يشغل الحديث عن الاتفاقيات التجارية والاقتصادية البينية العربية مساحة كبيرة من الاهتمام، لكن قبل الخوض في هذا المجال من الأهمية بمكان أن نلقي الضوء على الوضع الاقتصادي العربي بصورة عامة والبحث في ماضيه.

فبعد التحرر من الهيمنة التركية قبل الحرب العالمية الثانية، كانت بعض الدول العربية كسوريا، الأردن، لبنان، فلسطين وشمال إفريقيا، تتمتع نوعاً ما ببعض التداخلات الاقتصادية فيما بينها والتي كانت محدودة بعض الشيء بسبب صعوبة المواصلات آنذاك.

وبعد معاهدة سايكس بيكو في مايو عام 1916 التي كان هدفها الأساسي هو تفريق الكيان العربي وتقسيمه، حيث حكمت على الوطن العربي بالخضوع تحت الوصاية الأوروبية، بدأ هنا مفهوم جديد ومنحى آخر للهيمنة على أقوى الدول الشرق أوسطية آنذاك، ووزّعت المطامع بحسب ما يراه الغرب مفيداً لمصلحته السياسية والاقتصادية،

وخاصة أن الوطن العربي كان ولا يزال محط أنظار الغرب لما يتمتع به من مقومات هامة كالموقع الاستراتيجي، الذي يتوسط القارات الثلاث آسيا وافريقيا وأوروبا، بالإضافة إلى الممرات البحرية، الموارد الطبيعية وطبيعته الجغرافية والمناخية المتميزة.

وبدأ الغرب بالتحكم بهذه المقومات واستغلالها على الوجه الأكمل (ربما نستطيع الغوص في هذه النقطة بشكل مسهب في مقالات أخرى)، وعمل جاهداً على الحد من أي فعل مضاد لهيمنته الاقتصادية والسياسية عن طريق وضع سياسة تسويق طويلة الأمد لمنتجاته في الدول العربية، وعلى ضوء هذا نشأت التجارة العربية الخارجية مع الغرب، وأصبحت دول الشرق الأوسط عبارة عن سوق يافع للصناعات الغربية ولاحقاً لصناعات دول شرق آسيا.

بعد ذلك بدأت الدول العربية آنفة الذكر بالقيام بحركات مناهضة للهيمنة الأجنبية وتأسيس فكرة الدرهم العربي في الجيب العربي، وعلى إثرها طالبت الدول المهيمنة بالرحيل، وترك إدارة شؤون البلاد لأصحابها.

ولم تكن الهيمنة الغربية اقتصادية فقط، وإنما أخذت أشكالا أخرى اعتمد فيها الغرب على زرع التفكك بين الدول العربية والتحكم في الأجواء والممرات المائية البحرية منها والنهرية، والموانئ وحرية التنقيب. وقد عمل الغرب جاهداً على وضع العقبات والعثرات على مختلف أنواعها في وجه تقدم هذه الدول في أي مجال من المجالات،

مما جعل التجارة العربية البينية تكاد لا تُذكر حتى قيام الجامعة العربية، التي بدأ أعضاؤها بالتركيز على أهمية التجارة البينية العربية، ووضع الاتفاقيات التجارية لتقوية أواصر الربط العربي الاقتصادي وبالتالي ضمان وضع الدرهم العربي في الجيب العربي والذي كانت قد افتقدته الدول العربية مسبقاً من الناحية الاقتصادية.

كانت تلك نبذة عن الوضع الاقتصاد العربي وتجارته البينية تحت وطأة ظروف معينة، ولكن السؤال الآن يطرح نفسه: ما مدى فاعلية الاتفاقيات للتجارة البينية؟ وهل حقاً نجحنا في تنفيذ هذه الاتفاقيات؟

كما ذكرت سابقاً في بداية الحديث أن الوطن العربي كان يفتقر إلى شبكة للمواصلات تربط دوله ببعض، وهذه نقطة هامة جداً تستحق الوقوف عندها للبحث في حيثياتها، فمقارنة مع الدول الأوروبية وما كانت تتمتع به من شبكات طرق حديثة وسكك حديدية ونقل بحري،

كانت هذه المواصلات ضعيفة في الوطن العربي في عقد الخمسينات من القرن الماضي والستينات وحتى فترة السبعينات، مما حدّ من قيام تجارة بينية بين الدول العربية، لأن نقل البضائع والسلع لابد أن يعتمد على لوجستية نقل جبارة،

فالغرب وشرق آسيا قد سبقوا الوطن العربي بأشواط كبيرة في هذا المجال، وعندما أقول بأشواط كبيرة أعني بها ليس فقط الآلة اللوجستية وإنما الصناعات المتعددة التي زادت من حجم الهوة بينها وبين الدول العربية.

وكنتيجة فإن قوة شبكة المواصلات في الغرب ساهمت في سهولة نقل وإيراد البضائع والسلع إلى أسواق الدول العربية والحفاظ على إمدادها بكل احتياجاتها ومتطلباتها، مما جعلها في موقع قوة، وقادرة على إقامة طلب خاص بها في السوق العربية التي كانت تفتقر في ذلك الوقت إلى هذه القدرة.

وبالحديث عن القطاع الخاص فإن أول ما نفكر فيه هو بحث كيفية انتقال الأموال وما هي الضمانات، وكيفية نقل البضائع وكم تستغرق من الوقت، وما هي الضرائب المفروضة، وما هي التأمينات، ومن يحمي حسن النية في التعامل، وما هو القانون الذي يحكم هذه العلاقة، و

ما هي طرق التحكيم التجاري في التجارة البينية، وهل يوجد تنسيق بين الدوائر المعنية (على سبيل المثال غرف التجارة، ووزاراتها)، وهل هناك قانون موحد يحمي التعامل؟ كلها أسئلة لابد من طرحها والتوقف عندها، لمعرفة مدى فاعلية استراتيجيات جامعة الدول العربية،

وقيامها بالإعلان عن الاتفاقيات العربية وإقامة المعارض المنظمة للتواصل التجاري، واستخدام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة للتعريف بالتجارة البينية وتقوية التواصل ما بين الشركات والمؤسسات والأفراد وإعطائهم صورة أوسع وأدق عن التجارة العربية البينية، وايجاد الثقة التجارية بين الشركات.

ولكن السؤال، ما هو مفهوم الالتزام وهل كل من وقّع على التزام يكون فعلاً قد التزم؟ كل هذه عوامل تخيف المستثمر نوعاً ما مما يدفعه إلى التوجه إلى أسواق أخرى للاستثمار. لهذا نجد أن التجارة العربية الخارجية أقوى بكثير من التجارة العربية البينية، حتى أن المستهلك العربي منذ وقت طويل وحتى الآن يفضل المصنّع الأجنبي على العربي مهما كان المنتج.

رئيس مجموعة مشاريع سالم الموسى للاستثمار رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة فالكن سيتي أوف وندرز