حذر تقرير صادر عن البنك الدولي دول العالم العربي من تباطؤ جهود الاصلاح الاقتصادي بعد تعزز المؤشرات ببقاء اسعار النفط عند مستويات مرتفعة في المدى المتوسط، مما سوف يؤدي إلى تأجيل اتخاذ القرارات الصعبة بشأن الاصلاحات الهيكلية وإعادة تنظيم العقد الاجتماعي.

وقال التقرير ان زيادة اسعار النفط خلال السنوات السابقة تزامن معه جهود واضحة من قبل دول المنطقة من اجل تنويع مصادر الدخل وتحديث البنية التحتية، وتوجيه المزيد من الاتفاق نحو التنمية البشرية، الا ان آثار هذه الاصلاحات عادة ما تكون بطيئة ويخشى ان يكون ذلك احد المؤثرات في التباطؤ في تنفيذها خصوصا بعد ان شهدت عددا من فترات العام الجاري بلوغ اسعار النفط مستويات تاريخية جديدة.

ويؤكد التقرير انه خلافا لما توحي به زيادة اسعار النفط الراهنة، فان هناك العديد من العوامل التي تضغط لتجعل من الاصلاح ضرورة ملحة، وفي مقدمة هذه العوامل تنامي الضغوط على اسواق العمل وتوقعات الناس بحدوث تحسينات كبيرة في مستوى العيش والخدمات، علاوة على تصاعد الضغوط التنافسية في الاسواق العالمية.

ففيما يخص اول هذه العوامل، يلاحظ التقرير ان ما خلفت المرحلة الممتدة من 1950 إلى 1990 من ارتفاع معدل نمو السكان في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا والذي يبلغ 4. 3 % عام 1985، ينعكس الآن بشكل اكبر ضغوط سجلتها اسواق العمل في اي منطقة من العام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من انحسار معدل نمو السكاني في التسعينات من القرن العشرين إلى 2. 2 % وتوقع ليصل إلى نسبة 2% فقط خلال العقد الحالي، يتوقع ان تزداد اليد العاملة بنسبة 5. 3% سنويا خلال العقد المقبل.

سيدخل حوالي 42 مليون عاملا جديدا سوق العمل خلال العقد المقبل، مما يؤدي إلى رفع نسبة القوة العاملة باكثر من 40% ولا يتوقع انخفاض معدلات نمو القوة العاملة المرتفعة هذه قبل العام 2020. كما ان كلفة تدني مشاركة المرأة العاملة مرتفعة للغاية، وتدل على ذلك معدلات الدخل العائلي المنخفضة ومعدلات نمو الدخل الاجمالي الضائعة. وعلى سبيل المثال، تشير تقديرات حذرة الى ان عدم توازن في مشاركة الجنسين في القوة العاملة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تسبب بخفض معدل النمو الاقتصادي بنسبة 4. 0% على الاقل خلال تسعينات القرن العشرين.

ويؤكد التقرير ان على دول المنطقة ان تسجل نموا في الناتج المحلي الاجمالي ضعف معدله الحالي اي من 3% خلال تسعينات القرن العشرين حتى 6 إلى 7 % سنويا ولفترة مستدامة، وذلك لضمان نمو الاجور الفعلية عبر تحسينات في الانتاجية، واستيعاب 80 مليونا إلى 100 مليون وافد جديد إلى اسواق العمل خلال فترة العشرين سنة المقبلة. ان تحدي النمو هذا يعد تحديا هائلا، من المستحيل مواجهته في ظل النموذج التنموي للنمو وادارة الاقتصاد السائد حاليا.

وثانيا، فيما يخص توقعات الناس، يقول التقرير: يعيش رجال ونساء منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا في عصر يتميز بتنامي التوقعات وتزايد الاحباطات. ولم تعد هذه التوقعات تتماشى مع الواقع الاقتصادي الذي تسبب به النموذج التنموي القديم، حيث لا يزال نمو معدل الدخل الحقيقي للفرد الواحد ضعيفا رغم الاصلاحات ونمو العوائد النفطية. وقد ساهم ذلك في تدني مستوى الحياة، حيث ارتفعت نسبة الذين يعيشون من اقل من دولارين في اليوم من 21% سنة 1990 إلى 3. 23% في نهاية العقد في تلك المنطقة.

ويرسل تدهور هذه المؤشرات الدالة على عافية اسواق العمل والاقتصاد عامة اشارات واضحة وخطيرة إلى الأجيال القادمة. ان اقتصادات منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا بحاجة إلى ايجاد فرص منتجة تؤمن دخلا لاولئك الشباب والشابات من خلال النمو الاقتصادي، وعلى الحكومات ان تؤمن الخدمات التي تجعل ذلك ممكنا، من تعليم ومناخ اعمال ملائم. وبالرغم من الجهود والنفقات الهائلة في كل دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تقريبا لتوسيع الخدمات الاجتماعية الاساسية، يشكل توصيل الخدمات الاساسية مثلا لعدم التناسق بين التوقعات والواقع على الارض.

ان الهوة في الاداء بين منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا والدول المقارنة بها في اتساع مستمر من حيث فعالية وكفاءة توصيل الخدمات الاجتماعية السياسية. وفيما يتعلق بالتعليم العام، ومع ان الانفاق على المدارس الابتدائية مرتفع نسبيا في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، تشير المقاييس الاخرى كمعدلات الامية إلى تخلف المنطقة النسبية إلى المناطق المقارنة بها.

وفي الكثير من الخدمات الاجتماعية الرئيسية، تبقى دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا متخلفة عن سواها: فان برامج شبكات الامن الاجتماعية تشكو من ثغرات واسعة وهوات كبيرة في التغطية كما انها في اغلب الاحيان لا تشمل الشرائح الاكثر عوزا. ومع ان المنطقة تنفق مبالغ طائلة على دعم الاغذية لضمان ادنى حد من الاستهلاك الغذائي، لان سوء تغذية الاطفال لا يزال واسع الانتشار في الكثير من دولها.

وفي ما يختص بكثافة المهارات، تواجه المنطقة تهديدين يتمثلان بانضمام دول اوروبا الشرقية بالاتحاد الاوروبي، والوحدة الجمركية بين تركيا والاتحاد الاوروبي، وهو اضخم سوق لصادرات منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وتمثل الكتل الاقليمية واتفاقات التجارة الحرة تحديات اخرى.

واستفادت منطقتا اوروبا وآسيا الوسطى واميركا اللاتينية والكاريبي وكلتاهما منطقتان ذات دخل متوسط ومواصفات مشابهة لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا من حيث مهارة اليد العاملة، من اصلاحات تجارية واندماج بالاسواق العالمية على نمط متسارع في السنوات الاخيرة، مما جعلها تكسب حصة سوق بسرعة في حين ما زالت منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تتراخى. وما يعمق مشكلة التنافس هو عدم التناسق بين المهارات المطلوبة من الشركات وتلك التي ينتجها نظام تعليمي لا يزال مرتكزا على تخريج دفعات من موظفي القطاع العام.

ومن جهة كثافة العمالة، تواجه المنتجات والسلع ذات التركيز على العمالة تحديا جديدا من جهة الاقتصادات ذات الاجور المتدنية والانتاجية العالية مثل بنغلاديش والصين والهند واندونيسيا وفيتنام. وقد ازدادت حدة المنافسة بعد الغاء الكوتة التفضيلية على الاقمشة والالبسة سنة 2005، والتي كانت ذات اهمية للعمالة في الصناعة التحويلية وارباح الصادرات في المنطقة.

ان هذه القطاعات المعتمدة على اليد العاملة والتي تشغل اكثر من مليون عامل، هي من القطاعات القليلة التي تشهد المنطقة من خلالها زيادة في حصة السوق ويعود ذلك جزئيا إلى اسواق الاتحاد الاوروبي المحمية. واذا اخذنا بعين الاعتبار انتاجية العمالة نرى ان كلفة العمالة في قطاع الالبسة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا اعلى بكثير مما هي عليه في دول آسيا الكثيرة السكان، لكنها ادنى من الكلفة ذاتها في دول اوروبا الشرقية.

ثغرات عديدة في مجال البنيات التحتية

يسجل التقرير عددا من الثغرات في خدمات البنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. فعلى الرغم من الاستثمارات العامة الضخمة في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية، تشكل نسبة الاتصالات الهاتفية غير الناجحة 35% من مجمل الاتصالات في تونس و50% في لبنان و75% في المغرب و60% في الأردن. أما الاستثمارات العامة الكبيرة المتعلقة بالبنية التحتية الكهربائية فلم تقض على خسائر نظام توزيع الكهرباء البالغة 13% من مجمل الإنتاج، وهي نسبة أعلى بثلاث مرات تقريبا من نسبة 5% الموجودة في شرق آسيا.

وفيما يخص ضغوط البيئة العالمية والعولمة، يؤكد التقرير أن سياسات الانتظار والترقب أصبحت مكلفة بخصوص الاندماج في التجارة العالمية. وتواجه المنطقة منافسة شديدة في الأسواق على صعيدي المهارات واليد العاملة، مما يؤثر على الصناعات والأنشطة الرئيسية كالنسيج والالبسة والهندسة الخفيفة، الصناعة التحويلية. ومع تأجيل الإصلاحات التجارية والاصلاحات المتعلقة بها، تتزايد الصعوبات التي يواجهها المصدرون في مجابهة هذه الضغوط التنافسية.

المنامة ـ حسن العالي