تبادلت آسيا الآن مع أميركا الدور الاقتصادي، حيث كان العالم يعتمد على أميركا عندما يتعثر اقتصاده، لكن آسيا هي التي تقوم الآن بهذا الدور في الوقت الذي تصدر فيه أميركا المتاعب الاقتصادية.
فقد تراجعت البورصات العالمية في أنحاء الأرض بفعل أزمة الرهونات العقارية، ومع وجود مخاوف من التراجع الاقتصادي الأميركي، قد يساعد الاقتصاد العالمي الذي يمر بطفرة في احتواء الأضرار المحتملة وحتى يساعد أميركا على امتصاص الأزمة الناتجة عن تراجع الرهن العقاري وانهيار سوق المنازل. وقالت ناريمان بيهارفيش الخبير الاقتصادي في جلوبال إنسايت للأبحاث الاقتصادية، لم نعد في عالم يصاب بالبرد إذا عطست أميركا. فهناك نمو قوي في أنحاء العالم يبدو أن الإسعاف سيأتي أميركا من الخارج.
لكن في آسيا التي تسجل بلدانها أقوى نمو لها خلال السنوات الأخيرة، تخشى الكثير من الدول من أن تهبط بهم المتاعب الاقتصادية الأميركية إلى أسفل دورة النمو الاقتصادي. ويقول الخبراء إن هذه الدول لا تهتم كثيراً بإمداد أميركا بالإسعافات، لكنها تهتم بمعرفة إذا كان تقليل مستوى الروابط مع المستهلك الأميركي سيكون مفيداً لها أم لا، والدول الآسيوية، خاصة الصين بدأت تعتمد على العطش الأميركي لاستيراد السلع وتراجع سعر الدولار في أنحاء العالم والمؤسسات المالية الأميركية.
ويقول خبراء اقتصاديون ومديرون في آسيا إن التغييرات الاقتصادية الرئيسية قللت لأقصى درجة من حاجة آسيا للمستهلك الأميركي وأسواق المال. غير أنه لا يزال من غير الواضح مدى تأثير الاضطرابات المالية الحالية خارج الولايات المتحدة. ويقول سانجاي ميهثا رئيس تنفيذي إيسار للشحن في الهند: من الواضح أن الاعتماد على الاقتصاد الأميركي خاصة من الدول الآسيوية قد تراجع خلال السنوات ال5 ـ 7 الماضية. وأضاف ان هذا سوف يكون له تأثير، لكنه أقل من التأثير الذي شاهدناه في 2001 و2002 عندما انفجرت فقاعة الإنترنت.
ورغم أن الحجم الاقتصادي للاتحاد الأوروبي يقترب من الاقتصاد الأميركي فلا يزال الأخير هو الأكبر والأقوى في العالم. ويصل حجم الاقتصاد الأميركي البالغ 13 تريليون دولار إلى ثلاثة أضعاف أقرب اقتصاد إليه وهو الاقتصاد الياباني، الذي يفوق الاقتصاد الصيني بقدر يسير. لكن التحسن في الاقتصاد العالمي جعل الدور الأميركي أقل أهمية في التقلبات الاقتصادية العالمية. وقال سايمون جونسون الخبير الاقتصادي الأول في صندوق النقد العالمي إن هناك انفصالاً بين الاقتصاد الأميركي والعالمي، ويبدو أن الكل في العالم يمضي قدماً وأميركا تتراجع للخلف.
وتفخر الكثير من الدول الآسيوية بأنها لم تعد تعتمد كلياً على الاقتصاد الأميركي. وقد كان المديرون التنفيذيون في معرض كانتون الأخير في أبريل يهتمون باحتمالات البيع لأوروبا، حيث فاقت صادرات الصين إلى أوروبا نظيرتها الأميركية في فبراير الماضي. وفي قرية بهارابي الهندية النائية، هاجر غالبية الشباب للحصول على وظائف في مواقع البناء في شمال غربي الهند في إطار طفرة أكبر في الطلب الداخلي تجتاح معظم آسيا. وفي بانكوك يتحدث التنفيذيون عن أهمية التصدير إلى فيتنام في إطار ارتفاع حجم التجارة بين الدول الآسيوية خاصة شرق آسيا، حيث تحولت المنطقة إلى الأسرع نمواً في العالم.
وعندما تراجع الاقتصاد الأميركي منذ ست سنوات انخفضت الصادرات الآسيوية إلى أميركا من 25% عام 2000 إلى 15% عام 2002، من إجمالي صادراتها. لكن جزءاً من هذا الانخفاض يعكس خفض الاقتصادات الأوروبية واليابانية، في ذاك الوقت، لكن هذه الاقتصادات تحسنت الآن. ويقول كوي واي لي مدير مركز الأبحاث التجارية الآسيوي في هونغ كونغ، قد تكون المؤسسات المالية الأميركية ذكية بدرجة تنقل المخاطر إلى أوروبا وأماكن أخرى. وترى الدول الآسيوية حالياً أن التنظيمات الأميركية ضعيفة لأن المستهلكين والشركات يقترضون بلا ضوابط.
وقال فرانك جرجن ريختر الخبير الاقتصادي في جنيف المتخصص في الاقتصاد الآسيوي إن الآسيويين فقدوا الثقة في الاقتصاد الأميركي. ورغم أن الاقتصادات الآسيوية لم تعد في حاجة إلى الاقتصاد الأميركي كما كان الوضع سابقاً إلا أن هناك روابط مالية وتجارية قوية يمكن أن تعكس الوضع الأميركي في آسيا. ويقول لويس الكسندر الخبير الاقتصادي في سيتي جروب: إذا دخل اقتصاد أميركا مرحلة كساد سوف يكون التأثير أكبر في الخارج. لكن التراجع في الاقتصاد الأميركي لا يعني أن هناك كساداً، فقد لا يتأثر العالم بمجرد التراجع.
والحقيقة إن الصين لا تزال تعتمد على التصدير إلى أميركا 25 ضعف درجة اعتماد أميركا على التصدير إلى الصين. والصادرات الصينية إلى أميركا هي منتجات تعتمد على مكونات تأتي من أماكن أخرى في آسيا ويقوم بتصنيعها عمال صينيون. وتأثر صادرات الصين لأميركا بفعل انخفاض طلب الأخير يمكن أن يؤدي إلى بطالة في الصين. لكن هذا التأثير قد يكون محدوداً في بلد ترتفع فيه الاستثمارات في الطرق والجسور والإسكان والأصول الثابتة بنسبة أكثر من 25% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري.
وفيما ارتفع الدولار أمام اليورو والإسترليني، انخفض أمام الين الياباني وقد يزداد انخفاضاً إذا ثبت أن قطاع العقارات وجه ضربة للاقتصاد الأميركي. لكن انخفاض الدولار سيكون مشكلة ليس فقط للمصدرين في آسيا بل للبنوك المركزية الآسيوية التي تشتري أكبر كميات من الدولار في السنوات الأخيرة. ويحتفظ البنك المركزي الصيني باحتياطي أجنبي بالدولار يبلغ 3. 1 تريليون دولار.
ويشمل ذلك كما يقول الخبراء سندات أميركية بقيمة 100 مليار دولار، مضمونة بالرهونات العقارية، رغم أن هذه الأصول انخفضت قيمتها في الفترة الأخيرة. وإذا انخفض سعر الدولار أكثر قد تواجه آسيا المتاعب. ويقول ميهثا بشركة الشحن الهندية إذا خفضنا سعر الفائدة سوف ينخفض سعر الدولار، وهذا يشكّل مصدر قلق كبيراً لشعوب آسيا في الوقت الحالي.
ترجمة: أشرف رفيق
