ما تستطيع فعله أجهزة المخابرات في مسار الأفراد والشعوب يبدو ضخما، حد توليد حياة موازية للحياة الفعلية، وقد يتغلب الوليد الجديد على المولود الأصلي خاصة إذا كانت تلك الأجهزة تابعة لدول كبيرة مثل الولايات المتحدة التي تسخر الميزانيات المالية الهائلة، إلى جانب احدث التقنيات لتحقيق أهداف ليست بالضرورة شريفة، لا بالشكل ولا بالمعنى.

«ذي بورن ألتيماتوم» عنوان الجزء الثاني من سلسلة سينمائية (تعرضه الصالات المحلية) يصور طرق وأساليب سلوكيات وكالة المخابرات الأميركية «سي اي أي»، عن قرب، كأن عدسة المخرج بول غرينغراس تستخدم مواقع عميقة في عقلية هذه المؤسسات، لتصور ما فعلته وانفضح أمره، أو ما يمكن أن تفعله، أو وقع بالفعل بدون علم من احد وما زال في إطار أسرار الدولة.

الأسرار التي لا يمكن أن تصبح علنية لأنها تشكل فضيحة تصدم الأميركي في حياته، وبالتأكيد لمن لا ينتمي إلى هذا البلد الذي يتحكم بمصائر بلدان وقارات العالم إلى حد كبير. برنامج خاص للتدريب. يجعل الملتحق به محترف قتل. بلا عواطف إنسانية.

بعد أن يتعرض لتعذيب نفسي وجسدي ينسيه اسمه وأسماء من أرداهم. لكن المشاعر الإنسانية لا يمكنها أن تختفي كليا. تعود وتوقظ العميل جايسون بورن (الممثل مات دايمون)، وتدفعه للبحث عن ذاته وعن اسمه، فيبدأ عملية تمرده ومواجهته مع من صنعوا منه ما هو عليه.

انطلاقا من مطاردات في مدن العالم من لندن وموسكو ومدريد وطنجة «المغربية» ونيويورك، وغيرها من مدن فيها الكثير ممن يطلق عليهم اسم عميل التصفية. المزودون بأحدث وسائل الاتصال التكنولوجية وأدوات الموت. ينجو في النهاية العميل جايسون ويقتل كل من لاحقه وينجح في فضح أمر هذا البرنامج المريب.

يبني المخرج غرينغراس كادراته على حركة مرتجة للكاميرا، خصوصا في مشاهد المطاردات. ويغض الطرف عن التواصل مع بدئه حين يكون المشهد عاديا. في انفصام تقني لم يكن متعمدا وأفقد الفيلم مناخا موحدا، إضافة إلى حوارات كلاسيكية لسيناريو ليس كلاسيكيا.

وبعض مشاهد المطاردات كانت طويلة جدا بلا طائل. اقصد المطاردة في مدينة طنجة. حاول غرينغراس أن يضيف على أفلام المطاردة شيئا جديدا، لكنه لم يصل إلى ما أراد ولم يفلح بتوليد الجديد بهذا المعنى. كان أمامه مادة فيلمية ثرية لم يستفد منها لصناعة سينما حقيقية.

الفيلم من حيث المقاييس التجارية لانتاجات كثيرة، متوسط الحال. فكرة السيناريو أقوى مما صنعه المخرج في السينوغرافيا الباهتة، التي لم تربط مشهدياتها إلى بعضها. بدت متفرقة في أحسن الأحوال. لا يمكن تصوير قصة من هذا النوع بهذه الأساليب. فالقصة المليئة بالإثارة والغموض لم يشتغل عليهما المخرج. أراد أن ينفذ شريطه بعيدا عن التأثر بآخرين.

والمحصلة شريط بوليسي من الدرجة الثانية، إدارته لممثليه اقل من عادية، ولا يرى مشاهد الفيلم أي موقف تمثيل يذكر مع انه جمع بين اثنين من كبار الممثلين تقاسما البطولة بينهما، دافيد ستراثيرن ومات دايمون، إضافة إلى جوان آلان وجوليا ستايلز.

شاهدنا العام الماضي شريط غرينغراس «يونايتد 93»، عن الطائرة المخطوفة التي سقطت في إحراج بنسلفانيا في 11 سبتمبر اليوم الإرهابي الطويل الشهير والمشؤوم. وقد يكون هذا الشريط من أفضل ما صور عن هذا الحادث لحياديته وعدم التزامه بالمقولة السياسية الرسمية،

وكذلك كان ممتازا على الصعيد الفني، خاصة وانه صور في حجرة الطائرة إجمالا. وقد اعتبر حينها أن الفيلم سيضيف اسم بول غرينغراس حتما إلى قائمة المخرجين الكبار، وهو لم يخسر هذا الطموح بعمله الجديد لكنه حتما لن يتكرس بهذا العمل، وهو على الأرجح تراجع خطوة إلى الوراء.

مات دايمون

انطلقت شهرة مات دايمون فعليا بعد منحه فرصة لتأكيد موهبته مع المخرج فرانسيس فورد كوبولان في فيلم «صانع المطر» في العام 1997، عن سيناريو قوي للكاتب جون غريشام، وفي العام نفسه كتب بالتشارك مع صديقه وزميله بن افليك سيناريو فيلم «ذا غود ويل هانتينغ» الذي وضعه على طريق المجد الحقيقي لعالم الفن السابع. اخرج العمل حينها غاس فان سانت الذي اخرج له أيضا في العام 2003 شريط «جيري».

لم يدخل دايمون في مشاريع هابطة أو تجارية بحتة على الإطلاق، عمل مع انتوني منغيلا، ومارتن سكوسيزي، وروبرت دونيرو، وستتيفن سوديربيرغ، وغيرهم في لائحة تضم أكثر من دزينتي أفلام مستوى معظمها فوق الوسط، وبعضها يتقدم إلى الجيد جدا.

هنا بإدارة غرينغراس لم يقدم شيئا، ولم يتنبه إلى الخلطة التي يعدها المخرج، فبين التنويع في الأسلوب التقني والسيناريو الغني بالصورة والمفتقر إلى المعاني، ضاعت موهبة دايمون في الأحياء والزواريب الضيقة التي جرت فيها المطاردات.

بدا يركض لاهثا خلف كاميرا المخرج المنغوية باستعراضات لا طائل تحتها. استعراض ترك الشريط بلا هوية، أو على الأقل يصعب تعريفه سينمائيا. يحق للممثل الموهوب دايمون أن يرتكب هفوة في تاريخ مهني حافل بالنجاحات، ويحق لمحبيه أن يتوقعوا منه عدم المغامرة مرة أخرى في خطوات غير محسوبة تماما.

دبي ـ حسين قطايا