لكن هل تنتظر عاصمة المال والأعمال العربية الأولى في المنطقة، فرصة تمنح إليها؟ لقد استطاعت دبي، عبر مؤسساتها، وبغضون 18 شهراً، أن تشغل قيادات الأعمال والمال في معاقل الاقتصاد العالمي. فورة عروضاتها الاستثمارية التي استهدفت الشرايين الأكثر حساسية في تلك المعاقل، وأثير جدل كبير حول «العنصر الغريب»، كما سماه بعض الإعلام العالمي في سياق هجومه على نشاط دبي.
وفي الأيام القليلة الماضية، جاء عرض دبي من خلال بورصتها العملاقة للاستحواذ على كبرى أسواق المال الأوروبية بـ 15 مليار دولار، ليكون العنصر المكمّل لثلاثية صفقاتها المليارية الراهنة، على مستوى العالم بعد نجاحها في كسب معركة إدارة موانئ دبي العالمية، وعرضها الذي لم ينته بالهبوط على مدرّجات مطار أوكلاند النيوزلندي.
يذكر تقرير بنك «مورجان ستانلي» الصادر مطلع الشهر الجاري عندما طرح الفكرة متسائلاً «وهل يتوقع من الحكومات الغنية بالاحتياطيات الأجنبية ألا تحرك ساكنا وتترك شركاتها تذهب لأطراف أجنبية خاصة إذا كانت حكومية؟ وقد عرقلت أميركا صفقة موانئ دبي العالمية، كما فعلت قبل ذلك مع تعطيلها صفقة شراء كنوك الصينية لشركة أونوكوك الأميركية للبترول عام 2005»، ويضيف التقرير «لا تقل أوروبا عن الولايات المتحدة الاميركية في «التعصب» في هذا المجال، إذ عارضت فرنسا واسبانيا ولوكسمبورغ محاولة لشراء شركة ميتال الهندية لشركة ارسيلور اللوكسمبورية للصلب.
وهناك تاريخ طويل لفرنسا بالذات في خلط السياسة مع الأعمال على غرار صفقات سابقة كانت تريد إيطاليا من خلالها شركات فرنسية، ولا تبتعد الصين عن المعادلة عندما عرقلت صفقة مجموعة كارلايل الأميركية للسيطرة على شركة شوقونغ الصينية لإنتاج آلات البناء».
إذا دبي ليست وحدها من يعاني، ولكن صفقاتها الضخمة والتوقيت الذي ظهرت فيه هذه الصفقات دفع جميع النائمين للاستيقاظ، ليتذكروا القيمة الاستثمارية الواعدة والمتوافرة في مواردهم، كما حدث في صفقة مطار أوكلاند النيوزلندي، والتي أصبحت بمثابة قضية قومية أدت إلى تكاتف جهود الحكومة وصناديق المعاشات وكبار المستثمرين لتشكيل كونسورتيوم من شأنه تعطيل العرض الذي تقدمت به شركة دبي لصناعات الطائرات.
ولا يحتاج أحد للتذكير بصفقة موانيء دبي العالمية التي بعد فوزها بعرض شراء شركة «بي آند أو» البريطانية بقيمة 8,6 مليارات دولار أو ما يناهز 19 مليار درهم، تحولت قضيتها إلى قضية أمن قومي، إثر احتواء الصفقة على حقوق دبي بإدارة 6 موانئ أميركية ضمن المجموعة، ودفعت بالتالي إلى تفعيل دور النواب الأميركيين في الكونجرس وأوجدت لهم فرصة للاتفاق على قضية ما.
والقصة لا تنتهي هنا، إذ برزت في الآونة الأخيرة قدرة خفية في صفوف المعارضين لهذا النوع من الصفقات بتجنيد وسائل إعلامية تعتبر الأوسع انتشاراً حول العالم، والتي عملت على الدفع باتجاه تكريس قوة تحالفات المعارضة، وتحريك الرأي الرسمي باتجاه معاكس بعيداً عن مفاهيم الحيادية، وخير مثال على ذلك، اصطدام أعضاء مجلس إدارة بورصة دبي، بحسب ما أفاد أحد الشهود على مجريات الصفقة في أروقة ستوكهولم، بصحافيين ومحللين إعلاميين يمثلون وسائل إعلامية تتمتع بالثقل الكافي، والذين حاولوا الدفع باتجاه تقويض موقف دبي ودعم العرض الذي تقدمت به بورصة ناسداك الأميركية بصورة فاضحة ومكشوفة.
ولكن دبي في الوقت ذاته لم تستسلم، إذ تمكنت من الحصول على حصص مؤثرة من خلال ذراعها الاستثماري دبي كابيتال على عدد من المنشئات الحيوية الاقتصادية العالمية، مثل إتش إس بي سي القابضة، وترافيليودج البريطانية، والشركة الأم لعملاقة الطيران إيرباص.
دبي ـ سمير حماد