توقعت مصادر مطلعة أن يرتفع حجم خدمات التعهيد إلى 4. 1 تريليون دولار في 2009. وأصبحت «استونيا» هدفاً لشركات كثيرة تأمل في نقل عملياتها في الوقت المناسب وتحولت إلى وجهة جذابة بحيث احتلت المرتبة الخامسة عشرة في قائمة آي بي كيرني لمناطق التعهيد الخمسين العالمية متغلبة على بلدان أكثر عراقة مثل روسيا والأرجنتين وكندا.
فلقد أسست شركة اتصالات الانترنت «سكاي بي» مقراً لها في «تالين» عاصمة استونيا وموطن أكبر مكتب نوع لـ ebay وعندما راحت مزودة خدمات السير الوظيفي «هاير رايت» تبحث في عام 2000 عن مكان رخيص التكلفة لتطوير البرمجيات، وجدت ضالتها في استونيا وهذه الدولة هي واحدة من بلدان كثيرة تعلمت من النموذج الذي أرسته الهند التي تبقى في صدارة الدول ضمن قائمة آي تي كيرني. وهي تواقة لاقتطاع حصة من سوق خدمات التعهيد الخارجي وفقاً لتقرير نشرته هذا الشهر شركة الاستشارات «فروست أند سوليفان وأنفقت الشركات على النطاق العالمي قرابة 233 مليار دولار على تعهيد تقنية المعلومات عام 2006، ومن جهة أخرى فإن البلدان الناشئة في هذا المجال راحت تشق طريقها بقوة، حيث إنها بحلول عام 2012 ستقضي على الهيمنة الهندية حسبما قالت شركة جارتنر الاستشارية لتقنية المعلومات.
وتضيف الشركة الاستشارية أن 30 في المئة من شركات فورتشن 500 ستعهد بحلول عام 2012 إلى ثلاث بلدان أو أكثر من أقل من 15 في المئة حالياً، ويقول يوهان جوت مدير مؤشر خدمات المواقع العالمية إي بي كيرني، «إن كثيراً من الحكومات أدركت ماهية العرض، وهناك جهد كثير يُبذل في تسويق بلدانها في السوق ولقد اتسعت حدة المنافسة وأصبح الميدان واسعاً بحيث إن التحدي الذي يواجه كثيراً من الناشئين الجدد لا يتمثل في ترسيخ مواقعهم فقط كوجهات تعهيدية وإنما في التشبث بتلك المواقع.
ومنذ أن شرعت «أي تي كيرني» في تجميع قائمتها عام 2005، أضافت عشرة بلدان جديدة تضم لاتفيا والأورغواي وموريشيوس وليتوانيا وسريلانكا والباكستان والمغرب والسنغال وأوكرانيا. وقد تصدرت أربعة من تلك البلدان قائمة الخمسة والعشرين في عام 2007، التي نشرت في شهر مارس الماضي.
وإلى جانب ذلك فإن التحول إلى وجهة تعهيد جذابة والبقاء في هذا الموقع يعتمدان على عوامل عدة بما في ذلك اللغة والمهارات التعليمية واعتمادية البنية التحتية للاتصالات لهذه الدولة أو تلك. وفي صميم عملية التعهيد تكمن قلة التكاليف فعندما وضعت «إي تي كيرني» قائمتها خصصت 40 في المئة للجذب المالي للبلد، آخذة في اعتبارها تكلفة الأجور، والبنية التحتية والضرائب، ووفقاً للشركة فإن فيتنام والباكستان على سبيل المثال، كانتا أكثر جذباً من الهند، وكانت التكلفة العالمية، السبب الرئيسي لتراجع بلدان مثل أيرلندا والولايات المتحدة وكندا في قائمة التصنيفات.
والواقع أن الخفض الأخير في عمليات معينة مقابل الدولار راح يؤثر في قرار الشركات تعهيد أو تأسيس عملياتها في بلدان معينة ولطالما قامت شركات أميركية بتعهيد أعمالها إلى كندا، حيث تنعم بمناخات تجارية مشابهة فضلاً عن خفض نسبة 20 في المئة في تكاليف اليد العاملة بفضل فرق سعر الصرف، غير أن تقويم الدولار الكندي أدى إلى تبخير ذلك العرض، بحيث راحت الشركات الأميركية تتساءل عن موجبات ذهابها إلى كندا، إذا ما استطاعت الحصول على المزايا نفسها في بلدها دون أن تضطر لعبور الحدود وإلى جانب النفقات هناك اعتبارات أخرى، تؤخذ في الاعتبار منها المهارات التعليمية واللغوية للعاملين، وتوفر اليد العاملة ومخاطر الاستنزاف.
كما أن المناخين الاقتصادي والسياسي للبلد، وكفاءة البنية التحتية تعد عوامل رئيسية في قرارات التعهيد، فبعض البلدان الناشئة قد لا تجذب الشركات الأميركية كوجهات تعهيد، إلا أنها قد تجد أسواقاً في مناطق أخرى من العالم، فالقوة التعهيدية للباكستان في مجال تقنية المعلومات وتعدادها 900 ألف نسمة، خيمت عليها المخاوف الأمنية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر واختفت من شاشة رادار المستثمرين الأميركيين حسبما قال نائب رئيس الأبحاث في «جارتنر» فرانسيس كاراموزيس.
فيما قال محللون آخرون ان هناك سوقاً لخدمات الباكستان في الشرق الأوسط. وإلى جانب ذلك أصبحت بلدان مثل السنغال والمغرب أماكن جذابة لتعهيد مراكز الاتصالات باللغة الفرنسية بالنسبة لأوروبا الفرانكفونية. ولقد وجدت الشركات سهولة في العمل في استونيا بسبب مناخها السياسي والاقتصادي وبنيتها التحتية، وتعاملها الثقافي.
كما أنها استثمرت مصادر كثيرة في تحسين بنيتها التحتية التكنولوجية منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991. وبدأت البلاد منذ تسعينات القرن الماضي في تحديث بنية الاتصالات التحتية وتوفير خدمات الانترنت ومختبرات الكمبيوتر في المدارس. كما قامت جاراتها في البلطيق لاتفيا وليتوانيا العضوان السابقان في الاتحاد السوفييتي بمبادرات مماثلة.
ومنذ أواخر تسعينات القرن الماضي بذلت جهود مضنية من جانب الحكومات الثلاث لاستخدام التكنولوجيا لتحويل اقتصاداتها وفقاً لدراسة أجراها مركز الدراسات التكنولوجية VTT في فنلندا. ويقول أتول فاشيستا المدير التنفيذي لاستشارية الإدارة «نيو آي تي دوت كوم» والمؤلف المساعد لكتاب «دولة التعهيد» إن معظم البلدان تسعى لاجتذاب السياحة وبناء اقتصاد تصنيعي غير أن مواقع كالهند، أظهرت لها أن إنشاء اقتصاد خدماتي نشط أكثر حيوية من اقتصاد تصنيعي.
متطلبات بناء اقتصاد خدماتي نشط
يتطلب بناء اقتصاد خدماتي نشط تدخلاً من جانب الحكومة، فالهند، مثلاً، أدركت حاجتها للتغلب على السياسات والإجراءات الحكومية المعرقلة، والبنية التحتية الضعيفة للاتصالات، كما تصبح وجهة تعهيدية ناجحة، ولهذه الغاية أنشأت وكالة مستقلة عرفت باسم «مجمع برمجيات التكنولوجيا» تابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أنيطت بها مهمة توفير البنية التكنولوجية الأساسية للشركات الراغبة في العمل في الهند، وتعمل كصلة وصل بين الحكومة والصناعة.
كما أنها تساعد في توفير الإعفاءات الضريبية، وغيرها من الحوافز، للشركات العاملة في الهند. والدعم الحكومي مسألة حيوية في ضوء الاستثمار الكبير في أنظمة الاتصالات، وتحرير هذا القطاع. وتسعى كينيا على سبيل المثال كي تصبح وجهة تعهيدية لإجراءات العمل، وتكنولوجيا المعلومات ولقد عمدت الحكومة الكينية في السنوات الأخيرة إلى تحرير قطاع الاتصالات، الذي اجتذب المزيد من المشغلين، وساهم في خفض أسعار خدمات الاتصالات بحدود 70 في المئة في وقت قصير وفقاً للبنك الدولي.
ورغم ذلك فإن البلاد تعتمد على الربط بالأقمار الصناعية للاتصال بقضية العالم. غير أن تلك السوق مكلفة لتعهيد الأعمال أن الافتقار إلى الاتصالات بموجات عريضة عالية الكفاءة حد من قدرة كينيا على استغلال أقصى إمكاناتها.
حسبما قال موتاهي ماجوا وزير المعلومات والاتصالات الكيني في خطاب له ألقاه في شهر يوليو الماضي في كلية الاتصالات التكنولوجية الكينية، ولذلك قامت كينيا بالتعاون مع الإمارات لتركيب أنظمة الشرق الإفريقي البحرية، وهي عبارة عن كابل بحري يمتد من مومباسا إلى الفجيرة في الإمارات، من شأنه منح كينيا موجة عريضة عالية الكفاءة، وكينيا ليست بحاجة فقط لمعالجة مسألة الاتصالات، وإنما جهوزية قوتها العاملة.
وخلصت بزنس ويك إلى القول إن افتقار اليد العاملة في كثير من بلدان التعهيد الناشئة، يمكن أن يعيق النمو في نهاية المطاف، والحقيقة أنه أحد التحديات التي تواجه «هاير رايت» في استوانيا. ويقول «مالنتاني» من «هاير رايت» «إن شريحة الكفاءات ليست كبيرة»، ولذلك بدلاً من المجازفة والانتقال إلى مكان آخر، فإن هاير رايت تسعى لتخفيف حدّة الاستنزاف بمنح الموظفين الاستوانيين حوافز، مثل دعوتهم لقضاء بعض الوقت في مقرها العام في إيرفين، في كاليفورنيا.
ويقول «ما لنتاني» إن رحلة من «تالينا» الباردة إلى جنوب كاليفورنيا المشمس، يمكنه صنع العجائب في الاحتفاظ بالعاملين. وأن الاهتمام الذي تبديه شركات أخرى، مثل «هاير رايت»، من شأنه إعطاء دفعة أخرى لاستوانيا في تصنيف التعهيد.
ترجمة: وائل الخطيب
