جاء إعلان د. فاروق العقدة رئيس البنك المركزي المصري عن التسهيلات الكبرى لرجال الأعمال المتعثرين لسداد الديون المتأخرة عليهم والتي تصل إلى خصم 70 % من حجم الدين في حالة السداد الفوري، مثار حديث الجميع وأعادت فتح ملف التلاعب في أموال البنوك المصرية التي لم تسلم من السلب حتى من الحكومة التي تبلغ جملة ديونها للبنوك المصرية 26 مليار جنيه ناهيك عن مليار ونصف لصغار المستثمرين الذين حصلوا على قروض أقل من مليون جنيه مصري بالإضافة إلى الكبار الذين كان نصيب الفرد منهم يتعدى 200 مليون جنيه وقد يصل إلى 3 مليارات جنيه وهربوا خارج البلاد.

وكانت تصريحات العقدة قد فتحت قضية القروض مرة أخرى، وبغض النظر عن عملية التسويات الحالية فكيف نتلافى سلبيات الفترة الماضية التي تم فيها السطو على أموال البنوك، هذا ما يوضحه خبراء في مجال البنوك في هذا التحقيق، يؤكد د. محسن الخضيري الخبير المصرفي أن ارتفاع حجم الديون الرديئة هو مؤشر خطر على البنوك والاقتصاد القومي، مما دعا محافظ البنك المركزي د. فاروق العقدة لتقديم تسهيلات للمدينين في السداد بخصم 70% من قيمة الدين في حالة السداد الفوري فأدى القرار إلى تسوية 65% من الديون.

وارتفاع نسبة الديون في الفترة الأخيرة توحي بعدم وجود أجهزة رقابية، ولكن الواقع غير ذلك، فهناك رقابة ذاتية داخل كل بنك عبر إدارات الاستعلام بالبنك فضلاً عن رقابة مراقبي الحسابات ورقابة البنك المركزي، ولكنه نظراً لشدة المنافسة بين البنوك في توظيف الأموال فإن هناك تسهيلات ائتمانية كثيرة قد تفتح الباب أمام المقترضين غير الملتزمين للهروب عبر تلك التسهيلات، فمثلاً منهم من يتحايل على البنوك بأن يقدم ضماناً يقل كثيراً عن قيمة القرض، لكنه يغالي في قيمته كقطعة أرض أو عقار يدخل في ضمير الخبير المثمن للبنك وإدارة أمناء الاستثمار.

بينما هناك بنوك تعتمد فقط على سمعة رجال الأعمال في السوق وهذه ضمانة غير آمنة فالسوق متقلب وغير مستقر وهنا يجب أن تلتزم البنوك بالمعايير والقواعد الحاكمة في تقديم الائتمان واتفاقية بازل التي اشترطت ألا تزيد حدود وقف الائتمان على نسبة 5% من حجم السيولة التي لديها ولضمان عدم سقوط أو انهيار أي بنك مصري ألزم البنك المركزي جميع البنوك العامة بمصر سواء أجنبية أو وطنية أو تودع لديه نسبة 15% من احتياطات النقد في البنك المركزي لتأمين ومواجهة أي ظرف طارئ أو مفاجئ.

مصاهرة النهب

ويرى مصطفى زكي الأمين العام الأسبق لغرفة القاهرة التجارية أنه في ظل مصاهرة رجال الأعمال للمسؤولين بالبنوك تحول أبناء هؤلاء المسؤولين إلى رؤساء لتسهيل عمليات نهب أموال المودعين إلى رجال الأعمال وهو ما حدث في واقعة بنك النيل، حيث كانت وراء عمليات نهب أموال البنك ابنة رئيس البنك التي هي زوجة رجل الأعمال المتهم في قضية نواب القروض خالد محمود، ويحدث ذلك في ظل غياب الضمانات والقوانين، والتي حلت محلها المحسوبيات والإتاوات والرشاوى.

ويضيف: ان الاعتبارات الشخصية لأصحاب القروض فاقت قواعد وشروط منح الائتمان لأنها في بعض البنوك تجاوزت حدود الائتمان المتعارف عليها دولياً، خاصة في القروض كبيرة الحجم التي تصل إلى عدة مليارات، واستطاع أصحاب النفوذ من رجال الأعمال الكبار الحصول عليها باعتبارات شخصية بحتة وبعيدة تماماً عن جميع الأعراف والقواعد التي تحكم عمليات الاقتراض من البنوك، وهو ما يهدد البنوك بالسقوط والانهيار في حالة فرار وهروب العميل بهذه المليارات للخارج أو في حالة إعلان إفلاسه فضلاً عن أن جهاز أمناء الاستثمار داخل البنوك هو الجهاز المسؤول عن تثمين الضمانات العينية للحفاظ على حقوق البنك.

ويحدد زكي المعايير والقواعد التي يجب أن يتبعها البنك المركزي في هذا الخصوص، والتأكد من أن البنوك تطبق المعايير المحاسبية بنفسها، كما يجب التأكد من المشروعات التي يستخدم العميل فيها القروض وهل هي مشروعات جادة أم لا، ولابد من إبلاغ البنوك بوضع العميل الذي لم يقم بالتسديد حتى لا يتقدم إلى أي بنك آخر لأخذ قروض. ويؤكد محمد جابر الخبير المصرفي أن أكثر من %80 من قروض البنوك بلا ضمانات، بينما لا تزيد القروض التي تتوافر لها ضمانات قوية من إجمالي القروض، مشيراً إلى أن مشكلة القروض حدت بسبب وجود فساد في بعض البنوك والتهاون في معايير منح الائتمان.

بالإضافة إلى تسلط بعض رؤساء البنوك ومديري الائتمان، ولا يؤثر هروب بعض رجال الأعمال بأموال البنوك أو تعثر بعضهم الآخر عن السداد على النتائج النهائية للبنوك لأن كل البنوك تحقق أرباحاً معقولة، حيث إن كل بنك يخصص نسبة تصل إلى 15% من احتياطاته النقدية عند اعتماد موازنته لمواجهة الديون المشكوك في تحصيلها، وذلك وفقاً لتعليمات البنك المركزي وهذه النسبة تحمي البنوك من التأثر بهروب بعض رجال الأعمال أو تعثر هذه المشروعات، ومن ناحية أخري تحقق أرباحاً كبيرة سنوياً.

انحرافات البنوك

ويرى د. السيد عطية أستاذ الاقتصاد أن قضية رجال الأعمال الذين يقومون بالتلاعب بأموال البنوك قضية شديدة الأهمية، تتعلق باستخدام أموال البنوك في شراء شركات القطاع العام التي يتم بيعها، ومن المؤسف أن رؤساء البنوك يمولون رجال الأعمال الذين اشتروا تلك الشركات، ولا بد من وضع ضوابط لإقراض رجال الأعمال الكبار، بحيث ساهم البنك بنسبة محددة تقل عن النسبة التي يساهم بها المستثمر في أي مشروع، فإذا وضع المستثمر أمواله في المشروع فإنه سيبذل كل ما يستطيع من جهد لإنجاحه أما إذا كان البنك هو الذي يدفع كل الأموال، أو النسبة الكبيرة في المشروع فإنه إذا حدث تعثر سرعان ما يهرب المستثمر إلى الخارج ويترك المشروع وتضيع أموال البنوك.

وقد زادت انحرافات بعض البنوك بصورة ملفتة، فقد ذكر رئيس أحد البنوك أن عميلاً اقترض من بنكه 1. 8 مليارات جنيه، فإذا كان عميل واحد حصل من بنك واحد على هذا المبلغ فكم هي المبالغ التي حصل عليها من البنوك الأخرى؟ د. مني الطحاوي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ترى أن عملية منح القروض لأي شخص تمر بعملية معقدة للغاية، مؤكدة على أنه من المفروض على أي بنك يمنح القروض أن يتابع إنفاقها في القرض المخصص لها، بالإضافة إلى أن رئيس مجلس إدارة البنك لا يستطيع منح قرض لأحد العملاء بمفرده، ففي البنوك إدارات يقع على عاتقها دراسة طلبات الاقتراض بصورة متأنية.