تشهد الأسواق اليمنية ارتفاع أسعار غير مسبوق ضاعف من معاناة غالبية الأسر محدودة الدخل وزاد من قسوة الأوضاع على فقراء البلاد الذين توسعت قاعدتهم في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق.
فالطاغي على أحاديث الناس في البلاد هذه الأيام في مجالسهم ولقاءاتهم ارتفاع الأسعار عامة وأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية على خاصة ومع أن هذا الارتفاع لأثمان المواد الأساسية الضرورية كالقمح، الدقيق، الأرز والزيوت يتواصل منذ عاميين إلا أن أسعار هذه المواد منذ مطلع العام الجاري قفزت قفزات غير مسبوقة جعلتها الشغل الشاغل للغالبية العظمى من اليمنيين خاصة الشرائح محدودة الدخل والفقيرة التي تعتمد في قوتها اليومي على القمح والدقيق والأرز والزيوت لأن مداخيل هذه الشرائح إما ظلت مجمدة منذ سنوات لاسيما الموظفين العموميين أو أنها معدمة أصلا.
كما هو حال الفقراء الذين اتسعت قاعدتهم في السنوات الأخيرة إلى درجة كبيرة خاصة مع تراجع الدولة عن دعم المواد الأساسية وفقا لبرنامج التقويم الهيكلي الذي نفذته الحكومات المتعاقبة منذ العام 1995 تحت إشراف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والذي ساهم بدرجة رئيسية بتوسيع قاعدة الفقراء في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة.
وتشير المعطيات الإحصائية إلى ان نسبة الفقر تقدر بـ 41% وسط السكان طبقا لمسح ميزانية الأسرة اليمنية منهم 17% يقعون تحت فقر الغذاء ويذهب العديد من المراقبين والمحليين إلى أن نسبة الفقر أعلى بكثير من تلك التقديرات التي تعود إلى مسح عام 1998 م وهو ما يتوقع ظهوره في مسح ميزانية الأسرة للعامين 2005 ـ 2006 والتي مازالت إحصائياته قيد المراجعة والتدقيق.
وحسب هؤلاء المراقبين إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية منذ العام الماضي وخلال الأشهر الأخيرة ستزيد من مصاعب الظروف المعيشية لغالبية المواطنين الذين أصبح بعضهم لا يقدر على الوفاء بمتطلبات العيش الضرورية بعد أن زادت أسعار القمح بنسبة 100% حيث انتقل سعر كيس القمح والدقيق مع العام 2005 من 2500 ريال إلى 5 آلاف ريال حتى مطلع شهر أغسطس الجاري.
وعلى إثر ذلك شهدت الشوارع اليمنية حركات احتجاجية عكست إلى حد كبير الهم المعيشي للفرد اليمني الذي أصبح شديد التأثر لأدنى ارتفاع في أسعار المواد الأساسية الاستهلاكية منذ أن ألغت الحكومة دعمها لها تدريجيا منذ عام 1995 م وعملت بالتوازي على تقليص عدد الوظائف الحكومية وجمدت الأجور في حدود ضبط النفقات التي يوصي بها البنك الدولي وصندوق النقد.
وعلى الرغم من أن الحكومات المتعاقبة قد رفعت الأجور غير مرة إلا أن الزيادة في الأجور لم تكن سوى زيادة اسمية لا تتناسب البتة مع الزيادة الحقيقية في الأسعار لاسيما منها أسعار المواد الأساسية كالدقيق والقمح والأرز والمشتقات النفطية الأمر الذي انعكس على الظروف المعيشية لكثير من الأسر اليمنية التي تقبع تحت عتبة الفقر الشديد وكذا ذوو الدخل المحدود الذين كانوا عرضة لتأثيرات تصاعد الأسعار على حياة هؤلاء بما فيها الزيادات الأخيرة في استراتيجية الأجور والمرتبات التي كبقتها الحكومة منذ يونيو العام 2005 م .
والتي رفعت أجور الموظفين بمعدل تراوح بين 70 إلى 80% إلا أنه منذ ذلك الحين ارتفعت أسعار المواد الأساسية الضرورية كالدقيق والقمح والسكر والألبان والأرز بمعدل فاق تلك الزيادة بكثير وبنسبة تراوحت مابين 100% للقمح والدقيق و100 إلى 150 للسكر والألبان والزيوت وغيرها من لوازم البيت اليمني مما جعل تلك الزيادات غيرا ذات تأثير على حياة الشرائح محدودة الدخل والفقيرة الأمر الذي سيعيد اليمنيين إلى نقطة بداية السباق مع تفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها سياسة التقويم الاقتصادي والمالي لاسيما أن انسحاب الدولة من هذين الميدانيين لم تعوضه سياسة تحرير السوق وفتح المبادرة أمام الخواص بسبب ضعف هذا الأخير من جهة وعدم توافر المناخات المشجعة لنشاطاته من جهة أخرى.
فهو لا يخفي تذمره من فساد الإدارة وبيروقراطيتها الشديدة وانتشار الرشوة في الأجهزة القضائية ومن معوقات إجرائية وفنية تواجه نشاطاته الأمر الذي ساهم في الحد من رفع طاقته التشغيلية وخلق فرص عمل تعوض تقليص مناصب الشغل الذي لجاءت إليه الدولة كإجراء متمم لبرنامج الإصلاحات بغية تقليص النفقات العمومية طبقاً لما يقضي به برنامج المؤسسات المالية الدولية مما ساهم بارتفاع نسبة البطالة إلى ما يربو على 40% طبقا لمؤشرات المنظمات والمؤسسات الدولية ونظرا للتلازم الحاصل بين انتشار الفقر وتدني مستويات الأجور وانتشار البطالة فإن ارتفاع الأسعار سيكون له تبعات شديدة القسوة على أغلبية الساكنة في البلاد .
وهو ما تعيه الحكومة جيدا وبادرت الأسبوع الماضي إلى تخصيص ثلاثة مليار ريال لشراء القمح عبر المؤسسة الاقتصادية تبيعها للمستهلك بسعر التكلفة إلا ان المراقبين يرون أن هذه البادرة غير مجدية لأن كل المؤشرات تؤكد أن أسعار القمح إلى ازدياد نتيجة لموجة الجفاف التي تضرب مناطق زراعته مما أدى إلى انخفاض العرض مقابل تزايد الطلب العالمي كما ان التقليص التدريجي لدعم الزراعة في بلدان الاتحاد الأوروبي وأميركا .
والتي باتت من القضايا الملحة المطروحة على مفاوضات تحرير المبادلات التجارية وفتح الأسواق في منظمة التجارة العالمية مما سيساهم في رفع فاتورة الغذاء لليمن إلى مستويات قياسية خاصة أن واردات البلاد من القمح في تزايد مستمر من عام إلى آخر وحسب تقرير صدر مؤخرا عن وزارة التجارة والصناعة تزيد قيمة الواردات من القمح بعدل 23% سنويا وزاد حجم الواردات من القمح والدقيق من مليون و639 ألف طن وبقيمة 37 مليار و298 مليون ريال عام 2003 إلى مليونين و942 ألف طن وبما يعادل 70 مليار و242 مليون ريال عام 2006 .
وإذا ما اخذت في الاعتبار العوامل التي ستتحكم في إنتاج وتسويق القمح فإن فاتورة الغذاء لا تطرح تحدياتها فقط على المواطنين الذين تتراجع قدراتهم الشرائية أمام موجة الغلاء هذه بل وستطرح تحديات اكبر على الحكومة اليمنية لما تمثله فاتورة الغذاء من عبء على ميزان المدفوعات وما قد تقود إليه من احتجاجات شعبية بدأت بوادرها تلوح في الأفق مع المظاهرات التي خرجت الأسبوع الماضي في ست محافظات في البلاد.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
