يتيح الوضع الاقتصادي المتميز لدول مجلس التعاون الخليجي إقامة مشروعات طموحة في مجالات متعددة، وبالتالي يمكن أن تحصل على كل ما تريده من امتيازات من الدول الراغبة في شراكة إستراتيجية معها، فتحصل على الخدمات والبضائع بأسعار زهيدة، وعلى التقنية المتقدمة من خلال اتفاقياتها مع الدول الآسيوية، فتكون بذلك جمعت بين أغلب المميزات الاقتصادية.
فدول المجلس تمتاز بأنها:
ـ أكبر قوة نفطية في العالم سواء من حيث الاحتياطي (47%) أو الإنتاج (25%) أو الصادرات (41%)، وبالتالي تتميز بوفرة في رأس المال النقدي، في المقابل هناك ندرة نسبية في القوى العاملة.
ـ ذات إمكانات استثمارية كبيرة ومتنوعة وفي مجالات مختلفة، الأمر الذي يعزز من إقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة.
ـ المُصدر الأول بالنسبة لآسيا، كما تستوعب الجزء الأكبر من صادراته غير النفطية.
وانطلاقا مما سبق، أقامت دول المجلس علاقات اقتصادية جيدة مع العديد من دول العالم، ومنها الآسيوية، حيث سعت إلى البحث عن سبل توسيع قنوات التعاون وتعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارات المتبادلة،
ولاسيما في مجالات الطاقة، والعلاقات الاقتصادية عادة ما تفرض نفسها على العلاقات البينية لأنها أساس التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، وقد تجذرت واتسعت هذه العلاقة بصورة أكثر مرونة بعد فشل جولة الدوحة، ذلك لظهور بوادر توحي بأن الاتجاه نحو التكتلات التجارية والاتفاقيات الثنائية سيصبح هو المهيمن، طالما عجز المجتمع التجاري الدولي عن التوصل إلى اتفاق عالمي،
وتتركز الأهمية النسبية للشركاء التجاريين لدول المجلس من خلال استعراض حجم التبادل التجاري للدول الآسيوية التالية:
اليابان: ارتفع حجم التبادل التجاري بين اليابان ودول المجلس العام الماضي بنسبة 33% ليصل إلى 13 تريليون ين مقارنة بما كان عليه الحال عام 2005، ويشير تقرير أصدرته غرفة تجارة وصناعة دبي، إن سبب الزيادة يرجع بشكل رئيس إلى الارتفاع الكبير في واردات اليابان النفطية من دول المجلس،
حيث بلغت 1. 11 تريليون ين، ومع الاستقرار النسبي لصادرات اليابان إلى دول المجلس البالغة 8. 1 تريليون ين، فإن العجز التجاري بين الطرفين بلغ 3. 9 تريليونات ين لعام 2006، واحتلت المملكة العربية السعودية المركز الأول من بين دول المجلس الست في حجم صادراتها إلى اليابان،
حيث أسهمت بنسبة 3. 36% من إجمالي صادرات دول المجلس عام 2006، تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة وبمساهمة نسبية قدرها 2. 36%، وجاءت دولة قطر في المرتبة الثالثة بمساهمة نسبية قدرها 7. 15% تلتها دولة الكويت بنسبة 10% وتوزعت النسبة الباقية وقدرها 8. 1% تقريباً على بقية دول المجلس. واتفق الجانبان على أهمية سرعة الانتهاء المبكر من المفاوضات الثنائية لعقد اتفاق لحماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة.
الصين: استحوذ النشاط الاقتصادي للصين ـ رابع أكبر اقتصاد في العالم ـ على المرتبة الأولى من حيث صادراتها إلى دول المجلس، حيث كان نصيب الإمارات من هذه الصادرات الأكبر تليها السعودية، والكويت، والبحرين،
وقد وقعت دول المجلس اتفاقية تعاون اقتصادي مع الصين في يوليو 2004، وتعمل حاليا على توقيع اتفاقية منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين. واتفق الطرفان على مضاعفة حجم التجارة بينهما لتصل بحلول 2010 إلى 100 مليار دولار، والبدء في المفاوضات للتوصل لاتفاقية إقامة منطقة تجارة حرة بينهما.
الهند وباكستان: تشير الإحصائيات إلى أن صادرات الهند إلى دول الخليج العربية في الفترة من إبريل 2005 إلى مارس 2006 بلغت 11 مليار دولار في حين بلغت وارداتها غير النفطية منها 8 مليارات دولار. وتستورد الهند حوالي 80% من نفطها من دول المجلس، وتكاد باكستان أن تستورد كامل نفطها من دول المجلس.
فيما تصل العمالة الهندية ـ الباكستانية الموجودة في دول المجلس إلى حوالي 2. 5 مليونات، وكانت دولة الإمارات أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في باكستان خلال عام 2006، إذ بلغ حجم استثماراتها 42. 1 مليار دولار،
ومن المتوقع أن يزداد الاستثمار الإماراتي في باكستان مستقبلاً، شأنه شأن استثمارات بقية دول المنطقة، وتشير التوقعات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وباكستان خلال العام الجاري سيتجاوز الخمسة مليارات دولار، واستثمرت الكويت وقطر مبالغ ضخمةً في قطاعي الطاقة والبنية التحتية في باكستان.
وبعد استعراض أهم المكونات للاقتصاد الآسيوي، حري بنا أن نشير إلى أن (الصين والهند) أصبح لكل منهما نصيب لا يستهان به في التجارة الدولية، فالصين تتميز في مجال التجارة السلعية، في حين تتميز الهند في التجارة الخدمية،
وهما بذلك تتمتعان بميزات تنافسية اجتازت في مجملها الميزات التنافسية لدول صناعية مثل الولايات المتحدة. بالأخص بعد أن سجل الميزان التجاري الأميركي عجزاً بلغ مقداره حوالي 760 مليار دولار خلال الربع الثاني لعام 2006، في حين سجل الميزان التجاري الصيني فائضاً بلغ مقداره حوالي 500 مليار دولار، وسجلت الهند فائضا تجاريا مقداره 120 مليار دولار في ذات الفترة.
ولهذه الشراكات الاقتصادية تحديات لا بد من دراستها ومواجهتها منها: تحرير الاقتصاد، واتخاذ الخطوات الكفيلة بتحرير السوق بما في ذلك سوق العمل، بالإضافة إلى أولويات أخرى مهمة مثل الشفافية في المعاملات المصرفية، وتقديم التسهيلات اللازمة للشركات المستثمرة،
ويأتي بعد ذلك التحدي الآخر، وهو تحقيق نسبة تضخم منخفضة وسياسة مالية هادفة تتفادى الوقوع في اتساع رقعة الائتمان، فالتضخم المنخفض يعني نسبة فوائد منخفضة وعلاقات صناعية جيدة وأسعار صرف مستقرة، وأن المستثمرين الأجانب يعتبرون التضخم المنخفض أساس بناء اقتصاد السوق.
باحث اقتصادي