قاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي المساعي الحميدة لعقد قمة اقتصادية عربية تبتعد في مناقشاتها وقراراتها عن الموضوعات السياسية التي شغلت أوقات كل مؤتمرات القمة التاسعة عشر السابقة .

وتركزت على قضايا بعيدة عن النواحي الاقتصادية التي هي الأصل والعمود الفقري لكل المشاكل الدولية بل وكانت السبب الرئيسي في كل الحروب العالمية والإقليمية التي اجتاحت العالم في القرون السابقة وانتهت بالحرب العالمية الثانية التي ضاع فيها ما يقرب من خمسين مليون قتيل وخمسين مليون جريح وتشرد مئات الملايين من البشر وانتشر الفقر والجوع في أغلب دول العالم.

ونتيجة لهذه المساعي تقدمت كل من مصر والكويت بطلبات رسمية لعقد قمة اقتصادية تختص ببحث النواحي الاقتصادية التي تهم الشعوب العربية وتجعلها تقوم بدورها البناء في علاج مشاكلها السياسية وترفع مستواها المعيشي في ضوء الثروات الاقتصادية الضخمة التي تمتلكها أغلب الدول العربية، وفعلاً قرر مؤتمر قمة الرياض انعقاد هذه القمة التي سوف تكون إن شاء الله في ديسمبر القادم.

غير أنه حتى الآن مازال جدول أعمال هذه القمة الاقتصادية محل بحث ودراسة، وإن كانت بعض الدوائر الاقتصادية العربية بدأت تعرض وجهة نظرها في الموضوعات الاقتصادية التي ستعرض على هذا المؤتمر حتى تتوصل إلى قرارات اقتصادية هامة،

وذلك في ضوء توضيح الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية أثناء الدورة الأخيرة للمجلس في شهر يونيو الماضي بأن الموضوعات التي سيعرضها المجلس على مؤتمر القمة الاقتصادية

ستتضمن أربعة موضوعات رئيسية تتعلق بدعم برنامج تنمية الاستثمار في المنطقة العربية مع التركيز على الاستثمار المشترك في مجال المشروعات العربية المشتركة، وإنشاء مؤسسة تمويل عربية، وضرورة استمرار العمل التكاملي بهدف إقامة السوق العربية المشتركة، وأخيراً موضوع تنمية وتطوير قطاع النقل العام.

وشكلت جامعة الدول العربية لجنة وزارية خاصة للتحضير لعقد القمة الاقتصادية انعقدت في أواخر يونيو الماضي لبحث التحضير والإعداد الجيد لهذه القمة، وذلك لضمان خروجها بنتائج تحقق الأغراض المنشودة من عقدها، وتم فعلاً تحديد قطاعات الاستثمار وتطوير القطاع الإنتاجي والتجارة

بما في ذلك الاتحاد الجمركي وتجارة الخدمات والبنية التحتية خاصة النقل البحري والبري والجوي، والاتصالات والربط الكهربائي والصحة والتعليم، مع التركيز على سياسات خفض الفقر، ومازال الباب مفتوحاً أمام الدول العربية لتقديم اقتراحاتها وتصوراتها للبرامج والمشروعات التي تراها وفق الأولويات القطاعية التي تم تحديدها وعرضها على اللجنة الوزارية التحضيرية.

بذلك فإن مؤتمر القمة الاقتصادية العربية ينتظره موضوعات اقتصادية عديدة لكي يتمكن من إرساء مرحلة عربية جديدة مع تشكيل وضع اقتصادي عربي يختلف عن الأوضاع السابقة التي أدت إلى تناقض عربي اقتصادي لا تنقده الشعوب العربية فقط بل تنقده أغلب شعوب العالم،

ولا أكون مبالغاً إذا قلت إن الثروات الاقتصادية في المنطقة العربية تزيد عما يمتلكه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، ومع ذلك فإن دخل المواطن العربي في المتوسط هو نصف المتوسط العالمي لدخل الفرد.

وهذا الوضع الاقتصادي العربي الهزيل هو محصلة أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية سيئة ترجع أساساً إلى تراكمات تاريخية وإلى سياسات وتوجهات خاطئة ومغرضة نتجت منذ زمن استعمار الدول العربية طوال القرن التاسع عشر، خاصة وأن المستعمرين لم يخرجوا من هذه المنطقة

إلا بعد أن حطموا المبادئ الأخلاقية والسلوكية الجيدة التي عاش عليها العرب مئات السنين، وبعد أن خلقوا طبائع جديدة وغريبة ومتناقضة داخل الشعوب العربية - في مقدمتها العمل للمصلحة الذاتية فقط والابتعاد عن التعامل البناء الذي ساعد أوروبا على خلق اتحاد أوروبي قوي يقودها حالياً لأن تكون أكبر وأقوى منطقة في العالم بالرغم من ضعف الثروات الاقتصادية التي تمتلكها.

ومن هنا فإن مؤتمر القمة الاقتصادية العربي يتعين أن يجتمع في ظل فلسفة جديدة ومبادئ أخلاقية وسلوكية جديدة تؤدي إلى تغيرات جوهرية ونفسية داخل المجتمع العربي، وتقوم على الاقتناع بأهمية التعاون البناء والقوي الذي يقود المنطقة إلى وحدة اقتصادية عربية نشأت فكرتها منذ أكثر من خمسين عاماً وتأسس من أجل تنفيذها مجلس خاص هو مجلس الوحدة الاقتصادية العربية

وتضمنت اتفاقيتها مبادئ وقواعد لم يتم تنفيذ أي منها حتى الآن، خاصة مع التركيز في العمل للمصلحة الذاتية بعيداً عن التعاون العربي الخالص والشامل والذي كما صوره الاستعمار يمثل أضراراً ويقود إلى نزع السلطات المحلية وفقد الثروات الإقليمية والأخذ دون العطاء.

واللجنة الوزارية التي شكلتها جامعة الدول العربية للتحضير والتمهيد لمؤتمر القمة الاقتصادية العربية عليها أن تعمل بفكر جديد يتماشى مع التكنولوجيا والتطورات العالمية الحديثة التي ظهرت في مجال ابتكارات والتحديث لكل ما هو قديم،

وذلك بالنسبة لإدارة الموضوعات التي ستعرض على القمة وفي الأسلوب الذي سيتم به البحث، وفي التخطيط لتنفيذ القرارات التي ستصدرها القمة وفي كيفية التحرك والانجاز ومتابعة التنفيذ، وفي التغيير الذي يمكن أن يخرج به المؤتمر للوصول إلى عالم عربي جديد يقوم على المواطن الصالح الذي يعيش في مجتمع عربي مستقر

يوفر له الأمن والأمان والضرورات الأساسية داخل أسرة عربية كبيرة تؤدي دورها العربي وسط عالم متغير يزداد فيه الغني غنى والفقير فقراً ويسوده الظلم والطمع والجشع. إن هذه اللجنة الوزارية التحضيرية للمؤتمر يتوقف عليها نجاح المؤتمر فإما أن يخرج بقرارات اقتصادية جديدة تخلق عالما عربيا جديدا لا تلهيه السياسة

ولا المشاكل السياسية التي تنتشر فيه ويهتم بالدور الاقتصادي في تنمية ثروته واستثمارها لصالح الشعوب العربية بداية من تحليلها وبحث إمكانيات زيادتها وإفرازها لدخل كبير يعود على كافة المواطنين العرب وبشكل لا يقل عن مستوى دخل المواطنين الأجانب في أي منطقة في العالم،

وهنا يبرز دور البحث العلمي الذي لا يقتصر على النواحي المادية والعلمية وإنما يمتد إلى كل النواحي الحياتية وكل التحركات التي يقوم بها المواطن العربي لكي لا يضّيع وقته في مناقشات بيزنطية وفي لغو وأحاديث غير عملية وفي مؤتمرات تصدر توصيات تحفظ في الأدراج.

وانعقاد هذا المؤتمر يمثل أول تنفيذ عملي لبروتوكول الإسكندرية الصادر في 7 أكتوبر 1944 والذي نشأ بموجبه جامعة الدول العربية، خاصة وأن أهم بنود هذا البروتوكول نصت على ضرورة التعاون في الشئون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعملة والزراعة والصناعة والمواصلات والنقل، وحتى على التعاون في شئون الجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين والصحة.

وقيام مؤتمر القمة الاقتصادية ببحث أمور اقتصادية عامة تحت بنود غير محددة كالمطالبة بتوسيع التعاون الاقتصادي العربي أو تدعيمه أو تبسيط إجراءاته، وتشجيع الاستثمارات العربية البينية والتبادل التجاري البيني وإنشاء مؤسسات تمويلية فرعية ودعم فرص العمل أمام المواطنين العرب وكلها أمور قديمة ومعادة ومقترحة،

هذا البحث سيجعل من مؤتمر القمة الاقتصادية مجرد مؤتمر روتيني بيروقراطي ولن يدفعه أو يقوده إلى إصدار قرارات تحقق الآمال المعقودة عليه، وبالتالي سيخرج بلا برنامج عملي محدد لإنشاء السوق العربية المشتركة التي ينتظرها الجميع باعتبارها أولى الخطوات العملية في إقامة الوحدة الاقتصادية المقترحة منذ عام 1956، وإرساء التعاون الاقتصادي المطلوب.

Y_elmasry000@hotmail.com

مستشار وكاتب اقتصادي مصري