عاود صندوق النقد الدولي تحذيراته من استمرار الاختلال العالمي في النمو، خاصة بين مجموعة من الدول التي يقول عنها إنها باتت تتمتع بفائض مالي كبير، كالدول النفطية والدول الأوروبية والصين، وبين دول أخرى تحتل منزلة متقدمة في الاقتصاد العالمي كالولايات المتحدة.

وأبدى الصندوق خشيته من تعرض الاقتصاد العالمي لعملية تصحيح قاسية وغير منظمة، تؤدي إلى الكثير من الخسائر إذا لم يتم ترشيد هذا الخلل. وجاءت التحذيرات الجديدة للصندوق في بيان أصدره بعد مناقشه مجلسه التنفيذي لتقرير الخبراء حول المشاورات متعددة الأطراف المعنية بالاختلال العالمي في معدلات النمو، والتي ضمت كلا من الصين ومنطقة اليورو واليابان والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

وقال الصندوق إن الدول التي شاركت في الاجتماع دعيت للحضور إما لكونها طرفا مباشرا في الاختلال القائم نظرا للعجز أو الفوائض في حساباتها الجارية، أو لأن إسهامها في الناتج العالمي بالغ الارتفاع ومن ثم يمكنها الإسهام في الحفاظ على النمو العالمي مع تعديل أنماط الطلب والمدخرات.

ولفت الصندوق إلى أن الاختلال العالمي أصبح في تفاقم مستمر طوال خمس سنوات تقريبا قبل بدء المشاورات بسبب عجز الحساب الجاري الخارجي الكبير في الولايات المتحدة والفوائض المقابلة في الحسابات الجارية لدى بلدان أخرى.

وواضح من تلك التصريحات أن صندوق النقد الدولي يريد من دول العالم مجتمعة أن تسهم في تصحيح العجز في ميزان المدفوعات والحساب الجاري الأميركيين، هذا العجز الذي تفاقم وبلغ مستويات قياسية، حيث سجل ميزان المدفوعات الأميركية عجزاً هائلاً خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع النمو وزيادة الاستيراد وارتفاع أسعار النفط

وانعدام ثبات الدولار، وفاق 650 مليار دولار إلا أن الصندوق ينظر للحقيقة بعين واحدة فقط، هي دور دول العالم مجتمعة في تصحيح مسارات النمو العالمية، وهذا صحيح لأن الكارثة الأميركية إذا حلت ستلحق الضرر بالجميع،

إلا أنه لا يذكر شيئا عن مسؤولية الإدارة الأميركية نفسها في تفاقم هذا العجز، خاصة تضاعف النفقات العسكرية والحرب على العراق، وارتفاع الاستيراد مع تخبط الدولار أمام العملات الأجنبية الرئيسية الذي يكلف بدوره دول التعاون المليارات من الدولارات.

وواضح أن صندوق النقد الدولي يستهدف بهذه الضغوط معالجة العجز في الحساب الجاري الأميركي, والذي تفاقم مع تراجع الدولار مع عدد من العملات العالمية وخاصة اليورو واليوان الصيني خلال الأشهر القليلة الماضية. وهو ما يتفق معه الكثير من المحللين الاقتصاديين الخليجيين، خاصة أن تصريحات المسؤولين في صندوق النقد الدولي لا تخفي هذا الهدف.

وفي مقابلة بثتها وكالة »رويترز« مع محسن خان مدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي مؤخرا قال إنه ينبغي لدول الخليج العربية المنتجة للنفط مواصلة الإنفاق لتقليص فوائض ميزان المعاملات الجارية والحد من اختلالات التجارة العالمية رغم ارتفاع التضخم في بعض دول الخليج.

كما حث خان دول الخليج على إنفاق المزيد، وهو ما تفعله الآن، حيث يقول إنهم يقومون بما عليهم للحد من الاختلالات العالمية. بمعنى أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست أحد أهم العاملين على معالجة الاختلالات في الاقتصاد العالمي. أو بمعنى أدق الاقتصاد الأميركي، ولم تفته ملاحظة ..

انه في العادة تستثمر حكومات دول الخليج العربية فوائضها النفطية في أذون الخزانة الأميركية مما يساعد على تمويل إجراءات معالجة العجز التجاري الأميركي. ويضيف ان إجمالي إنفاق وصافي إقراض حكومات الخليج سيرتفع إلى 30٪ من إجمالي الناتج المحلي حتى نهاية عام 2007 بعد أن كان 28.6٪ عام 2006

وستساعد »زيادة الإنفاق« في خفض ميزان المعاملات التجارية الجارية بنحو 27٪ ليصل إلى 129.3 مليار دولار عام 2007 أي ما يوازي 17٪ من إجمالي الناتج المحلي بمعنى أن الناتج المحلي الإجمالي يتوقع أن يصل إلى 752 مليار دولار لدول الخليج العربية.

وفي تصريحات المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي كما يقول احد المحللين الاقتصاديين الخليجيين أكثر من تقديم استشارات لدول مجلس التعاون الخليجي في كيفية تصرفها بما جاءها من فوائض نفطية، حيث إن ما ورد في تلك التصريحات يوحي بالتحذير،

اذ يتوقع صندوق النقد الدولي ان تصل الواردات الخليجية إلى مستوى قياسي هذا العام 2007 لذلك فان على حكومات دول الخليج إنفاق المزيد من إيرادات النفط مما يخفف الضغط على العجز المتفاقم في الميزان التجاري الأميركي (ميزان المدفوعات) وذلك العجز ان تواصل التفاقم فيه سوف يهدد بدوره مدخرات المنطقة المقومة أساساً بالدولار الأميركي.

ولا يخفى على احد كم ان تقلبات سعر صرف الدولار تضر ليس فقط بالمدخرات الخليجية إنما حتى بعقود النفط القصيرة الأجل بل وبالآنية منها، فبين يوم وآخر سواء في آسيا أو في أوروبا وفي بقية دول العالم فإن سعر صرف الدولار الأميركي، وكم هي قيمة الخسائر اذا ما عرف ان معظم عقود النفط تنفذ بالدولار الأميركي.

وكما يقول هذا المحلل من غير الممكن ألا يكون المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي أو أي مسؤول في الصندوق لا يعرف أن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) قادر على التحكم وبنسبة عالية جدا في وقف تدني سعر صرف الدولار متى أراد ذلك.

إذ إن من مصلحة رجل الأعمال الأميركي ان يتعامل بدولار بصرف متدن، كما ان الدولار الاقل صرفا مقابل العملات الرئيسية الأخرى يدفع المستثمر الاوروبي او الآسيوي او اي مستثمر آخر للتوجه إلى السوق الأميركية.

وتلك ايجابيات الدولار ذي سعر الصرف المتدني. ثم ان حالة تدني سعر صرف الدولار كانت حالة ملازمة بشكل دائم لحالة العجز في ميزان المدفوعات الأميركي الذي سجل عجزا أصلا لأسباب لا علاقة لها بالنظام النقدي الأميركي او بالدولار وإنما، ولربما لأسباب غير اقتصادية كالإنفاق على تمويل الحرب على الإرهاب والعمليات العسكرية وانتشار القوات المسلحة الأميركية في 144 دولة في العالم.

ان مضمون تصريحات المسؤول في صندوق النقد الدولي تحمل دلالة واضحة تمثل وجهة نظر الصندوق في توجيه الفائض من رؤوس الأموال التي آلت إلى الدول الخليجية جراء ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات السبع الماضية.

ولم تكن وجهة نظر هذا المسؤول هي الوحيدة في النظر إلى عوائد النفط الخليجية على انها أموال لا تحتاجها دول الخليج وعليها اما إنفاقها او ادخارها في المؤسسات المالية الغربية اذ ان الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية تتطلع إلى صفقات من نوع ما مع دول الخليج تؤول إلى استثمار تلك الفوائض اما مع شركاتها او ادخارها او استثمارها في مشاريع مشتركة،

وهذا ما أعلنت عنه وزيرة الخارجية الأميركية في زيارتها المشتركة مع وزير الدفاع مؤخرا إلى دول المنطقة. اما ان يأتي صندوق النقد الدولي – كما يقول هذا المحلل ـــ فيقترح أسلوبين لسحب الفوائض النفطية من دول الخليج أما بالإنفاق العام او بشراء اذون الخزانة الأميركية، فإن ذلك يعني انه يتحدث نيابة عن مجلس الاحتياطي الاتحادي أو انه مفوض عنه.