تشير دراسات «غوغل- الشرق الأوسط» إلى أن 26 مليون عربي استخدموا الانترنت في العام 2006. أرقام ينظر إليها المعلنون بعيون تلمع. لكنهم بالمقابل، يشعرون بإرباك حين يتعلق الأمر بذائقة متصفح الشبكة، وانغماسه طوال الوقت في التردد على مواقع تناقش مواضيع لا تهم الإعلان، مثل السياسة وقضايا أخرى.

وفي الوقت الذي يشير فيه تقرير حديث لمنظمة (المبادرة العربية لإنترنت حر)، إلى أن من بين المواقع المئة الأكثر شيوعا في العالم العربي، هناك 10 مواقع تختص بالجماعات الدينية، فإن الفرص أمام المعلنين في وضع علاماتهم التجارية على شرائط براقة تجذب انتباه المتصفح تبدو متضائلة، ومحصورة في مواقع معينة، يغلب على جزء منها الطابع الترفيهي وعلى الجزء الآخر الطابع الإخباري المجرد من مواقف. إذ أن المعلن، يميل عادة إلى عدم الربط بين منتجه وبين الصبغة السياسية أو العقائدية، ويحرص على عدم وضع علامته التجارية تحت مجهر الرقابة، ولذلك قد يبدي مرونة ما في توليف طرق إعلانية خاصة، تستفيد من شعبية تلك المواقع، لكنه يصطدم، غالبا، بواقع حجبها.

ففي المملكة العربية السعودية، السوق الأكثر جذبا للمعلن في المنطقة العربية، وصل عدد المواقع المحجوبة إلى 400 ألف موقع في العام 2006، بحسب التقرير، ما دفع منظمة «مراسلون بلا حدود»، إلى الاحتجاج. وعلى الرغم من أن 81% من عدد مستخدمي الانترنت في الخليج يتركزون في دولتي السعودية والإمارات حسب أرقام مركز (مدار للأبحاث والنشر) الذي يتخذ من دبي مقرا له. فإن حجم الإنفاق الإعلاني المخصص من الشركات في المنطقة لـ «الأون لاين» لا يرقى إلى 43. 0% من حجم الإنفاق الإعلاني الكلي الذي قدره «بارك» (المركز العربي للبحوث) بـ 55. 2 مليار دولار أميركي في العام 2005، استقطبت الصحف النسبة الأكبر منها، تلتها المجلات، فالتلفزيون، ثم الإعلانات الخارجية والسينما والراديو الذي يستقطب 7. 0% فقط من إجمالي الإعلانات. ولم تلحظ تلك التقديرات نشاط إعلانات الـ «أون لاين».

وتفضل تلك الشركات، في العادة، فيما لو عقدت العزم على توظيف بعض من أموالها في الدعاية الالكترونية، الإعلان على المواقع العالمية، خصوصا ان كان لهذه الشركات نشاط دولي. هكذا، تعلن شركة (استثمار) الإماراتية التي تدعم جهود حكومة دبي في اقتناص فرص استثمارية في قطاعات العقارات والسياحة والترفيه حول العالم، على موقع مجلة (بزنس ويك) الأميركية، وكذلك على موقع مجلة (ايكونومست) البريطانية.

طفرة غير مستغلة

ويخسر الإعلان الإلكتروني الكثير من فرصه للإفادة، ليس فقط من الفرص الإعلانية، بل ومن فرص «طفرة» الانترنت التي تعيشها دول الخليج تحديدا. فمعدل النفاذ إلى الانترنت في دولة الإمارات مثلاً يصل الى 38% وهو معدل يزيد على متوسط معدلات النفاذ في دول أوروبا والذي يقدر بـ 36%.

أما أرقام المشتركين في خدمات الانترنت السريعة فقد حققت معدلات نمو قياسية، تجاوزت 250% بشكل عام، إذ ارتفع عدد المشتركين من 513 ألف مشترك في يوليو 2003 إلى 8. 1 مليون مشترك في يوليو 2005، بحسب دراسة لشركة «او أم دبي ديجتال» التسويقية المتخصصة في دبي. كذلك سجلت الإمارات أكبر نسبة نمو في مجال اشتراكات خدمات الانترنت السريع، إذ وصلت إلى 9. 12%.

يقول رودريك بهرنس، خبير تسويقي في شركة (باور براند)، المخصصة بتفعيل تأثير العلامات التجارية في دبي، انه إلى «وقت قريب كان المعلن يتحاشى دس رسالته التجارية في بيئة تخدم قضايا ذات طابع سياسي موجه أو إشكالي، إلا أن الفئة العمرية التي تتردد على مثل هذه المواقع، في العادة، هي شريحة مثالية بالنسبة إلى المعلن». . ومن المعروف أن 65% من سكان المنطقة العربية يتمتعون بمعدلات عمرية تقل عن 30 سنة، بينما 69% من مستخدمي الانترنت في الخليج أعمارهم تتراوح بين 15 و29 سنة، حسب (مدار).

ويعطي بهرنس مثالا آخر على التأثير السلبي لسياسات الحجب على «شهية» المعلن تجاه مواقع الانترنت: (حين منعت إحدى البلدان العربية، قبل عامين، مواطنيها من الوصول إلى مواقع خدمات البريد الالكتروني مثل ياهو وهوتميل ومكتوب، كان ذلك بهدف إجبار المواطن على استخدام خدمات البريد الالكتروني التي تقدمها شركات التزويد المحلية والتي تسهل مراقبتها. ويضيف «لذلك، سيكون من المنطقي ألا يُقبل المعلنون على طريقة الإعلان بواسطة رسائل البريد الالكتروني أو استخدام إعلان محرك البحث».

وقد أرجعت مؤسسة الاتصالات سبب حجب مواقع البريد الالكتروني المجانية إلى المنافسة التجارية حيث إن المؤسسة لن تستفيد ماليا عند توقف المستخدم عن استعمال خدمات البريد الالكتروني التي تقدمها، وهو الأمر الذي يعلق عليه أحد مستخدمي الانترنت في ذلك البلد بالقول إن سبب الحجب هو عدم قدرة أصحاب القرار السياسي في البلد على التسليم بفقدان السيطرة على المعطيات والأفكار المختلفة التي تصل عبر الانترنت.

وكان من الطبيعي مع الترويج لهذه الأفكار حول حظر مواقع البريد الالكتروني أن يدافع أحد المواطنين عن هذا الحجب قائلا إن موقعي Hotmail و Yahooتراقبهما المخابرات الأميركية، أما ماسينجر ICQ فهو تابع للمخابرات الإسرائيلية التي تتجسس من خلاله(!)، بحسب ما تناقلته منتديات شبابية شائعة على الانترنت منها «شبابلك». ويسوق بهرنس أرقاما تؤكد فكرته: 4% فقط من حجم الإعلانات الالكترونية في العالم العربي يذهب إلى محركات البحث، بينما أقل من 20% تذهب إلى الإعلان عن طريق رسائل البريد الالكتروني، فيما 51% من المعلنين يتجهون إلى «إعلان البانير»، أي وضع شريط يروج للعلامة التجارية على إحدى صفحات الموقع.

التسويق الفيروسي

ينظر المعلنون اليوم، في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الشمالية، إلى مواقع المدونات الالكترونية الشخصية بوصفها دجاجة الذهب المقبلة. وقد طوروا استراتيجيات تسويقية خاصة لمقاربة هذه الوسائط الشائعة بين الشباب، من بينها ما يعرف بالتسويق الفيروسي (فيرال ماركتينغ)، الذي يحرض على إيجاد دردشة «عفوية» حول علامة تجارية لمنتج ما، تؤدي إلى تناقل اسم العلامة من فم إلى آخر، كما يفعل «الفيروس». وباستثناء الإمارات ولبنان وبعض الدول المغاربية، فإن كثيراً من مواقع المدونات الشخصية تم حجبها في دول عربية كثيرة.

ففي السعودية، بحسب تقرير (المبادرة العربية)، تم القبض على محسن العواجي في العاشر من مارس 2006، بتهمة نشر مقالات تنتقد الحكومة على مدونته الالكترونية. كما سبق لمباحث أمن الدولة التحقيق مع الكاتبة والإعلامية نوال اليوسف. وفي ليبيا، وجدت جثة الصحافي ضيف الغزال، مقطعة الأصابع، وكان اشتهر بتسجيل يومياته على مدونة ليبياجيل دوت كوم»، قبل أن يختطف ويقتل والأمثلة كثيرة.

أكثر جرأة

«طيران الإمارات» وكلام الركاب

«طيران الإمارات»، هي إحدى الشركات التي تغريها مهمة «الابتكار» دوما. وفي الوقت الذي لا يشكل إنفاقها على الإعلان الالكتروني على مواقع محلية وفي المنطقة أكثر من 5% حاليًا، يصرح ستيف ويلير، نائب رئيس قسم الإعلانات في الشركة، بأنها تسعى إلى زيادة هذه النسبة إلى 10% خلال العام 2007. ويعتبر ذلك خطوة مهمة على طريقة التغيير.

هذا الطريق، قد يصل بالشركة، حسب ويلير، إلى تخصيص 25% من مجمل إنفاقها الإعلاني العالمي لوسائط (أون لاين) خلال السنوات الخمس المقبلة، وهي النسبة التي تتراوح عند 8% في الوقت الحالي: نجد أن هناك فرصة كبيرة لنقل جزء من ميزانيتنا المخصصة للإعلان التلفزيوني إلى أون لاين.

يشير إلى أن التلفزيون قد يفقد الكثير من شعبيته إذا ما استمر في عرض برامج فقيرة المحتوى، كما أن تأثير الإعلان التلفزيوني بات أقل شأنا من ذي قبل بسبب تزايد عدد القنوات العربية وتشتت المشاهد. وبوسع «طيران الإمارات» أن تلجأ إلى تصميم موقع خاص، على غرار تجارب «نايكي» و«سوني» و«كوكاكولا» في العالم، يقدم خدمات معينة إلى الجمهور، ويروّج ضمنيا للعلامة التجارية والرسائل التسويقية للشركة.

لنتخيل المشهد: هناك 14. 5 ملايين راكب، استرخوا على مقاعد «طيران الإمارات» خلال العام 2006. 10% منهم لديهم ما يقولونه عن تجربتهم في السفر. الأفلام التي شاهدوها، الطعام الذي قدم لهم على الطائرة، ابتسامة المضيفة، الصور التي التقطوها من الكوة الصغيرة، الراكبة الثرثارة التي لم تتوقف عن الكلام طوال الرحلة، الارتباك في استخدام الحمام الصغير واتباع التعليمات المكتوبة داخله..

هناك إذاً 145 ألف شخص يريدون التحدث عن تلك المواضيع. ماذا يفعلون؟ هل يرسلون رسائلهم إلى بريد القراء في الصحف أم «يكتمون الكلام؟». واقع الأمر أن هناك فرصة كبيرة أمام الشركة والمعلنين عن خدمات ومنتجات تتعلق بعالم الطيران أن يستثمروا هذا الكلام، وتحصيل أرباح غير متوقعة وعلى أكثر من صعيد.

مدونة لـ «إعمار»

يلفت بهرنس النظر إلى اقتراب شركة (اعمار العقارية) الإماراتية من إطلاق مدونتها الالكترونية الخاصة.

وفي حال انجازها في وقت سريع، فإن مدونة (إعمار) ستعتبر تجربة سباقة بين الشركات العربية في المنطقة، وطريقة دعائية مبتكرة، تجني الربح المعنوي والمادي للشركة، وهي سوف تضمن جذب المعلنين لكي يضعوا علامات تجارية مرتبطة بالأثاث أو منتجات تجهيز البيوت أو منتجات الكترونية وآلات توضيب الحدائق وإكسسوارات حمامات السباحة وغيرها من المنتجات المرتبطة بتجربة السكن. وقد يلجأ المعلنون إلى اتباع الطرق «السليمة»، أو يدسون رسائلهم، بشكل مموه و«فيروسي» في النقاشات التي تجري بين أعضاء النادي على موقع الشركة على الانترنت.

دبي ـ إبراهيم توتونجي