يؤكد توسع الصيرفة الإسلامية وامتداد المصارف الإسلامية إلى أغلب دول العالم في الشرق والغرب، وفي الدول الإسلامية وغير الإسلامية، بالإضافة إلى تغطيتها لجميع الخدمات المصرفية في التمويل والاستثمار والودائع، يؤكد نجاح الإستراتيجية المصرفية الإسلامية المتعددة الأهداف التي أعلنها الشيخ صالح كامل في مؤتمر صحافي موسع بالقاهرة في أواخر يونيو الماضي.
إن هذه الإستراتيجية الإسلامية لم تعلن من فراغ ولكنها كانت نتيجة نجاحات قديمة وحديثة أكدتها حصيلة المعاملات الإسلامية المصرفية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، والتي أدت إلى إقبال البشر على اختلاف أديانهم وجنسياتهم على التعامل في المصارف الإسلامية،
وعلى سبيل المثال نشرت أجهزة الإعلام مؤخرا أن العملاء المسيحيين في مناطق عديدة يفضلون فتح حسابات والتعامل مع المصارف الإسلامية وسحب معاملاتهم من البنوك التقليدية، ويعملون ذلك لوضوح التعاملات في العقود التجارية وعدم وجود مشاكل في التمويل والائتمان وذلك في عدد كبير من البنوك الإسلامية بالدول العربية وخاصة في مصر ودول الخليج، وهو ما تم نشره مؤخرا في أكثر من جريدة.
ويؤكد هذه النجاحات ويعززها تصنيف بنك دبي الإسلامي للعام الثاني على التوالي كمركز متقدم في قائمة أسرع البنوك نموا في العالم من حيث رأس المال والاحتياطيات النقدية في قائمة الألف بنك الأوائل في العالم التي تصدرها سنويا مجلة »دي بنكر« التابعة لمؤسسة فينانشيال تايمز العالمية،
حيث صنفت المجلة البنك في عددها الصادر في شهر يوليو الحالي في المركز 223 ضمن الألف بنك، وبالتالي يكون بنك دبي الإسلامي قد حقق قفزة نوعية بانتقاله من المركز رقم 677 في عام 2005 إلى المركز 223 في العام الحالي، وهو ما جعله يحتل المركز الرابع عشر على الصعيد العالمي من حيث الأسرع صعودا في العالم والأسرع نموا في المنطقة العربية.
وهناك أمثلة أخرى عديدة على نجاح الصيرفة الإسلامية على مستوى العالم وامتدادها إلى كافة الدول العربية والأجنبية، وهو ما يؤكد أن الإستراتيجية المصرفية الإسلامية التي دعمها بنك دبي الإسلامي بهذا الفوز الكبير، تسير بنجاح مطرد في تحقيق الأهداف المتعددة المقررة لها خاصة وأنها تتضمن:
• إحياء القيم الأخلاقية في المعاملات المصرفية والتجارية مع نشر الوعي بمفهوم الاقتصاد الإسلامي ونشر اللغة العربية وتحقيق روح التضامن والتكافل بين الدول الإسلامية.
• تطوير حجم تبادل العمالة الإسلامية، وزيادة السياحة البينية، وتطوير مناهج التعليم بما يتوافق مع حاجة سوق العمل ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
• الاهتمام بالدراسات والبحوث وتشجيع الاختراعات والابتكارات مع تطوير صناعة الإعلام بين المسلمين والآخرين وإيجاد الوسائل الحديثة لدعم هذه الصناعة.
• توثيق الصلات في المنظمات الدولية والإقليمية ومتابعة أنشطة هذه المنظمات والاشتراك فيها بمندوبين إسلاميين تابعين لمنظمات إسلامية اقتصادية كبرى.
• تشجيع تبادل الأموال بين الدول الإسلامية لإنشاء المشروعات المشتركة ودعم العمل المصرفي المشترك مع تسوية النزاعات التجارية والصناعية عن طرق التحكيم وبالتحاور بعيدا عن الصدام المسلح.
ولقد أنشئ عدد من الآليات الإسلامية للعمل على تنفيذ هذه الإستراتيجية ومتابعة انجازاتها، من بينها الهيئة العالمية للزكاة، وصندوق الأوقاف، والتأشيرة المفتوحة لرجال الأعمال في الدول الإسلامية، ومؤسسة فرص لتشجيع الاستثمار المباشر بين الدول الإسلامية وهي المؤسسة التي تهدف إلى البحث عن فرص الاستثمار بالدول الإسلامية وعمل دراسات جدوى للمشروعات الاستثمارية التي تتوصل إليها ثم الترويج لهذه المشروعات،
وسيكون لهذه المؤسسة فروع في الدول الإسلامية لمتابعة تنفيذ أهدافها، والمساهمة في تمويل المشروعات المطلوبة عن طريق »بنك إعمار« يتم إنشاؤه على غرار البنك الدولي برأس مال مائة مليار دولار أميركي، وهو بنك إسلامي سيكون له فروع في الدول الإسلامية، وقد تم موافقة 22 دولة إسلامية على إنشاء هذه الآليات وسيبدأ العمل في أغلبها خلال فترة قريبة.
ولقد تم وضع هذه الإستراتيجية المصرفية الإسلامية في ضوء آليات مصرفية سابقة وعن طريق مصارف إسلامية كبيرة وخبراء اقتصاد إسلاميين على مستوى كبير، وذلك لتكون ميثاق للعمل المصرفي الإسلامي وتؤكد نجاحه في دول العالم المختلفة،
وهو العمل الذي كان عليه بعض الملاحظات من الرئيس التنفيذي لبنك الإتحاد الذي يتخذ البحرين مقرا رئيسيا لأعماله، وبالرغم من تأكيده بأن التمويل الإسلامي يعتبر محفزا مثاليا لتنمية العلاقات بين الشرق والغرب وقد أوصلها فعلا إلى مستويات كبيرة من التعاون المصرفي.
ولقد رأيت أن أعرض بعض هذه الملاحظات والتي أبداها سيادته في كلمته بالمنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد مؤخرا بالأردن وأوضح فيها حقائق هامة يمكن تلخيصها فيما يلي:-
1- إن حجم سوق التمويل الإسلامي يقدر حاليا بخمسمائة مليار دولار أميركي، ويأتي ذلك نتيجة لنمو المصارف الإسلامية بمقدار 20% سنويا أي ضعف نسبة النمو في المصارف التقليدية، وأنه من المتوقع أن تنمو صناعة الصيرفة الإسلامية بمقدار ملياري دولار أميركي خلال السنوات الثلاث القادمة.
2- إن الصكوك الإسلامية وبالرغم من أنها لا تزال في مراحلها الأولية، فإنها تعتبر مقومات واعدة للنمو، خاصة وأن حجم بعض إصدارات هذه الصكوك كانت مذهلة إذ بلغت مليارات الدولارات،
وقد استخدمها لتمويل مشروعات تنموية وتوسعية رئيسية في الغرب، علما بأنه ليس من الضروري أن يتم إصدار الصكوك الإسلامية فقط من قبل البنوك الشرق أوسطية (تصدر حاليا من بنوك عديدة في دول خارج المنطقة العربية والإسلامية).
3- إن هناك مؤسسات مصرفية عملاقة باتت تولي اهتماماتها بالتمويل الإسلامي، مشيرا إلى كل من »تشارترد بنك وسيتي جروب واتش أس بي سي« كنماذج للمؤسسات المصرفية الكبرى التي أرست قواعد وخدمات إسلامية،
وإن كان قد ذكر ان المصارف الإسلامية تحتاج بعض الوقت لتتمكن من أداء عملياتها بالنضج الذي بلغته المصارف التقليدية، كما أن الوضع يتطلب إطارا تشريعيا متكاملا وشفافا حتى تتمكن المؤسسات الإسلامية من كسب ثقة المؤسسات الكبرى .
4- إن صناعة المال الإسلامية لا بد من أن توجد لنفسها طرقا جديدة تتميز بها عن صناعة المال التقليدية بتقديم منتجات وخدمات فريدة للعالم أو تركز على جوانب القوة في مجال التمويل الإسلامي،
وهو الذي يأتي من ودائع كبار رجال الأعمال المسلمين وغير المسلمين والذي تزايد بسرعة كبيرة بنسبة نمو تصل إلى الربع سنويا وهي نسبة لم تصل إليها الودائع في البنوك التقليدية، كما أنه من المتوقع أن تصل الودائع الإسلامية إلى نصف تريليون دولار أميركي في 2010.
وأكرر أن البنوك الإسلامية نجحت في اجتذاب الودائع وإرضاء العملاء وتميزت في التمويل التجاري القصير الأجل وفي تمويل مشروعات عملاقة طويلة الأجل، وذلك نتيجة التوسع الكبير في إنشاء المصارف الإسلامية داخل الدول الإسلامية وخارجها،
وهو مايؤكد قيام بعض الدول الأوروبية بحجز أماكن لاستقطاب وإنشاء مؤسسات إسلامية استشارية في صناعة المال الإسلامية، بالإضافة إلى جذب أكثر من 50% من عمليات التمويل في منطقة الخليج حيث يتم التركيز على الديون الإسلامية المدعومة بعمليات التوريق والصكوك القابلة للتداول.
إن هذه الإنجازات في مجال الصيرفة الإسلامية والتي دعمتها الإستراتيجية المصرفية الإسلامية لم تعد مجرد شعارات أو توصيات بل أصبحت حقائق تؤكدها آليات إسلامية في مقدمتها كان بنك دبي الإسلامي الذي انتقل في قائمة الألف بنك الأوائل في العالم إلى المركز 223 خلال سنتين فقط، وفي ضوء نجاحاته المتعددة في مجال التمويل الإسلامي.
كما أنه حقق خلال الستة شهور الأولى من العام الحالي أرباحا قدرها 2.9 مليار درهم بزيادة قدرها 101% عن نفس الفترة من العام الماضي ومن المنتظر أن يكون من المئة بنك الأوائل في العالم خلال السنتين القادمتين.
إن الاقتصاد الإسلامي ينتشر في العالم بسرعة فائقة ويحوز إعجاب أغلب دول العالم المتقدمة والنامية على السواء، لأنه يقوم على الإنسان المؤمن والعمل الجيد،
ويبتعد عن الأساليب الملتوية في كسب الأرزاق والدخول، وهو ما يجعله يَجُبّ الأنظمة الاقتصادية الأخرى سواء أكانت رأسمالية أو اشتراكية، كما أنه يقدم الإسلام أمام العالم بصورته الحقيقية القائمة على العدل والمبادئ الأخلاقية السليمة .. يدعو إلى الخير وينهى عن الشر.
كاتب اقتصادي مصري