لا تزال محادثات تحرير التجارة العالمية متعرقلة بعد ست سنوات من دفعة أخذتها بسبب هجوم 11 سبتمبر على أميركا، وتعاني من العديد من الخلافات بحيث يكيل كل طرف من الأطراف المعنية الاتهامات على الآخر. لقد ساهمت الولايات المتحدة عقب هجوم 11 سبتمبر في إحياء محادثات تحرير التجارة العالمية التي ترمي إلى أن تخفض الدول المتقدمة الحواجز التجارية حتى تستطيع الدول الفقيرة التصدير إليها وتزدهر وتنسى الإرهاب، غير أن الأمر لم يكن أبداً بهذه البساطة.
هناك خلافات بين أوروبا وأميركا، وبين الدول الغنية والفقيرة والدول الزراعية والصناعية. غير أن أحد العوامل الرئيسية في التعثر هو التغيرات في الاقتصاد العالمي، التي دفعت الصين والهند والبرازيل إلى قمة الأسواق الصاعدة في العالم مما يثير قلق الدول المتقدمة والنامية مثل المكسيك وشيلي وتايلاند.
وترفض الهند والبرازيل خفض التعرفة الجمركية خوفاً من ان تجتاح أسواقها صادرات دول مثل الصين. والمرتبة الثانية من الدول النامية التي تحاول منافسة الهند والبرازيل تشكو من أنها تتعرض للاجتياح من الدولتين ودول أخرى سريعة النمو. وفي الوقت نفسه فإن أفقر الدول النامية في إفريقيا وأماكن أخرى تتهم الدول الصاعدة الأغنى منها بأنها تتجاهل حاجات تلك الدول الفقيرة، رغم أنهم يصورون أنفسهم على أنهم أبطال الدفاع عن الفقراء.
ويقول بيتر ماندلسون كبير المفاوضين الأوروبيين ليس هناك فائدة من لوم أي دولة بمفردها في فشل المحادثات، لكن هذا ليس نزاعاً تقليدياً بين الشمال والجنوب، فهو نزاع بين الجنوب والجنوب أيضاً. وتتحمل الدول المتقدمة وذات الأسواق الصاعدة مسؤولية مشتركة في مساعدة الدول الأكثر فقراً.
ويعتبر فشل محادثات تحرير التجارة العالمية إضراراً بالاقتصاد العالمي، الذي تحركه تجارة حجمها 10 تريليونات دولار سنوياً. ويقدر البنك الدولي أن التوصل إلى اتفاق في تحرير التجارة العالمية سوف يضيف مئات المليارات من الدولارات للدخل العالمي.
وحاولت منظمة التجارة العالمية من قبل حل التعثر في المحادثات باقتراح تنازلات من كل الأطراف وحث رئيس البنك الدولي الأطراف المعنية على التوصل إلى حل وسط أو أرضية مشتركة وقال لابد أن يركز المجتمع الدولي على الفائدة فسوف تفيد كل الدول من نجاح المحادثات. وكان لهذا النداء ما يبرره لأن رئيس البنك الدولي كان مبعوث أميركا التجاري عندما بدأت تلك المحادثات في الدوحة عام 2001 ـ لمساعدة الفقراء.
غير أن التعثر والعرقلة زادتا سوءاً. واتهمت سوزان شواب الممثلة التجارية الأميركية الهند والبرازيل بعدم المرونة بل والصلابة في الرأي عندما رفضتا خفض التعرفة الزراعية والصناعية بدرجة تفيد الدول الفقيرة والغربية على السواء، وقالت شواب هناك البعض يريد ان يصور ذلك على أنه خلافات بين الشمال والجنوب، لكن هذا غير حقيقي.
وأضافت شواب ان جنوب إفريقيا تؤيد موقف الهند والبرازيل، لكن الدول الإفريقية الأخرى في حاجة شديدة للتوصل إلى اتفاق تجاري، وقالت ان كل العبء على الدول النامية الأغنى في نجاح هذه المحادثات، ان جولة محادثات الدوحة هي جولة تنمية، لكن هذا يعني شيئاً مختلفاً عما كان عليه المعنى من 15 سنة، ويعني ذلك انه من الواضح ان الدول المتقدمة يجب ان تبذل جل الجهد، لكن الدول سريعة النمو يجب ان تفعل البقية لأن الفوائد ستأتيهم من نظام تجارة مفتوح وحر، كما تقول شواب.
لكن وزير التجارة الهندية أصر على موقفه وقال ان أميركا وأوروبا تصران على الإبقاء على الدعم للمزارعين وان التعرفات الجمركية الأخرى مرتفعة مما يضر بالفقراء في العالم. وتتهم الهند أميركا بأن الدعم الزراعي يجعل المنتجات الزراعية الأميركية عالية القدرة التنافسية بشكل مزيف أمام الواردات، ولذلك يقول ان لعنة حرية التجارة لا تزال النزاع بين الدول الغنية والفقيرة وان التطورات الأخيرة فقط هي التي جعلت هناك نزاعاً بين الدول النامية لأن دولاً صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل لا تتحدث باسمها.
مثلاً تطالب الهند والبرازيل بخفض التعرفة الجمركية على السلع المصنعة على مراحل بحيث لا تزيد أي تعرفه على 30% رغم أنها ألمحت من قبل إلى نسبة 25%، وتقول أميركا وأوروبا اللتان ستخفضان التعرفة الصناعية قليلاً ان الهند والبرازيل تتشددان خوفاً من الصادرات الصينية إليهما والدول الأخرى التي سيعتمد اقتصادها على الصادرات، وتخشى الهند بدرجة خاصة على صناعة السيارات لديها من الواردات من الصين.
وهناك مجموعة جديدة من دول التصدير تقترح منهجاً أكثر توافقاً يفرض تعرفة تتراوح حول 20% لغالبية المنتجات. وتقود هذه المجموعة دول شيلي وكولومبيا وكوستاريكا وهونغ كونغ والصين والمكسيك وبيرو وسنغافورة وتايلاند.
لكن هناك 60 ـ 70 دولة من أفقر الدول في العالم سوف تحصل أكبر فائدة من تحرير التجارة العالمية منها دول في إفريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية لكنها خارج الصورة. وقالت شواب من قبل ان 70% من التعرفة التي تدفعها دول فقيرة تذهب إلى دول فقيرة أخرى. (الوكالات)