قدم مسرح الهال عرضا بعنوان «اليوم الذي توقفت فيه نينا سيمون عن الغناء» ضمن فعاليات مهرجان أفينيون الحادي والستين طيلة شهر يوليو، والتي شهدت ندرة العروض العربية. في هذه المونودراما التي كتبتها الممثلة دارين الجندي بمساعدة المسرحي محمد القاسمي وأخرجها المخرج الفرنسي ألان تيمار، تروي الممثلة شذرات من حياتها وحياة عائلتها في اللحظات الأصعب التي عاشتها عشية وفاة أبيها.

فهي تناجي أباها وتذكره بلحظات الحرية التي منحها إياها عندما كانت صغيرة متفاخرة بأنها نشأت في كنف عائلة تقدر المرأة وتصغي لكلامها، الأمر الذي لا يحدث كثيرا في المجتمعات العربية التي تنظر للمرأة على أنها ضلع قاصر مقابل الحضور الذكري الواضح في كل نواحي الحياة. وهنا فإننا نسمع صوت المرأة العربية وهي تبوح بتفاصيل جد حميمية لاسيما وأن الممثلة تروي قصصا عاشتها ثم كتبت عنها.

تتحدث عن حياة أبوها الذي انتقل من مدينة السلمية في سوريا إلى بيروت وشارك في الحراك الثقافي التي كانت تشهده تلك المدينة في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.

تتحدث الممثلة عن تفاصيل كثيرة رافقت تلك الفترة المهمة من حياتها وتبوح بما كان يدور من حوارات مع والدها وكيف كانت ترى التطورات السياسية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط، فهي تروي بعضاً من ويلات الحرب الأهلية اللبنانية التي عصفت بلبنان طيلة عشرين عاما. تعرج في حديثها أيضاً على حرية المرأة العربية وأهمية اتخاذ موقف جدي تجاه هذا الموضوع فيأتي العرض كنداء ضروري وملح لتحرير تلك المرأة وإيصال صوتها بدون قيود.

في هذا النوع من العروض الذي يثير فضول المشاهد الفرنسي كونه يدور عن منطقة يعرفها جيدا، من المؤسف أن المشاهدين تعاملوا مع النص من وجهة نظر سياسية متناسين أن له قيمة فنية كبيرة تتمثل في أهمية الشهادات التي تقولها المرأة على الخشبة.

يدع المخرج ألان تيمار خشبة المسرح عارية من أي ديكور كأنه يريد منا أن ننتبه إلى الممثلة وشهاداتها، ونرى بعض الإسقاطات الضوئية على بعض زواياها خصوصا عند تنقل الممثلة من مكان إلى آخر، ويتخلل العرض مقاطع موسيقية يستثمرها المخرج كفواصل زمنية تتوقف خلالها الممثلة عن السرد لبعض الوقت.

لكن ما يميز هذه المونودارما هو حرية الحركة التي تميز أداء ورقص الممثلة دارين الجندي، فهي لا تكتفي بسرد النص بل تمثله وتؤديه بديناميكية ملحوظة فنراها تذرع الخشبة جيئة وذهابا حتى أن المشاهدين يركزون أبصارهم على تحركات جسدها طيلة فترة العرض.

يقول المخرج ألان تيمار في تقديمه للعرض: «تكتب الممثلة قصتها المؤلمة، قصة تلك المرأة التي لا تكف عن البوح بحب أبيها وحب الحرية التي منحها إياها. (...) كيف يمكننا ترجمة هذا الواقع على خشبة المسرح؟ كيف نجسد هذا العمل الفني ونحن جاهدين لإظهار حقيقة أو حقائق هذه المرأة؟ إن الطابع الذاتي للنص يجعل أداء الممثلة مميزا بكل جوانبه».

تقول الممثلة دارين الجندي في تقديمها للعرض: «رحل أبي منذ خمس سنوات... كنت واقفة أمامه وهنا بدأت الأسئلة تمطر مخيلتي: ما العمل الآن؟ لمن سأروي تفاصيل حياتي؟

لماذا سأعيشها إذا لم يكن موجودا ليشاركني إياها؟ في تلك اللحظة أدركت كم كان أبي نادرا وكم كنت محظوظة أنني كنت ابنته. عندما كنت صغيرة كنت أعتقد أن كل الآباء كانوا متشابهين... لقد كان أبي حاضرا معي في كل مكان حريصا ألا أبقى وحيدة في ذلك الواقع الذي كنا نمزح فيه».

تنهي الممثلة المونودراما ببيت الشعر «نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول».

أفينيون ـ منتجب صقر