تثور تساؤلات حول حقيقة العلاقة بين محتوى العملة وقوتها وكيف لعملة تحتوي على أجزاء متعددة من نظيرتها تكون أضعف منها أو اقل انتشارا، فعلى سبيل المثال أن الدينار الكويتي يعادل 3 دولارات ونصف،
والدينار البحريني يعادل عشرة ريالات سعودية أو عشرة دراهم إماراتية، فهل يعني هذا أن الدينار الكويتي والبحريني أقوى من العملات المذكورة لاحتوائهما على نسبة اكبر عند التحويل؟ وهل يمكن المحافظة على سعر صرف ثابت للعملة للحيلولة دون ارتفاع سعر عملة هذه الدولة؟..
إن الأوراق النقدية المتداولة أصبحت نقودا إلزامية تستمد قوتها من القانون الملزم لها في التعامل وتسوية جميع الالتزامات، فعند إنشاء أي عملة وطنية يجب أن تحدد قيمتها بالدولار الأميركي والذهب، وذلك بمقتضى اتفاقية بريتون وودز، والتي بموجبها أيضا حُدد الدولار بمقدار ثابت يعادل 0,888671 غراما من الذهب الخالص، ولا يجوز أن تتقلب هذه العملات إلا بحدود 2.25% ارتفاعا أو انخفاضا عن السعر المتفق عليه،
إذن نحن أمام قاعدة نقدية منبثقة بموجب اتفاقية دولية تعمل تحت سقف صندوق النقد الدولي، ولا يمكن العدول عنها أو الانفراد بالإصدار إلا في تحديد مكونات الإصدار وغطائه ونسب هذه المكونات تبعا للسياسة الاقتصادية التي تتبعها السلطات العامة والأهداف التي تبتغيها، والتي تتلخص في ثلاثة أمور رئيسة هي: الاستقرار النقدي والتشغيل الشامل والتمويل الإنتاجي.
ويوجد عملات مختلفة في العالم منها القوي (والمقصود بالعملة القوية بشعبيتها على مستوى العالم وليس بقيمتها المادية العالية مقابل العملات الأخرى وهي الحلقة الأقوى) ومنها الضعيف. كما تتفاوت قيمة العملات مقابل العملات الأخرى، ويعد الدولار الأميركي الأكثر شعبية في العالم حالياً،
وهي تحتل المرتبة الأولى في معظم احتياطات العملة الخارجية في خزائن البنوك المركزية ومؤسسات النقد. لهذه العوامل وغيرها اكتسب الدولار شهرته وسط التعاملات المالية العالمية فكما يقال: العملة القوية هي مثال الإلياذة أما العملة الضعيفة فهي مثال الأوديسة،
ويعتبر حجم مناطق العملات مهما جدا؛ فمنطقة العملة الكبيرة لديها قدرة اكبر على حماية نفسها مقارنة بالقدرة التي تمتلكها منطقة العملة الصغيرة، تماما مثلما تستطيع البحيرة الكبيرة أن تمتص صدمة وقوع نيزك بشكل أفضل من البركة الصغيرة، وهذا هو السبب الذي يجعل منطقة العملة الكبيرة تمتلك (سلطة نقدية) أكبر من منطقة العملة الصغيرة،
وحتى عند المقارنة بين دولتين تتمتعان بدرجة متكافئة من الاستقرار النقدي، نجد أن الدولار يتمتع باستقرار اكبر لأنه يعمل في إطار اقتصاد اقل عرضة للصدمات، ويعد حجم الاقتصاد من العوامل المهمة، لأنه يحدد حجم الكتلة النقدية في الدولة المعنية،
ولا تستطيع الدول الكبيرة أن تتوقع تحقيق استقرار نقدي عن طريق تثبيت أسعار صرف عملاتها وربطها بعملات دول صغيرة؛ فمن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع أن تحقق الاستقرار النقدي بتثبيت عملتها مع الدولار الكندي أو البيتزو المكسيكي،
وهما عملتان لاقتصاد دولتين يمثلان على التوالي 12:1، و 20:1 من حجم الاقتصاد الأميركي، ولذلك لا يمكن أن تختار الولايات المتحدة معالجة تقوم على أساس استهداف خيار العملة، وبدلا من ذلك فهي تختار استهداف التضخم المالي( روبرت ماندل: ص 180).
ومن أجل المحافظة على سعر صرف ثابت للعملات لا بد من أن تكون هنالك آلية تعديل تجعل من سعر الصرف سعرا ناتجا عن حالة توازن. إن مجرد قيام سلطة النقد المعنية بشراء العملات الأجنبية وبيعها هو الذي يوفر هذه الآلية التي تخلق التوازن المطلوب، وعندما تتمتع الدولة بفائض في ميزان المدفوعات،
يجب على سلطة النقد المختصة أن تشتري العملة الأجنبية للحيلولة دون ارتفاع سعر عملة هذه الدولة؛ وهذا يؤدي إلى زيادة كمية العملة المحلية المتداولة، ثم إلى زيادة معدلات الإنفاق أو الإقراض ثم تصحيح الفائض.
وبالمثل، عندما يكون لدى الدولة عجز في ميزان المدفوعات، ينبغي على سلطة النقد أن تبيع العملة الأجنبية، وتسحب العملة المحلية من التداول، ومن ثم تحقق تخفيض الإنفاق والإقراض وتصحح العجز، وهكذا فإن عملية التعديل تعمل بشكل آلي ما لم تتم الاستعاضة عنها بعمليات تجميد إجرائية تعني إجراء تغيرات في الاعتمادات الداخلية للحيلولة دون حدوث تغير في الكتلة الاحتياطية من القاعدة النقدية،
وهذا لا يعني أن معدل التضخم على المستوى القومي في دولة قامت بتثبيت عملتها مقابل الدولار الأميركي (مثلا) سيكون مساويا تماما لمعدل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية، فعلى سبيل المثال، كان معدل التضخم في هونج كونج أعلى بصورة ثابتة من نظيره الأميركي بعد تأسيس مجلس النقد في هونج كونج،
ولكن السبب الأهم هو أن المعدلات المرتفعة على نحو متميز لنمو إنتاجية هونج كونج من السلع التي تدخل في التجارة الدولية جعلت رفع أسعار الصرف الحقيقة لعملتها أمرا ضروريا، وبالتالي فإن على معظم الدول الصغيرة إتباع مسار سعر الصرف الثابت للوصول إلى الاستقرار النقدي، فسعر الصرف الثابت الذي يتبع قواعد نظام مجلس النقد مثلا يعتبر أسهل تطبيقا وأكثر استقرارا من غيره.
كاتب ومحلل اقتصادي