اختتمت الجمعة الماضي ندوات فاعلية متعة العقل التي نظمها البرنامج على مدار شهرين بالتعاون مع مكتب مفاجآت صيف دبي بحضور احمد عبيد المنصوري المنسق العام لبرنامج وطني. وكان مسك الختام محاضرة ألقاها محمد ناجي الحمادي المستشار النفسي عنوانها «عقلك الباطن .. جواد بلا فارس».

استهل المحاضر حديثه بالآية الكريمة «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» قائلا بعد 50 سنة من نزول هذه الآية واهتمام أجدادنا بالعلم والأخذ بأسباب القوة أصبحنا سادة العلم ولكننا تقهقرنا بعد ركوننا إلى الدعة وحياة الترف والراحة وفقدنا الأندلس بعد أن مكثنا فيها 8 قرون حيث تنبأ ابن خلدون بهذه النهاية عندما لاحظ أن شباب المسلمين أصبحوا يتشبهون بالأسبان في الكثير من مناحي الحياة بل بدءا من الملبس.

وقال: قل لمن يدعي في العلم فلسفة علمت شيئا وغابت عنك أشياء. كلنا يعرف العقل الواعي ولكننا نجهل الكثير عن العقل الباطن اللاواعي. علما بان الأول يحتفظ بـ 1% فقط من العلوم والمعارف الإنسانية بينما يذهب 99% منها إلى الثاني. من هنا ندرك قوة العقل الباطن الهائلة التي لا حدود لإمكانياتها وصدق الشاعر عندما قال وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الكبير. ذلك هو عالم العقل الباطن الذي يمكن أن نوجه وعينا وحدثنا إليه لإيجاد المعلومات الضرورية التي نحتاجها في شتى نواحي حياتنا.

ولتحقيق ذلك، كما قال المحاضر، عليك بأن تفهم نفسك وتثق بأن عندك عقلا باطنا متواجدا باستمرار وجاهزا لخدمتك وان لديك مخزونا هائلا من المعلومات وكما كبيرا من الحلول الصحيحة وان عقلك الباطن يستطيع البحث عنها وإمدادك بها عند الحاجة فهو شريكك الوفي عندما ترتقي سلم النجاح. فما عليك إلا أن تطلب من عقلك الباطن بلطف وإلحاح وتحديد ودقة ما الذي تريد تحقيقه منه وكن على ثقة بأنه سيرشدك إلى الحلول المطلوبة. على أن يكون في حالة استرخاء كافية وهي الحالة الملائمة للدخول إلى العقل الباطن.

ويقوم العقل الباطن بوظائف كثيرة نذكر منها: يحول الغذاء والأكسجين إلى طاقة يمد بها أنسجة وأعضاء الجسم وينظم الوظائف الروتينية لهذه الأعضاء، ويشرف على الصيانة والإصلاحات التي يتطلبها الجسم، مثل: جبر الكسور والتئام الجروح وتصنيع مضادات السموم وتقوية جهاز المناعة للتصدي للأمراض، وضبط حرارة الجسم والتحكم في ضربات القلب وانتظام التنفس بالإضافة إلى فرز العصارات الهضمية.

كما يمد العقل الباطن الإنسان بالطاقة الإبداعية وقوة التحمل خاصة في الظروف الشاقة مثل ما يحدث في الحج والعمرة وهو يحفظ المشاعر السلبية في أعماق الإنسان ويخفيها عن وعيه رحمة به ويظهرها من وقت لآخر للبحث عن حل لها. أي انه يضبط وظائف الحياة الجسدية والعاطفية كلها حيث يتحكم في العواطف والمشاعر ويقوم بتخزين المعلومات والذكريات والتجارب ويتعرف على الأوزان والأبعاد.

ويحتفظ العقل الباطن بنسخة أصلية تسمى النسخة الزرقاء الخالية من الأمراض والخاصة بتركيبة الجسم والنفس السليمين .ولذلك إذا اعتلت الصحة الجسدية أو النفسية للإنسان فان العقل الباطن يستطيع إصلاح ما فسد وإعادة الحالة إلى ما يجب أن تكون عليه. ويمكن استحداث نسخة زرقاء جديدة للجسم تكون متطورة حسب تصميم جديد ثم نوحي بها إلى العقل الباطن فإذا تقبلها عمل على تنفيذها.

ومن عجائب العقل الباطن، شاب يوحي لهذا العقل بشفاء عينه المريضة. وسيدة تتخيل لفظ الجلالة ينزل إليها في شعاع من ضوء إلى أورام أصابتها فتحدث المعجزة بقدرة الله ويندهش الأطباء لشفائهما. هذا عن الايحاءات الايجابية أما السلبية فمعروف علميا أن الجسم يتغير مرة كل 11 شهرا وان الغشاء المبطن للمعدة يتغير في حدود اقل من أسبوع وصاحب القرحة المعوية محروم من شفائها بسبب ترجمته الخاطئة لعقله الباطن بأنه يعاني من قرحة المعدة فيقوم العقل الباطن بتركها كما هي بدون شفاء.

ولكن كيف نخاطب عقلنا الباطن؟ بالطبع يتم ذلك بالتكرار وتوكيد الفكرة المطلوبة باستمرار ولفترة طويلة. واستعمال الكلمات والتعابير الايجابية مثل القول: استطيع وهذا ممكن. وأنا بخير والحمد لله وجسدي بصحة وعافية وصحتي تتحسن باستمرار. وأنا قوي وأنا رياضي وأنا واثق من نفسي وكل يوم أنا أحسن وأحسن. ويقول عالم النفس المشهور الدكتور ميلتون اريكسون: المرضى زبائن الأطباء هم كذلك لأنهم ليسوا على وفاق وألفة ووئام مع عقلهم الباطن.

ولما كان العقل الباطن أشبه بجهاز كمبيوتر عملاق يشرف على أكثر من 95% من فعاليات الإنسان وعنده الحلول الكثيرة والأجوبة المتنوعة والخبرات الهائلة. فكيف نبرمجه البرمجة السليمة؟ يمكن ذلك بالإيمان القوي بالله وبقدراته والرضا بقسمته والدعاء المستمر له ثم في الحديث الداخلي السليم إلى العقل الباطن والتفسير والتصرف الايجابي والتفاؤل والابتسام والاطلاع المستمر لاكتساب مهارات جديدة. ومخالطة السعداء والمتفائلين والمرحين والتحرر من المعتقدات السلبية واستبدالها بالايجابية.