واصلت أسواق العملات أحاديثها عن أوجه علاقة الربط بين الدرهم الإماراتي والعملة الأميركية، وانتقل الجدل من دائرة التكهن بما إذا كانت الإمارات ستقتفي أثر كل من الكويت وسوريا في فك ارتباط عملاتهما بالعملة الأميركية إلى دائرة البحث والتنقيب عن أسباب تمسك الإمارات بعلاقة الارتباط بالدولار في محاولة منها لاستشفاف ما سيؤول إليه الوضع في المستقبل.

وخلصت بعض الآراء الى أنه من شأن القيام بإعادة تقييم الدرهم الإماراتي من دون إعطاء مهلة لتوفيق الأوضاع أن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنسبة لبعض أصحاب الأعمال. وقطع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الطريق على محللين روجوا لتوقعات قيام الدولة بتغيير سياسة ربط الدرهم بالدولار الأميركي،

بتأكيد سموه في 22 مايو الماضي أن الإمارات ستواصل ربط عملتها بالدولار الأميركي، وقطع معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي الإماراتي الطريق على التكهنات التي راجت مؤخرا بشأن قيام الدولة بإعادة تقييم سعر صرف الدرهم مقابل الدولار، باستبعاده القيام برفع قيمة الدرهم،

وأوضح هذين التصريحين بجلاء مسارات السياسة النقدية، وأكدا في الوقت ذاته حرص الدولة على إدارة سياستها النقدية بمنطق الشفافية، وهو الأمر الذي ساهم في تبديد أجواء الغيوم التي بلدت أفق سياسات سعر الصرف في الدولة، وفتحت الباب أمام التكهنات والتوقعات المتضاربة، بما قاد إلى صعود الطلب على شراء الدرهم الإماراتي.

ولقد وجه معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي أقوى رسالة إلى الأسواق، بعدما سادتها توقعات مؤداها أن الإمارات صاحبة ثاني أكبر اقتصاد على مستوى منطقة الخليج ستقوم برفع قيمة صرف عملتها في مواجهة الدولار، وأجهض المحافظ هذه التكهنات باستبعاده حدوث تغيير في سياسة الدولة بشأن العملة في المستقبل المنظور،

مؤكدا أن ربط العملة يعد عامل استقرار مهم جداً وهو من أسباب نجاح اقتصاد الإمارات، وأنه من غير المنطقي في هذه المرحلة تغيير عملية الربط. وكان معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي الإماراتي قد صرح لمجلة «مانيجر» الألمانية بتاريخ 25 مايو أن ربط الدرهم الإماراتي مع الدولار الأميركي مازال أمرا مواتيا حتى الآن، ولكن لا يوجد شيء نهائي وأبدي.

توقعات إعادة التقييم

وجاءت هذه التصريحات في غمرة تزايد توقعات التجار والمحللين بأنه ربما تكون الإمارات الدولة التالية التي تقوم بفك ارتباط عملتها مع الدولار الأميركي، ورأت هذه التوقعات أن صاحبة ثاني أكبر اقتصاد عربي قد تحذو حذو كل من سوريا والكويت.

من جانب آخر، توقع دويتشه بنك في مذكرة تحليلية منشورة بتاريخ 6 يونيو أن تقوم الإمارات بالسماح بصعود سعر صرف الدرهم مقابل الدولار بنسبة 3% قبل حلول شهر سبتمبر المقبل بهدف المساعدة في تهدئة وتيرة التضخم، وتضمنت المذكرة التحليلية الإشارة إلى أنه من المحتمل بشكل كبير أن تقوم الإمارات بإعادة تقييم عملتها بعدما تخلت الكويت عن نظام ربط عملتها بالدولار الأميركي.

وصدرت توقعات مماثلة من مؤسسة مورجان استانلي بإشارتها في 29 مايو إلى أن كل من الإمارات وقطر ستقومان بإعادة تقييم عملتهما لمواجهة ضغوط التضخم، وورد في مذكرة تحليلية أعدها سيرهان سيفيك المحلل في البنك أن صعود معدل التضخم في الدولتين النفطيتين الخليجيتين يدعو بشكل واضح إلى إعادة تقييم عملاتهما، وتحدثت المذكرة التحليلية عن صعود التضخم في قطر إلى 8. 14% خلال الربع الأول من العام الجاري مقابل 8. 11% خلال الأرباع الثلاثة الأخيرة من عام 2006.

وعبرت مونيكا مالك المحللة الاقتصادية في مؤسسة «إي إف جي - هيرمس» عن رأي مماثل بإشارتها إلى أن هناك توقعات تسود السوق بأن الدرهم هو العملة الأكثر ترشيحا من بين العملات الخليجية الأخرى لأن تقتفي أثر العملة الكويتية،

وأضافت أن السوق يراهن على مثل هذه الإمكانية، وتكهنت مونيكا بأن يقفز سعر صرف الدرهم الإماراتي مقابل الدولار إلى 6605. 3 دراهم لكل دولار، أي بزيادة على مستوى سعر الصرف الحالي نسبتها 35. 00%.

وفي السياق ذاته كتب ستيف برايس كبير الاقتصاديين في بنك استندارد شارترد مذكرة تحليلية بتاريخ 25 مايو لعملاء البنك تضمنت الإشارة إلى أن التحرك السوري قد يحفز على التكهن بظهور دولة أخرى تقوم بفك ربط عملتها بالدولار.

وقال جون هاريسون المحلل في مجموعة «دريسدنير كلينوورت» ومقرها لندن إن التضخم ينطوي على مخاطر بالنسبة لكافة هذه الدول، وتتمثل إحدى الطرق لمعالجة هذا الأمر في السماح برفع أسعار صرف عملاتها مقابل الدولار.

تجدد الجدل

بيد أن الجدل تجدد مرة أخرى على خلفية قيام الكويت في مايو من العام الجاري، بإعلانها ربط سعر صرف عملتها بسلة عملات متخلية عن نظام ربط سعر صرف الدينار بالدولار الأميركي الذي تبنته عام 2003، ونتيجة لذلك رفعت الحكومة قيمة عملتها الدينار وسمحت لها بالارتفاع 37. 0% أمام الدولار بعد اشهر من ضغوط السوق على سعر الصرف.

وبلغ سعر الصرف الجديد الذي حدده البنك المركزي الكويتي 28806. 0 دينار للدولار مقارنة مع 28914. 0 دينار للدولار، وأعلن محافظ بنك الكويت المركزي الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح انه استنادا إلى موافقة مجلس الوزراء بشأن سياسة ربط سعر صرف الدينار الكويتي الصادرة في جلسته المنعقدة فقد تم اعتماد تحديد سعر صرف الدينار الكويتي مقابل دولار الولايات المتحدة على اساس سلة من العملات العالمية الرئيسية التي تعكس العلاقات التجارية والمالية مع دولة الكويت.

ومرة أخرى، تدخل مصرف الإمارات المركزي لتصويب توقعات السوق، حيث نقلت وسائل الإعلام عن مصادر مصرفية تأكيدها عدم وجود مؤشرات لأي تغييرات في سياسات المصرف المركزي المتعلقة بتحديد سعر صرف الدرهم مقابل الدولار

مؤكدة انه من الواضح ان هناك حرصا على استمرارية ثبات سعر الصرف وانه لا نية لإجراء تعديل برفع سعر الدرهم مقابل الدولار خلال المرحلة المقبلة وتوقعت المصادر أن يظل سعر صرف الدرهم مقابل الدولار ثابتا لفترات طويلة مرجعة ذلك إلى أن القسم الأكبر من واردات الدولة وصادراتها وكذلك معظم الاستثمارات الحكومية مقومة بالدولار وبالتالي فإن أي تغيير مفاجئ في سياسات تحديد أسعار الصرف قد يكون في غير صالح الاقتصاد الوطني.

وفي السياق ذاته، استبعد معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي الإماراتي أن يكون تراجع سعر الدولار سببا لارتفاع التضخم، مشيرا إلى أن معظم الضغوط التضخمية تأتي من ارتفاع أسعار العقارات وإيجارات المساكن،

وأنه بمجرد حدوث زيادة في المعروض من العقارات، سينخفض معدل التضخم، وشرح قائلا: ان ممثلي صندوق النقد الدولي حددوا أسعار العقارات والإيجارات على أنها السبب الرئيسي وراء التضخم في الإمارات.

ترى تحليلات أن أسعار العقارات قد وصلت بالفعل إلى مستوى الذروة وأنها بصدد سلك المسار التراجعي، وهو ما سيشكل العامل الأكثر أهمية في احتواء الضغوط التضخمية، ويتوقع هنا بنك استاندرد آند شارتراد أن تنخفض أسعار سوق العقارات بما يتراوح بين 20 إلى 30-% خلال العامين أو الثلاث المقبلة،

كما توقع أن يتم طرح 63 ألف وحدة في السوق في عام 2008، وهو سوف يوجد فائضا في المعروض مقداره 6 آلاف وحدة في عام 2007 و 33 ألف وحدة في عام 2008، وهو ما سيؤدي إلى تراجع أسعار العقارات ورسوم الإيجارات خلال الأربعة والعشرين شهرا المقبلة.

وفي السياق ذاته، شركة «برايم جروب» بأن حوالي 52 ألف وحدة عقارات سوف يتم تسليمها في دبي بحلول عام 2007 والبنك وضع في حسبانه التأجيلات المؤكدة والمحتملة لمشروعات متعددة في الدولة وتوقع البنك أن 63 ألفا إضافية سوف تطرح في السوق في عام 2008.

ومن المتوقع كذلك - بحسب تقرير شركة برايم - أن أسعار المواد الخام في المستقبل القريب، وهو ما سوف يؤدي إلى تخفيف الضغوط على الأسعار في سوق مواد البناء، حيث يعتبر قطاع الأسمنت في الإمارات مستوردا صافيا منذ عام 2002، أي منذ إطلاق مشروعاتها الضخمة وعملاقة،

وهو الأمر الذي فرض على المقاولين ضرورة الاعتماد على الاسمنت المستورد، وقاد النقص المحلي في الإنتاج إلى الصعود الصاروخي في أسعار الأسمنت والذي تراوح سعره في عام 2005 ما بين 350 و 380 درهما للطن، مقابل 320 درهما في 2004، و 190 درهما للطن في 2003.

بيد أنه من الوارد أن تتغير الأوضاع جذريا في سوق الأسمنت، بسبب طرح طاقات إنتاجية جديدة من جانب منتجي مواد البناء المحليين، ووفقا لشركة برايم، قادت حركة الإنشاءات الضخمة في الدولة ونقص المعروض من الأسمنت إلى ظهور موجة من الاستثمارات التي تستهدف توسيع الطاقة الإنتاجية،

وبالتالي، فإن المعروض قد يتجاوز الطلب، إذا ما دخلت هذه التوسعات حيز الإنتاج على النحو المخطط لها. ، حيث ان هناك عددا من مشروعات توسيع الطاقة الإنتاجية من الأسمنت ستكون قادرة على الاستحواذ، وبالتالي، فمن الوارد أن تواجه الإمارات في عام 2008 وضعا يكون فيها العرض متفوقا على الطلب في عام 2008.

وتقدر شركة برايم أنه بحلول عام 2008، ستمتلك الإمارات فائضا في المعروض من الأسمنت يبلغ 20. 4 ملايين طن، وسوف يزداد حجم هذا الفائض في عامي 2009 و2010، حيث من المتوقع أن يبلغ حجم الفائض في المعروض 10. 8 ملايين طن،

وذلك مع قيام المنتجون بطرح طاقات إنتاجية جديدة، ودخول هذه الطاقات حيز الإنتاج، وعليه، توقع تقرير شركة برايم أن تتراجع أسعار الأسمنت إلى 275 درهما للطن درهم، ولفت التقرير إلى انه من شأن انخفاض السعر إلى أقل من هذا المستوى للطن و أن يؤدي إلى خروج اللاعبين الصغار من السوق.

وقال مصدر مصرفي رفيع المستوى في حديثه لمجلة «ذي بيزنيس ويكلي» بتاريخ 3 يونيو 2007 أنه إذا كانت التضخم تعود أسبابة بشكل كامل إلى التضخم المستورد الناجم عن الأداء غير القوي للدولار، فإنه من الممكن إدارة هذا الأمر عن طريق هذا المر عن طريق تغيير العرض.

وأضاف أنه بالنسبة لهؤلاء الذين يطالبون بإعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي بهدف الحفاظ على قيمتها، فهم لا يرون الأخطار التي تحف بمثل هذا التحرك، وانه من المتعين على المرء أن يمد ببصره ليري الوجه الآخر للعملة.

علاقات تعاقدية

وتابع حديثه بقوله: هناك متعاقدون وأصحاب أعمال في مجالات مختلفة دخلوا في علاقات تعاقدية طويلة الأجل بناء على الربط الحالي بين الدولار والدرهم الإماراتي، حيث تعود علاقة الربط بين العملتين إلى عقدين مضيا، وأنه من غير المتصور طبيعيا التفكير في تغيير هذه العلاقة من دون أن تكون هناك فترة إعداد مسبقة.

وعلى نفس المنوال، قال خبير عملات في بورصة دبي للذهب والسلع ان الكويت تعتبر حالة مختلفة كليا، حيث لديها نظام مركزي، يرافقه انخراط حكومي في القسم الغالب من النشاط الاقتصادي، بيد أن وضع الاقتصاد الإماراتي مختلفا،

حيث ان هناك مشاركة ضخمة من جانب القطاع الخاص، علاوة على ما سبق، يعتبر القطاع الخاص في الكويت مهيأ لمثل هذا التغير في ضوء اتخاذ سلسلة من القرارات المماثلة بهذا الخصوص، ولكن الوضع مختلفا بالنسبة للقطاع الخاص الإماراتي الذي يتعايش مع الربط بين العملتين لفترة طويلة.

ومن ثم، فإن أي تحرك لإعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي - والكلام مازال على لسانه - يمكن أن ينجم عنه مكاسب بالنسبة لبعض أصحاب الأعمال، وخسائر بالنسبة للبعض الآخر، ويعتمد الأمر على كيفية إبرام التعاقدات والصفقات، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يتعرض المقاول الأجنبي الذي أبرم تعاقدا مع الحكومة مدته عشر سنوات لصدمة،

إذا ما حدث إعادة تقييم لسعر صرف الدرهم، حيث انه سيتلقي المدفوعات بالدولار، في حين أنه سيكون عليه دفع التزاماته المالية بالدرهم الإماراتي، وذلك إذا لم يتحوط المقاول من مخاطر تقلب سعر الصرف، حيث انه من الطبيعي أن يتضمن التحوط عنصر التكاليف.

وبالتالي، لا توجد محصلة كمية بكم الخسائر والمكاسب التي يمكن أن تترتب على إعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي، وأنه إذا ما تم إعادة التقييم من دون إعطاء الناس مهلة للتفكير وتوفيق الأوضاع، فانه سيكون من الصعب عليهم التأقلم مع النظام الجديد، وقد تم اعطاء وقت كاف للأوروبيين لدي تحول الاتحاد الأوروبي إلى نظام اليورو، كما كانت هناك بيانات سياسية من الحكومات لأجل اخراط الناس في مثل هذه العملية.

بيد أن هناك وجهة نظر ترى أن هناك مشاكل ناشئة عن استمرار ربط الدرهم الإماراتي بالدولار، فإلى جانب تآكل قيمة الدرهم، مازالت الإمارات تقتفي أثر السياسة النقدية في الولايات المتحدة، ومن ثم، لا يوجد أية خطأ في اتباع الإمارات سياسة نقدية خاصة بها وتتناسب معها.

وقال ليس مارشاند محلل الائتمان في مؤسسة استاندارد آند بورز ان التحركات الأحادية الجانب من جانب الكويت قد أضرت بأفق إطلاق العملة الخليجية الموحدة، وهو ما أثار التساؤلات بشأن مدى التزام الدول الأعضاء بالوحدة النقدية وذلك على الرغم من صدور التطمينات الرسمية بهذا الخصوص.