أكد خبراء اقتصاديون أن التحولات الكبرى، التي يشهدها العالم حالياً في المجال الاقتصادي تستوجب الوقوف طويلاً أمام قضية الفساد الاقتصادي في الوطن العربي، وذلك بابتكار وسائل فعالة لمحاربته وتحريره من هؤلاء خاصة أن ذلك يؤثر بشكل كبير على مستوى أداء الاقتصاديات العربية خاصة والإسلامية عامة.
وأشاروا إلى أن التحول إلى اقتصاد السوق وما يسمى بتيار العولمة، الذي بدأت ملامحه واضحة، وما يفرضه النظام الاقتصادي العالمي الجديد كلها مستجدات تحتمها المنافسة، وهذا بدوره يتطلب قدراً كبيراً من الحذر والأخذ بمعايير موحدة وثنائية وأكثر ثقافة، حتى ينعكس ذلك على التنمية في البلاد العربية والإسلامية. ووفق تقارير اقتصادية تحتاج الدول النامية ومنها الدول العربية والإسلامية بشدة إلى اتخاذ إجراءات وحلول عملية لمواجهة الفساد، الذي تظهر آثاره وأضراره في ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار.
حيث انتشار الرشوة ويقلل من حوافز الاستثمار ويسمح بإرساء العمليات على المؤسسات، وكذلك يؤثر الفساد في المالية العامة سواء من حيث تخصيص الموارد العامة، حينما يوجه الجزء الأكبر منها إلى الإنفاق على احتياجات ذات اعتمادات ضخمة يصعب إحكام الرقابة على الإنفاق عليها وانتشار الرشوة للحصول على الخدمات العامة، مثل الصحة والتعليم يؤدي إلى الخلل في تقديم الخدمات للمحتاجين، هذا فضلاً عن زيادة الإنفاق الحكومي دون مبرر في حالة ترسية المشروعات على مقاولين وموردين بمبالغ باهظة.
يقول د. محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي: إن محاربة الفساد ومظاهره أينما وجدت تأخذ أشكالاً متعددة منها التهرب الضريبي والجمركي من خلال التلاعب في الحسابات أو إخفاء مصادر الدخل وعدم سداد الجمارك بالكامل وغسل الأموال والرشاوى والعمولات والاقتراض من البنوك وتحويلها للخارج وهروب المقترضين والاتجار في السلع الفاسدة والتزوير وأنشطة السوق السوداء كالاتجار في العملات أو احتكار السلع، التي تعاني البلاد نقصاً في المعروض منها.
موضحاً أن ظاهرة الفساد لا ينفرد بها مجتمع بعينه،ولكنها تتزايد في الدول النامية كما أن مداها عريض ومتداخل، في نسيج الحياة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدول، فتتعرض الأموال لجرائم شتى تؤدي إلى إهدارها.
أسباب الفساد
ويشير د. عمر إلى أنه هناك ستة عشر سبباً في رأيه وجدها ملازمة للفساد منها تدني الأجور وإغراءات المال في ظل السماح للشركات الحكومية بالتعامل بدون رقابة مع الوكلاء التجاريين للشركات الأجنبية والتفاوت في توزيع الدخول بين الأفراد في المجتمع، مما يؤدي إلى استهلاك ترفي البعض وارتباط ذلك بشعور الحرمان للآخرين، مما يدفعهم للمحاكاة وارتكاب جرائم وفساد الأخلاق ووجود ثغرات في بعض القوانين ونقص الوعي الاجتماعي واعتبار المال العام مالاً سائباً بلا صاحب ونقص الأنظمة الرقابية الفعالة.
ويؤكد د. رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد أن الفساد الاقتصادي ظاهرة،وكأي ظاهرة فإنها ترتبط ببيئة الفساد الاقتصادي يوجد وينمو في بيئة لها طبيعة خاصة، بل إن أنواع الفساد تعكس بيئات متنوعة أيضاً،ويعيش العالم الآن في ظل العولمة والحديث الكثير عنها لابد أن يصاحبه الذي تبشر به، والنتيجة التي يمكن أن تصل إليها هي أن النظام الرأسمالي، الذي تحاول فرضه العولمة في نهاية القرن العشرين من انفتاح الأسواق أمام شركات محددة سلفاً واحتكارها للسوق.
هو نظام يغيب البعد الاجتماعي على المستوى الداخلي في أي دولة نامية، ونظام يعيد توظيف الموارد الاقتصادية للعالم لخدمة اقتصاديات الدول المتقدمة فقط، وعلي هذا النحو تمثل بيئة تتوافر فيها عناصر مشجعة على الفساد الاقتصادي، وطوال التاريخ الإنساني وجد فساد للقارات والحدود إلا أنه مع العولمة والمعاصرة يوجد فساد تدعمه قوى وتنظيمات بل وترعاه دول.
ويوضح أنه لم يعد خافياً أن العولمة تستهدف بناء مجتمع عالمي مؤسس على نظرية 20 إلى 80 والتي تتضمن 20 من سكان الأرض هم من حقهم أن يمتلكوا، وأن يعملوا وأن يستهلكوا، أما الـ 80 الباقون فكما قال أحد منظري العولمة وهو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، ليمكن السيطرة عليهم بشيء قليل من التغذية المخدرة، والتي تشتمل كل أنواع الفساد والفساد الاقتصادي. ويري أن النظام الرأسمالي يصنع بيئة سهلة للفساد إذا تحكم، فلا تحكمه قوانين تحترم في جوهرها البعد الإنساني.
الجوانب القانونية للمشكلة
سأل د. سيف عبد الفتاح الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية هل الفساد سبب أم نتيجة؟ ويجيب: أخشى أن يكون هناك تسطيح للموضوع عند التعرض للجوانب السياسية والقانونية للفساد الاقتصادي، إذا لم نواجهه بما يردعه من عقوبات باعتباره فقداً للفائض الاقتصادي في دول معينة ومع هذا الفقد لا يمكنها أي تنمية مباشرة أو غير مباشرة خاصة في الدول العربية بخاصة، فنرى لأهمية الموضوع اهتمام الأمم المتحدة به حيث مارست أنشطة في مكافحة الفساد وأصدرت قرارات من شأنها التحكم في الفساد وأنواعه إلا أن غياب أهم القوانين، وهي الأخلاف، ليحد من غلواء الفساد.
يضيف: أنه من شأن الحد من تلك الظاهرة، التي تعد من أهم عوائق التنمية في البلاد العربية بخاصة والبلاد النامية بصفة عامة أهمها التركيز على الإصلاح وعلى تنمية البواعث التراثية التي تسد باب الذرائع إلى الفساد الاقتصادي من خلال التربية الروحية والخلقية والسلوكية حتى نوجد الفرد الصالح أي تنمية الموارد البشرية بصورة جيدة، واختيار القيادات في المواقع الاقتصادية على أساس القيم والكفاءة دون التأثر بالعواطف والنوازع الشخصية والضغوط الوظيفية والنيابية وغيرها وأهمية تحرير أجهزة الرقابة من القيود والضغوط لتؤدي دورها في إطار من الحق والعدل والمساواة والنصرة للمظاليم والأخذ على يد الظالم والعودة إلى محكمة الحسابات كما في تونس والجزائر.
