يقول الصينيون إنهم سيتفوقون على الاقتصاد الأميركي قبل بدء الألفية الجديدة، فيما يقول الأميركيون إن هذا ـ إن حدث ـ لن يكون قبل بداية القرن المقبل، حسب الجدل الذي أثارته صحيفة «نيويورك تايمز». وتقول الصحيفة لا يمكن أن يحدث ما يدعيه الصينيون ـ الذين ينمو اقتصادهم بنسبة 10, 11% سنوياً.
وتسوق النيويورك تايمز الحجج والأسباب لتنفيذ توقعات التحليلات الرسمية الصينية، وتقول إذا كان الاقتصاد الصيني ينمو بنسبة 15% سنوياً، لكن الاقتصاد الريفي الذي تعتمد عليه البلاد بنسبة 20%، لا ينمو (حسب قول الحكومة الصينية) فلا بد أن ينمو اقتصاد المدن الصينية بنسبة 33% سنوياً. والاقتصاد في المدن ينمو بسرعة، لكنه لا يبلغ 33% أبداً، كما تقول الصحيفة.
الأكثر من ذلك أن الإحصاءات الصينية تتضارب مع إحصاءات هونج كونج، التي تمثل العاصمة المالية لمعظم أراضي الصين الجنوبية. ومرت هونج كونج في 2001 بحالة كساد، بمعنى أن إجمالي ناتجها المحلي سجّل نمواً سالباً. وتقع مقاطعة قواندونغ إلى جانب هونج كونج ويسكنها 200 مليون نسمة، وسجلت نمواً بنسبة 10% عام 2001 أيضاً.
فكيف تكون هذه الأرقام صحيحة، حسب سؤال نيويورك تايمز، ويمكن استنباط معدلات النمو من استهلاك الكهرباء. وقد ازداد استهلاك الكهرباء في كل بلدان العالم بسرعة أكبر من نمو إجمالي الناتج المحلي لها. والكهرباء لازمة لكل الأنشطة الإنتاجية، لكن معدل ارتفاع الاستهلاك أكبر من معدل النمو الاقتصادي بسبب الفاقد في الكهرباء.
وأدى ارتفاع أسعار الطاقة (بترول وغاز) إلى ترشيد استغلال الكهرباء، لكن ذلك في الدول المتقدمة، حيث لا يزال معدل النمو الاقتصادي أقل من معدل استهلاك الكهرباء، غير أن الإحصاءات الصينية تشير إلى أن هناك معدل زيادة استهلاك للطاقة، وهذا غير محتمل ـ لأن الإحصاءات الحكومية تقول أيضاً إن استخدام الكهرباء لكل وحدة من إجمالي الناتج المحلي ـ يرتفع ولا ينخفض، كما توضح إحصاءات المقاطعات والحكومات الإقليمية.
وزاد إجمالي الناتج المحلي في أسرع 12 دولة نمواً في العالم خلال السنوات العشر الماضية بنسبة 45% فقط من نسبة نمو استهلاك الكهرباء.
وفي مطلع السبعينات أوقفت اليابان صناعة الألمنيوم التي تستهلك قدراً كبيراً من الكهرباء. وخلال تلك الفترة سجل إجمالي الناتج المحلي نمواً بلغ 60% من استهلاك الكهرباء، وهو أعلى معدل في الدول الصناعية المتقدمة.
وإذا استرشدنا بهذه الأرقام وأخذنا في الاعتبار الاستخدام الصيني الفعلي للكهرباء الذي من السهل قياسه نجد أن إجمالي الناتج المحلي الصيني نمو بنسبة 5 ,4% إلى 6% سنوياً على أساس نفس النمط المذكور، وليس بنسبة 10% كما تقول الإحصاءات الرسمية.والإحصاءات الرسمية للنمو الاقتصادي الإجمالي للصين هي في الواقع معدل نمو تقريبي متوسط للمدن الصينية.
وتدعي الصين أيضاً أنها سوف تلحق بأميركا لتصبح أكبر اقتصاد في العالم قبل بداية القرن الجديد. وتقول «نيويورك تايمز» هناك سبب بسيط يمنع حدوث هذه التوقعات، لأنه ببساطة تستغرق دولة كبيرة غير متقدمة أكثر من 100 سنة لتصل إلى مستوى أكبر اقتصاد في العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل. وببساطة بالنظر إلى تاريخ أميركا نفسها التي سجلت معدل نمو أسرع بكثير من بريطانيا في القرن التاسع عشر، لم تصل إلى مستوى نمو بريطانيا الاقتصادي حتى الحرب العالمية الأولى.
أو ننظر إلى اليابان وأميركا، بعد 150 سنة من بدء اليابان التحديث، لا يزال نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي 80% من نظيره الأميركي، من حيث تفاوت القوة الشرائية ـ رغم أنها وصلت إلى مستوى أميركا من حيث القيمة الاسمية. وأميركا لا تقف مكانها صامتة، فقد سجل نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي معدلا أسرع من بقية الدول الكبرى من 1990 حتى 2007، وانخفض نصيب الفرد من الدخل القومي في أوروبا إلى 85% من نظيره في أميركا عام 1990 ـ إلى نسبة 66% منه عام 2007، وفق إحصاءات صندوق النقد الدولي.
لذلك إذا فرضنا أن معدل النمو في الصين حسب التضخم هو 4% سنويا فهذا الرقم يعتبر متفائلا لأن من المؤكد أن تواجه الصين بعض السنوات العجاف خلال القرن المقبل لان كل دولة يحدث بها ذلك، ولنذكر الكساد العظيم في أميركا.
ومعدل 4% هو أعلى من معدل نمو أي دولة كبرى خلال 100 سنة، لكن لنفترض أن الصين حققت ذلك وان النمو الأميركي أيضا 3% سنويا حسب متوسط الـ 15 سنة الماضي.
بناء على ذلك سوف يكون نصيب الفرد من الدخل القومي معدلا حسب التضخم في الصين 40 ألف دولار عام 2100 مقابل نمو 650 ألف دولار في أميركا وذلك لأن الصين تبدأ من 1000 دولار للفرد وأميركا تبدأ من 43 ألفا، فإذا كان سكان الصين في 2100 يعادلون أربعة أضعاف سكان أميركا، كما هي الحال الآن فلن يصل نصيب الفرد من اجمالي الناتج القومي في الصين إلى نظير مقر أميركا بحلول 2100.
لكنه من غير المحتمل أن يكون سكان الصين أربعة أضعاف سكان أميركا لأنه من الخطأ توقع النمو السكاني على مدى قرن كامل، لكن لنجرب ذلك، الصين تطبق سياسة الطفل الواحد ويفضلون الذكور هناك (لن يجد الذكور إناثا للزواج) وبناء على ذلك سوف ينخفض معدل نمو سكان الصين في القرن الواحد والعشرين ليصل عدد سكانهم إلى 3, 1 مليار نسمة وإذا استمرت الهجرة إلى أميركا بالمعدل الحالي سوف يرتفع عدد سكانها وإذا زاد السكان بمعدل 1% سنويا ـ كما يحدث الآن سيتضاعف عدد السكان أو أكثر بحلول 2100.
مما يقلل الفجوة السكانية بين البلدين، لكن لا أحد يعرف إذا كانت هذه الافتراضات ستحدث أم لا. لكن الواضح أن الصين من غير المحتمل أن تتفوق الصين من حيث إجمالي الناتج المحلي على أميركا في أي وقت على المدى القريب حسب النيويورك تايمز، وقد يكون هناك قرن صيني، لكنه سيكون القرن الثاني والعشرين على الأرجح وليس الواحد والعشرين.
ترجمة: أشرف رفيق