بلغت أسعار العقارات في مصر عنان السماء، ارتفعت بجنون حتى عجز الفقراء والغلابة عن مجرد التفكير في الفوز بشقة أو وحدة سكنية في حي شعبي.. فاقت أرباح ومكاسب العقارات تجارة المخدرات والعملة، حيث ارتفعت أسعارها إلى عشرات الأضعاف.. ارتفاع مواد البناء من حديد وأسمنت.. بالإضافة إلى مزادات وزارة الإسكان لرجال الأعمال والمستثمرين.. ودخول أبناء الخليج والمستثمرين العرب إلى السوق المصري أسباب رئيسية وراء حالة الجنون التي وصلت إليها أسعار العقارات.

ووصل سعر المتر في المدن الجديدة التي كانت حلم الفقير للهروب إليها من جحيم أسعار الشقق في الأحياء الراقية والشعبية وبوسط القاهرة لحد لا يستطيع عنده محدود الدخل أن يفكر مجرد التفكير في اقتناء شقة حيث ارتفع المتر من 70 جنيهاً إلى أربعة آلاف جنيه بعد دخول رجال الأعمال والمستثمرين إلى مضمار ملعب العقارات بالإضافة إلى عمليات غسيل الأموال التي لعبت دوراً كبيراً في هذا الجنون بالإضافة إلى جشع السماسرة وأصبح شعارهم الأولوية لمن يدفع أكثر.. على حساب «الغلبان».

يقول خبراء عقاريون في مصر إن الحكومة المصرية تركت الأمر برمته وأصبح شغلها الشاغل جمع المال في مزادات الأراضي للمستثمرين ورجال الأعمال الذين لا يعرفون الرحمة..ولا يهمهم الفقير أو محدود الدخل.. وأهملت الحكومة ووزارة الإسكان محدودي الدخل وأبناء الطبقة المتوسطة.. وأصبح الموضوع عرضاً وطلباً..والجميع ينتظر «قرعة» وزارة الإسكان لكن أيدي مافيا الأراضي الخبيثة كانت لهم بالمرصاد احتلت مقرات بنك الإسكان وأصبحت الغلبة لمن سبق وغلب وخاله «البيه» المسؤول ولا عزاء للغلابة.

يؤكد حسين الجوهري صاحب مكتب تسويق عقاري بمدينة الشروق - إحدى المدن الجديدة شرق القاهرة: أن هناك ارتفاعاً جنونياً وعشوائياً في سوق العقارات وبشكل مبالغ فيه خاصة في أراضي المدن الجديدة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية ووزارة الزراعة..مشيراً إلى أن المستثمرين الأجانب وكبار التجار ورجال الأعمال سيطروا على السوق واحتكروا مساحات كبيرة جداً من الأراضي التابعة للدولة بما لا يسمح للمواطن العادي الحصول على قطعة أرض.

وأوضح إن الإقبال الشديد من المستثمرين على الأراضي بهدف إقامة مشروعات سياحية عليها أدى إلى ارتفاع أسعارها إلى عشرات أضعافها في الوقت الذي يحصلون عليها من وزارتي الإسكان والزراعة بأقل الأسعار خاصة الأراضي ذات المواقع المتميزة في المدن الجديدة وقد تكون هذه الأراضي مدعمة من قبل الدولة للمواطن العادي وتصبح أسعارها سياحية.

وأشار الجوهري إلى أن مكاتب التسويق العقاري مجبرة بعرض ما لديها من قطع أراضٍ أو وحدات سكنية بسعر السوق وإلا سيلقون أنفسهم في طي النسيان ويعلنون إفلاسهم سريعاً.. فضلاً عن أن عدد المكاتب العاملة في مجال التسويق العقاري كبير جداً وعدد السماسرة أكثر من المساحات المعروضة في السوق مما يجعل التنافس والصراع أقوى وبالتالي يكون أحد أسباب ارتفاع الأسعار.

زينهم حسانين سمسار عقارات بالمنيرة ووسط البلد يقول: أسعار العقارات «نار.. نار» في كل الأماكن وليس في منطقة بعينها رغم التوسع العمراني الكبير في المدن الجديدة والذي زاد من المشكلة..مشيراً إلى أن الطلبات الدائمة والمستمرة على الشقق التي تستخدم شركة أو مكتباً، أما الشقق السكنية فالإقبال عليها بسيط وكاد يكون منعدماً لاستحالة توفيرها وسط البلد حيث وصل إيجار الشقة حجرتين صغيرتين في حالة وجودها إلى ألف جنيه وقد يصل إلى 2000 و3000 جنيه شهرياً في بعض المناطق في الوقت الذي لا يوجد فيه إيجار قانون قديم نهائياً.

يشير إسلام فارس علي صاحب مكتب تسويق عقاري بمدينة العبور إلى أن غالبية الأراضي في المدن الجديدة يحصل عليها رجال الأعمال ورأسماليون من أصحاب النفوذ ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منها خوفاً من صاحبها والذي أصبح هو الوحيد الذي يعرف ما ستكون عليه حال تلك الأراضي في المستقبل القريب وبالتالي نلجأ إلى البحث عن المواطن البسيط الذي انفق كل ما يملك للحصول على وحدة سكنية مدعمة أو قطعة أرض ونقوم بشرائها منه وعرضها بأسعار السوق ونظراً لوقوعها بجوار أراضي المستثمرين فيكون سعرها هو نفس سعر تلك الأراضي المرتفعة في أسعارها.

أكد أن وجود المنطقة الصناعية وسوق العبور الشهير والملاهي وقربها من منطقة مصر الجديدة ومدينة نصر كلها أسباب أدت إلى ارتفاع الأسعار في مدينة العبور حيث إن الشقة مساحة 65 متراً مقدم حجزها أصبح لا يقل عن 40 ألف جنيه ويقسط الباقي للجهاز حتى يتم تمليكها في الوقت الذي كان مقدم حجزها منذ 4 سنوات فقط لا يتعدي الـ 7 آلاف جنيه.

أما طلعت علي صاحب مكتب تسويق عقاري بالقاهرة الجديدة: فقد كشف عن حقيقة حصول مكاتب العقارات والسماسرة على قطع الأراضي والوحدات السكنية من الأجهزة والمدن الجديدة حيث قال: إن لكل مكتب تاجراً مجهولاً وهو الموظف داخل كل جهاز والذي من خلاله يمكن للمكتب معرفة جميع المعلومات والبيانات عن قطع الأراضي والوحدات السكنية المطروحة للبيع خاصة المخصصة للنقابات والمصالح الحكومية والوزارات الأخرى والتي تدر ربحاً مادياً كبيراً وسريعاً على السماسرة ومكاتب العقارات دون عناء أو تعب.

وأشار إلى أن السعر يتم تحديده على حسب ما يتقاضاه الموظف مقابل إدلائه بالمعلومات أو إنهائه إجراءات التخصيص وبالتالي فإن المكتب العقاري ملزم بأسعار السوق ولا يمكنه التنازل عنها بأي حال من الأحوال لأنه سبق وان دفع العمولة كاملة وكله على «الزبون» بما في ذلك المستثمر الذي ينوي إقامة مشروع أو المواطن العادي الذي يحلم بشقة صغيرة تؤويه أو رجل الأعمال لإقامة فيلا ودائماً يكون الضحية هو المواطن العادي الذي لا يستطيع توفير مواد البناء أو حتى غير قادر على سداد مقدم الحجز والذي يقوم «السماسرة» ومكاتب العقارات بمحاصرته ومراقبته بمجرد توقيعه على خطاب التخصيص.

وأوضح طلعت أن نظام القرعة الجديد قد ضيق الخناق على السماسرة ورغم ذلك إلا أن هناك أبواباً كثيرة وطرقاً أخرى لمحاولة النيل بالأراضي أو الوحدات السكنية من خلالها..مشيراً إلى أن هذا النظام قد أثبت فشله الذريع لأنه أصاب سوق العقار بالجمود حيث إن المعروض قليل مما أدى إلى ارتفاع أسعاره إلى عشرات الأضعاف وبالتالي إن استمر العمل به ستزداد المشكلة سوءاً.

وأضاف أن الإقبال الشديد من كبار رجال الدولة والمسؤولين وتفضيلهم الإقامة بالقاهرة الجديدة أديا إلى الارتفاع الملحوظ في الأسعار فضلاً عن احتكار المستثمرين وتجار الأراضي مساحات كبيرة بها بغرض «تسقيعها» على الرغم من تكرار التصريحات حول نظام جديد للحد من «عمليات تسقيع» الأراضي في المدن الجديدة إلا أن هذه التصريحات جاءت بعد «فوات الأوان».. مشيراً إلى أن المتر الواحد في القاهرة الجديدة يتراوح ما بين 2000 إلى 4 آلاف جنيه بعد أن كان لا يتعدى الـ 180 جنيهاً للمتر منذ أن بدأ اعمارها.

ويؤكد وائل القاضي صاحب مكتب تسويق عقاري بمدينة 6 أكتوبر أن المدينة يصل فيها المتر إلى أعلى سعر. بالإضافة إلى ان أسعار الشقق جنونية.. والسبب في ذلك موقعها المتميز واحتواؤها على عدد كبير جداً من الجامعات الخاصة والمعاهد التي يفد إليها العرب من أبناء الخليج للدراسة بها ومنهم من فضل العيش بالمدينة وأقام فيها إقامة شبه دائمة.. بالإضافة إلى أن أغلبهم أقام مشروعات استثمارية تدر عليهم ربحاً مادياً.. مشيراً إلى أن المدينة أصبحت منطقة جاذبة للسكان بجميع فئاتهم نظراً لتوافر الخدمات المعيشية والمرافق مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية والأراضي بها حتى وصل سعر المتر إلى 3 آلاف بعد أن كان لا يتعدى الـ 250 جنيهاً حسب كل موقع.

وقد طرح خبراء الاقتصاد حلولاً لهذه الظاهرة وأوضحوا أسبابها بشكل ملحوظ في الأزمة الأخيرة، حيث أكد الدكتور صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد جامعة الأزهر أن الارتفاع الشديد في أسعار مواد البناء الحديد والأسمنت انعكس على أسعار العقارات وزاد منها بصورة تفوق كل الحدود دون مراعاة لدخل المواطن البسيط وحالة الغلاء في كل متطلبات حياته المعيشية.. بالإضافة إلى أن التكالب من بعض الدول العربية والوفود على شراء الأراضي خاصة في المدن الجديدة قد أدى كل هذا إلى الارتفاع في أسعار العقارات والأراضي بشكل مبالغ فيه.

وقال الحل يتركز في أن تطرح الدولة الأراضي على طريق المزاد بحيث تخصص جزءاً منها لإقامة المساكن الاقتصادية من خلال صندوق يتم إنشاؤه لهذا الغرض ويمول بخصم جزءاً من حصيلة البيع للأراضي المتميزة أو العقارات الفارهة التي تم بيعها للمستثمرين وإيداع هذا الجزء في الصندوق بحيث يكفي لإقامة تلك المساكن وتوفير المرافق والخدمات لها وبالتالي نحميهم من مافيا التجار وجشع «السماسرة».

وأضاف الدكتور صلاح أن الأمر يتطلب أيضاً أن تقوم الدولة بضبط أسعار مواد البناء وتحددها خاصة وان الحكومة قد قررت حفظ أسعار الأسمنت إلا أن الشركات رفضت تنفيذ القرار رغم أن تلك الشركات استثمرت بمصر للاستفادة من أسعار الطاقة الرخيصة نسبياً ولكي تحافظ على أرباحها محلياً ودولياَ فهي تمتنع عن تصدير ما تنتج حتى لا تضر بأسعارها المبالغ فيها بالأسواق الأخرى ولا تتحمل كذلك الرسم المفروض على تصدير الأسمنت والذي تم وضعه لتعويض دعم الطاقة والحفاظ على السعر داخل السوق المحلي.

أما الدكتور إسماعيل صيام مدير البنك الدولي سابقاً فيؤكد أن أزمة ارتفاع الأسعار بسبب تدفق رؤوس الأموال العربية وشركات المقاولات العربية للاستثمار العقاري بمصر خاصة وان مصر سوق تجاري واعد حيث يبلغ عدد سكانها 75 مليوناً ويعقد فيها 500 ألف زيجة سنوياً مما يشكل طلباً مستمراً على الوحدات العقارية.

تغيير ثقافة السكن أحد الحلول الملحة

يعتبر الخبراء أن المشكلة باتت خطيرة للغاية وتزداد سوءاً الأمر الذي يتطلب عملية تغيير ثقافة السكن لدى المصريين والتي تعني تغيير أين وكيف يسكن المصريون؟ بحيث يصبحون أكثر مرونة في تقبل فكرة تغيير السكن ومساحته بناء على القدرات المادية وعدم التمسك بإلزامية كون الشقة التي ستبدأ فيها أية أسرة حياتها هي التي سيقضون فيها بقية عمرهم وبالتالي فإنه يجب وضع استراتيجية قومية لمصر يضعها الخبراء في كل المجالات لرؤية مكتملة مبنية على أسس علمية سليمة ولا يترك الأمر في أيدي الوزراء والسلطة التنفيذية لينقض وزير ما أقره سابقه.

وأشار الدكتور مختار الشريف أستاذ الاقتصاد وعضو مجلس إدارة اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية إلى أن الأزمة بدأت نتيجة ارتفاع أسعار الأراضي منذ بدء الحكومة الحالية متمثلة في وزارتي الإسكان والاستثمار بيعاً بالمزايدة لأراضٍ مخصصة للاستثمار العقاري الفاخر مما رفع سعر الأرض في القاهرة الجديدة مثلاً من 50 جنيهاً للمتر منذ عامين إلى 4000 جنيه حالياً..

وما زاد من فداحة الأمر تدفق المهاجرين العراقيين وتملكهم لوحدات سكنية بمدنية 6 أكتوبر وبسببها زاد العناء على الشعب المصري بشكل مباشر وبكل طبقاته خاصة تلك الفئة غير القادرة علة توفير مسكن ملائم حتى الآن في الوقت الذي غاب فيه دور التعاونيات بمجال الإسكان رغم أهمية هذا القطاع بأغلب دول العالم المتقدم منها والنامي.