تنتهي اليوم الجمعة المهلة المحددة لتقديم الترشيحات لشغل منصب مدير عام صندوق النقد الدولي. وانحصر الصراع على إدارة الصندوق بين وزير الاقتصاد الفرنسي السابق دومينيك ستروس والرئيس السابق للبنك المركزي التشيكي جوزف توسوفسكي.
وكان الأسباني رودريغو راتو قد أعلن في نهاية يونيو الماضي عزمه التنحي من منصبه في أكتوبر المقبل، أي قبل سنتين من انتهاء ولايته. وحتى نهاية الأسبوع الماضي كان ستروس هو المرشح الوحيد وأعلن ترشيحه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ولقي دعما من الاتحاد الأوروبي، غير أن روسيا دخلت على خط الترشيحات في 22 أغسطس بطرح اسم جوزف توسوفسكي.
وبذلك تكون روسيا تولت تمثيل مصالح الدول الناشئة الداعية إلى إعادة النظر في تقاسم السلطات القائم حاليا. وقال وزير المالية الروسي الكسي كودرين «ما أن بدأت آلية الانتخاب حتى تبين بوضوح انه سيتم تطبيق القاعدة غير المكتوبة بشأن مرشح الاتحاد الأوروبي».
وأضاف مبديا استياءه «هذا غير عادل تجاه الدول الكبرى الأخرى في العالم بما في ذلك أعضاء مجموعة الثماني. يجب أن يجري الاختيار بشكل مهني»، موضحا أن دولا ناشئة مهمة مثل البرازيل والهند والصين تؤيد فكرة إجراء انتخابات حقيقية.
وأبدت مجموعة الدول النامية الرئيسية الأربع والعشرين ومن بينها الصين وجنوب أفريقيا والبرازيل مرارا تحفظات على تعيين مدير لصندوق النقد الدولي يختاره الأوروبيون وطالبت الدول الغنية بالتزام واضح حيال آلية اختيار مفتوحة.
وأعلن الصندوق الأسبوع الماضي أن مقابلة ستعقد مع كل من المرشحين قريبا في واشنطن. ويعتبر رأي الولايات المتحدة حاسما في هذه العملية إذ أنها تملك 79. 16% من الأصوات، كما سيكون خيار الدول الغنية الأخرى مؤثرا أيضا وقد تجنبت واشنطن إعلان موقف قبل تعيين المدير العام وأعلن وزير الخزانة هنري بولسون انه يتطلع لمقابلة المرشحين.
ويعتبر الخبراء أن فرص فوز مرشح خارج عن القاعدة المتبعة ضئيلة. واعتبر رئيس (المجموعة الأوروبية) التي تضم وزراء مالية دول منطقة اليورو رئيس وزراء لوكسمبورغ جان كلود يونكر في مقابلة نشرتها صحيفة فاينانشال تايمز الألمانية أن إدارة الصندوق قد تعود في المستقبل إلى الدول النامية اذا ما وافقت على دعم ترشيح ستروس-كان.
وبدا أن روسيا كانت سباقة لتقديم النقد للمرشح الفرنسي وقال المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي لروسيا، الكسي موجين ان ستروس لا يتمتع بالمؤهلات المطلوبة للقيام بأعباء هذه المهمة. واعتبر موجين في ان «لا شيء في سيرة ستروس يظهر بوضوح ان لديه المؤهلات التقنية للقيام بهذا العمل». ووصف وزير المال الفرنسي السابق بأنه «رجل يحترف السياسة» وشكك في أن يكون ترشيحه الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي هو الأفضل.
وعدد موجين محاسن مرشح بلاده بالقول «نعتقد أن توسوفسكي هو المرشح الأفضل بما لديه من خبرة». وأضاف «عملية اختيار المدير العام لصندوق النقد الدولي تشوبها عيوب عميقة. ونعتقد أن الصندوق يواجه أزمة شرعية حادة ونريد أن يستجيب حاجات البلدان النامية، ومن الضروري ان نختار المرشح الأفضل». وقال موجين «اذا لم تشعر البلدان النامية بأنها تضطلع بدور في عملية الاختيار، فإنها عندئذ ستنحرف عن مهمة صندوق النقد الدولي».
وقد تأكدت روسيا من دعم البلدان النامية الممثلة في مجلس الإدارة لترشيح توسوفسكي، كما قال موجين، وأوضح أن ترشيح الرئيس السابق للبنك المركزي التشيكي لا يرمي إلى تأكيد وجود منافسة (في الظاهر) لاختيار المدير العام للصندوق.
المرشح التشيكي جوزف توسوفسكي
جوزف توسوفسكي مرشح روسيا لإدارة الصندوق، يبلغ من العمر 65 عاماً وهو عضو سابق في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي عين رئيس وزراء لفترة وجيزة وأمضى القسم الأكبر من حياته المهنية في البنك المركزي التشيكوسلوفاكي. عمل توسوفسكي حاكما للمصرف الوطني التشيكي بين يناير 1993 وديسمبر 1997 ثم بين يوليو 1998 ونوفمبر 2000. تولى رئاسة الحكومة التشيكية بين ديسمبر 1997 ويوليو 1998.
المرشح الفرنسي دومينيك ستروس
يعتبر دومينيك ستروس-كاس (85 عاما) مرشح الاتحاد الأوروبي لتولي إدارة الصندوق اقتصاديا بارعا يدعو إلى تطبيق ديمقراطية اشتراكية على الطريقة الفرنسية. ترشح عام 2006 لتمثيل الاشتراكيين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية غير انه هزم أمام سيغولين روايال
التي هزمها بدورها نيكولا ساركوزي المؤيد لترشيحه لمنصب المدير العام لصندوق النقد الدولي. ويؤكد ستروس على أنه سيكون «مرشح الإصلاح» في صندوق النقد الدولي ويدعو إلى تعزيز «أصوات الدول الناشئة والدول الفقيرة» في هذه الهيئة حتى «تتكيف» مع العالم المعاصر.
تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي أبرز اهتمامات الصندوق
عملية صنع القرار تمر بمراحل عديدة
صندوق النقد الدولي هو وكالة متخصصة من وكالات منظومة الأمم المتحدة، أنشئ بموجب معاهدة دولية في عام 1945 للعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي. ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديره أعضاؤه الذين يشملون جميع بلدان العالم تقريباً بعددهم البالغ 184 بلدا.
ويعتبر الصندوق بمثابة مؤسسة مركزية في النظام النقدي الدولي. ويستهدف منع وقوع الأزمات في النظام عن طريق تشجيع البلدان المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة، كما أنه يستفيد من موارده الأعضاء الذين يحتاجون إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما يتعرضون له من مشكلات في ميزان المدفوعات.
وتبلورت فكرة صندوق النقد الدولي في يوليو 1944 أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأميركية عندما اتفق ممثلو خمس وأربعين حكومة على إطار للتعاون الاقتصادي يستهدف تجنب تكرار كارثة السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أسهمت في حدوث الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن العشرين.
فخلال هذا العقد، ومع ضعف النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية الكبرى، حاولت البلدان المختلفة الدفاع عن اقتصاداتها بزيادة القيود المفروضة على الواردات، ولكن هذا الإجراء لم يؤد إلا إلى تفاقم دائرة الانخفاض التي يتعاقب فيها هبوط التجارة العالمية والناتج وتوظيف العمالة.
ومن أجل المحافظة على الاحتياطيات المتناقصة من الذهب والعملات الأجنبية لجأت بعض البلدان إلى تقييد حرية مواطنيها في الشراء من الخارج، وقامت بلدان أخرى بتخفيض أسعار عملاتها، بينما فرض البعض الآخر قيوداً معقدة على حرية حيازة المواطنين للعملات الأجنبية.
على أن هذه الحلول أدت إلى نتائج عكسية. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت بلدان الحلفاء الرئيسية النظر في خطط مختلفة لإعادة النظام إلى العلاقات النقدية الدولية، وولد صندوق النقد الدولي في مؤتمر بريتون وودز
حين وضع ممثلو البلدان المشاركة اتفاقية التأسيس لمؤسسة دولية تشرف على النظام النقدي الدولي وتعمل على إلغاء قيود الصرف المرتبطة بالتجارة في السلع والخدمات وتحقيق استقرار أسعار الصرف. وفي ديسمبر 1945، جاء صندوق النقد الدولي إلى حيز الوجود عند توقيع 29 بلداً على اتفاقية تأسيسه.
ويهتم الصندوق في إشرافه على السياسات الاقتصادية للبلدان الأعضاء بأداء الاقتصاد ككل، وهو ما يشار إليه في الغالب بأداء الاقتصاد الكلي. ويشمل هذا الأداء الإنفاق الكلي وعناصره الأساسية مثل الإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الأعمال، والناتج وتوظيف العمالة والتضخم، وكذلك ميزان المدفوعات في البلد المعني، أي ميزان معاملاته مع بقية العالم.
ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة، وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف - وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها.
وإضافة إلى ذلك يوجه الصندوق اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي، بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور. ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات،
بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة، وانخفاض التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار - أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
ويعتبر الصندوق مسؤولا أمام بلدانه الأعضاء، وهي مسؤولية تمثل عنصراً لازماً لتحقيق فعاليته. ويتولى القيام بأعمال الصندوق اليومية مجلس تنفيذي يمثل البلدان الأعضاء، وهيئة موظفين دوليين يقودهم المدير العام وثلاثة نواب للمدير العام، علماً بأن كل عضو في فريق الإدارة يتم اختياره من منطقة مختلفة من العالم.
وتأتي الصلاحيات المفوضة للمجلس التنفيذي في تسيير أعمال الصندوق من مجلس المحافظين، صاحب السلطة الإشرافية العليا. ومجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، هو صاحب السلطة العليا في إدارة الصندوق ويجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ، عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد، ومحافظ مناوب. ويبت مجلس المحافظين في قضايا السياسات الكبرى، ولكنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية. ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً،
ويرأسه المدير العام للصندوق؛ ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى،
وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية لفترات مدتها عامين.
على عكس بعض المنظمات الدولية الأخرى التي تعمل على أساس تمتع كل بلد بصوت واحد، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن صندوق النقد الدولي يطبق نظاماً للتصويت المرجح، فكلما زادت حصة بلد عضو في الصندوق - والحصة تحدد عموماً على أساس حجمه الاقتصادي. غير أن المجلس التنفيذي نادراً ما يتخذ القرارات بالتصويت الرسمي، وإنما يتخذ معظم قراراته استناداً إلى توافق الآراء بين أعضائه، ويجري تأييد هذه القرارات بالإجماع.
الحصص تشمل نظام الاشتراكات
تعتبر اشتراكات الحصص التي تسددها البلدان الأعضاء هي المصدر الرئيسي لموارد الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بإحدى العملات الرئيسية، مثل دولار الولايات المتحدة أو الين الياباني.
ويمكن للصندوق أن يطلب إتاحة المبلغ المتبقي، الذي يدفعه البلد العضو بعملته الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته.
2800 موظف ينتمون ل133 بلداً
يعمل بالصندوق نحو 2800 موظف ينتمون إلى 133 بلداً، ويشكل الاقتصاديون ثلثي الموظفين الفنيين تقريباً. ويضم الصندوق 22 إدارة ومكتباً يرأسها مديرون مسؤولون أمام المدير العام. ومعظم موظفي الصندوق يعملون في واشنطن العاصمة، وهناك حوالي ثمانون ممثلاً مقيماً للصندوق في البلدان الأعضاء للمساعدة في تقديم المشورة بشأن السياسة الاقتصادية.
وللصندوق مكاتب في باريس وطوكيو للاتصال بالمؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني، كما أن له مكاتب في نيويورك وجينيف هدفها الأساسي الاتصال بالهيئات الأخرى في منظومة الأمم المتحدة.



