبية في بعض دول الخليج ما بين 60 إلى 80% من إجمالي قوة العمل، حيث يصل عددها إلى نحو 10 ملايين عامل. وهذا الأمر يستدعي بذل جهود إضافية لإعداد القوى العاملة الوطنية إعداداً مهنياً ومهارياً كفوءاً، بحيث تسهم هذه العمالة في تنفيذ خط التنمية وتسهم أيضاً في ترشيد العمالة الوافدة. ولا شك إن وجود هذه النسبة العالية تؤثر على فرص العمالة الوطنية وتدني الأجور بالإضافة على تأثيرها على الاقتصاد بشكل عام.

علاوة على ذلك، يلاحظ التزايد الحاد في حجم التحويلات المالية للعمالة الأجنبية التي تخرج من دول المجلس سنوياً، حيث قفزت خلال الأعوام 1999 ـ 2006 من 3. 15 مليار دولار إلى 40 مليار دولار. إلا أن هذا الرقم سوف يرتفع بشكل أكبر إذا ما أخذ بالاعتبار التحويلات التي تتم مباشرة دون أن تمر بأي من القنوات الرسمية، مما يشكل استنزافاً دائماً لموارد التنمية بدول المجلس.

وتتفق هذه المصادر مع ما يذهب إليه المحللون الاقتصاديون بشأن التأثيرات البالغة الأهمية لاتجاهات العولمة على أوضاع العمالة بدول مجلس التعاون الخليجي. فالعولمة قادمة بشكل يجعل الدول كلها في منظور واحد والاقتصاد له دور كبير في تنمية رؤوس الأموال داخل الدول.

ويشدد هؤلاء المحللون على أن أهم التحديات العمالية التي تواجه المنطقة تتلخص في عدة نقاط أهمها: تنقل العمالة غير المنظمة وغير المراقبة سواء الخليجية أو غيرها ووجود مخرجات تعليم لا تتطابق مع متطلبات سوق العمل ووجود قوانين عمل بعيدة عن المتطلبات الواقعية لسوق العمل وإيجاد وظائف استثمارية لا تتوافر لها الموارد البشرية الخليجية

وكل هذه الأمور يجب تفاديها بسرعة ولا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه فهناك قرارات خليجية وكل الدول لديها حالياً نظام معلومات ولكنها غير متكاملة. إن مخرجات نظم الدول الخليجية هي بمثابة مدخلات للنظام الموحد.

لذلك لا يمكن بأي شكل أن يقوم النظام الموحد إذا لم تتكامل النظم في هذه الدول، مما يساعد على وضع الخطط والمرئيات التي تتعامل مع مشكلات أسواق العمل بصورة منهجية وعلمية تقوم أساساً على توحيد أسواق العمل الخليجية وتكاملها وفتحها بالكامل أمام مواطني دول المجلس الراغبين بالعمل في أي من هذه الدول.

على أية حال، نحن نعتقد أن معايير العمل الدولية أو على الأقل جانب أساسي منها سوف يجد طريقه في النهاية نحو التنفيذ، خصوصاً أن قواعد منظمة التجارة الدولية تفرض في النهاية مبدأ التحرير على كافة القطاعات بما في ذلك تحرير أسواق العمل.

لذلك، فإن على دول مجلس التعاون الخليجي، وهي لا تزال تملك فسحة زمنية جيدة لتطبيق برامج التوطين، أن تسعى بنفس الوقت لإدخال تغييرات جوهرية على هيكلية أسواق العمل في بلدانها. ان الكفاءة والإنتاجية والاحتراف هي معايير أساسية يجب توفرها في الأيدي العاملة الوطنية بغض النظر عن الأولويات التي تعطى لها في التوظيف.

وهذا يعني بالضرورة مراجعة سياسات وبرامج التعليم الثانوي والعالي والمهني، مثلما يعني مراجعة سياسات الأجور وعناصر الوظيفة الأخرى. ناهيك عن مراجعة مجمل سياسات النمو الاقتصادي بحيث يمكن للنشاطات الاقتصادية أن توفر المزيد من فرص العمل والتوظيف التي تربط ـ وفقاً لشروط المنافسة في السوق ـ بميزات ومهارات العمالة الوطنية.

كاتب ومحلل اقتصادي