الكل يتساءل: هل سيصل «تسونامي» أسواق المال العالمية التائهة في بحر الخسائر إلى الأسواق العربية؟ والبعض يربط خوفا أو قلقا أو بسبب تشابه المصطلحات بين السوق العقاري الأميركي وبين السوق العقاري العربي عامة والخليجي بخاصة.
ربما تصعب الإجابة عن ذلك السؤال من دون معرفة مدى علاقات المؤسسات البنكية والمصرفية وحتى المالية في المنطقة بديون الرهونات العقارية الأميركية. ولكن علينا أن نقرأ التداعيات لنتوقع النتائج وحتى الآن تبدو أسواقنا العربية بعيدة كل البعد عن ذلك «التسونامي» المالي فشاشات أسواق المال الإماراتية سجلت الأسبوع الماضي مكاسب متوسطة، في حين ارتقى مؤشر سوق مسقط إلى أعلى مستوياته فيما حقق مؤشر سوق الدوحة 13 نقطة إلا أن البعض ينظر بقلق إلى مؤشر البحرين الذي تقهقر بشكل طفيف.
على أية حال ما حصل في سوق العقارات الأميركية لم يكن مفاجئا للعاملين فيه فالكل كان يراقب المقترضين وهم «يدوخون السبع دوخات» غير قادرين على تسديد قروضهم العقارية ما دفع بالبيت الأبيض إلى تهدئة الوضع بإبلاغ «بأنه من المستبعد أن تمتد مشكلة الرهونات العقارية إلى قطاعات ديون أخرى، مؤكداً أن أساسيات الاقتصاد قوية».
ولكن الأزمة كشفت أن المقترضين في أقوى أسواق العقار العالمي غير مثقفين على هذا الصعيد !! وقد اعترف البيت الأبيض بضرورة حصول المقترضين الذين فشلوا في تسديد المستحقات عليهم، على ثقافة مالية أفضل، وعبر البيت الأبيض عن تعاطفه مع هؤلاء (إننا نتعاطف مع الذين فقدوا منازلهم، لكن العديد منهم قد وقعوا على عقود دون أن يكونوا ملمين إلماماً كافياً بها).!!
تلك الأيام السوداء والمحنة العقارية دفعت (أميركان هوم مورتاج) التي تعتبر أكبر مؤسسة إقراض عقارية، إلى أن تطلب إعلان إفلاسها ولم تنفع «بارشوتات المليارات النقدية» التي أطلقها المصرف المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأميركي والمصرف الكندي في تطييب جراح أسواق المال بقدر ما بقيت تلك الأسواق تنزف بسبب إخفاق قطاع الإقراض العقاري.
وبدأت المشاكل عندما أعادت البنوك هيكلة قروض الرهن العقاري عالي المخاطر، وبيعها على شكل التزامات دين مضمون وأدوات مالية أخرى لبنوك وصناديق استثمار على مستوى العالم. ومع توقف الطلب على هذه الأوراق المالية لم تتمكن البنوك والصناديق من بيعها واضطرت إلى خفض قيمة ما بحوزتها. وأفزع ذلك بدوره المستثمرين وشكل ضغوطا على أسواق الائتمان على مستوى العالم. واستجابت البنوك المركزية بضخ السيولة في أسواق المال لتسهيل التعاملات.
ويرسم تقرير صدر مؤخرا عن وزارة التجارة الأميركية مشهدا قاتما لأنه يعد بمثابة مؤشر على خطط البناء في المستقبل، فقد تراجع إلى أدنى معدلاته في 10 سنوات مما يعكس مزيداً من الضعف في سوق الإسكان الفاترة. كما أن تلك البيانات تسير جنبا إلى جنب مع تقارير أخرى تعكس تراجع ثقة شركات البناء والمقاولات مع الصعوبات المرتبطة بالحصول على قروض عقارية بعد أن شددت البنوك مؤخرا معايير وشروط الإقراض.
وحتى الآن تبدو أسواقنا العقارية في مأمن من تلك التداعيات ولكن يجب أن نتذكر بأن المقترضين في أسواقنا لا يتمتعون بثقافة أعلى من نظرائهم في السوق الأميركي بعد أن ظهروا بأنهم بحاجة إلى «ثقافة مالية» تحميهم من توقيع العقود بدون إلمام بالالتزامات ومعرفة النتائج المترتبة على تلك الإمضاءات السريعة المدفوعة برغبة تحقيق أرباح مالية سريعة من المضاربة بأكثر السلع الاستثمارية طلبا والتي أظهرت الأزمة الجديدة بأنها لم تعد تلك القناة الأكثر أمنا على الصعيد الاستثماري ويبدو أيضاً أن على الراغبين بالاقتراض أن يتريثوا قبل أن يسيل لعابهم أمام عروض بعض المؤسسات المالية المغرية فيفهموا عقود القروض وقبلها أن يتأكدوا من مقدرتهم على السداد حتى لا يصبح شكل التعامل بين المقترض والمصرف كلعبة القط والفأر.
رئيس مجلس إدارة بنيان الدولية