أكد اقتصاديون أن إسناد مشروعات البنية التحتية في الوطن العربي للقطاع الخاص يساهم في تخفيف الأعباء عن الحكومات، كما يحقق الكثير من الأهداف المرصودة من وراء إنشاء تلك المشروعات عبر استقطاب القطاع الخاص لإقامة مشروعات بنية تحتية مهمة بنظام التخطيط ثم التملك وأخيرا التشغيل لفترات متفق عليها.
ولكن توقف البعض أمام السلبيات التي تظهر في أداء الشركات الخاصة والتي من بينها الاعتماد على البنوك الوطنية في التمويل ، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة السيولة، بالإضافة إلى أنهم يتركون المشروع بعد فترة التشغيل غير صالح.
ويؤكد د. السيد عطية أستاذ الاقتصاد أن التمويل والتنمية وجهان لعملة واحدة فدون التمويل لن تتحقق التنمية ولهذا كانت حاجة الدول العربية إلى تمويل التنمية حاجة ماسة، وخاصة في ظل محدودية مواردها التي يمكن أن توجهها لتمويل عملية التنمية،
ولهذا طالما بحثت الدول العربية عن العديد من الصيغ التي تمكنها من توفير التمويل اللازم لهذا الإقراض الخارجي تارة والإقراض الداخلي تارة أخرى، ونظام المشاركة في الإنتاج واللجوء إلى صناديق التنمية وأخيراً اللجوء إلى المستثمرين لتمويل مشاريع البنية الأساسية،
حيث تقدر حاجة الدول العربية لتمويل مشاريع البنية الأساسية خلال العشرين عاماً المقبلة بحوالي 250 مليار دولار نصيب الدول الخليجية منها 25 % والتي تقدر ب65 مليار دولار تصل إلى أعلي معدلاتها في دولة الإمارات العربية،
حيث تبلغ حوالي 26 مليار دولار، فالكويت والسعودية لكل منهما 11 مليار دولار ثم دولتا قطر والبحرين لكل منهما 3. 9 مليارات دولار فسلطنة عمان بحوالي 7 مليارات دولار، وتستخدم هذه الأموال في تمويل مشروعات قطاع البتروكيماويات والاتصالات ومطارات وموانئ وتطوير حقول البترول والغاز والمصافي وتوليد الطاقة والمياه.
ويضيف د. عطية أنه سيكون للقطاع الخاص دور كبير في تغطية جزء من هذه المدفوعات، حيث يمكن له المشاركة في إقامة هذه المشروعات عن طريق إعطاء القطاع الخاص حق بناء المشروع وإدارته لفترة زمنية ثم إعادته للدول مرة أخرى،
وقد طبق هذا النظام بالفعل في دول الخليج والمغرب العربي وسوريا ولبنان، ويهدف إلى تخفيف العبء عن الدول في إقامة مشروعات البنية الأساسية الجديدة أو إحلال مشروعات قديمة متهالكة، بالإضافة إلى تدفق رأسمال أجنبي للتوظيف في مشروعات ذات جاذبية مؤكدة للاستثمار وجذب تكنولوجيا أجنبية في تصميمات وتشغيل وتطوير المشروعات وتوظيفها في الدول العربية.
فضلاً عن تخفيف أعباء الدين العام والاقتراض الداخلي والخارجي التي تزداد بتحمل الدولة لمسئولية تنفيذ المشروعات. ويؤكد على ضرورة التوازن بين نوعية المشروع ومستوي كفاءته والعائد المادي الذي توافق عليه الحكومات العربية للمستثمرين فبعض هذه العقود يتناقص فيها هذا العائد مع مرور الفترة الزمنية لحق الانتفاع بالمشروع والبعض الآخر يحصل على عائد ثابت، وقد يرتفع بنسبة التضخم مشيراً إلى ضرورة أن يتناسب الربح مع التكلفة الاستثمارية.
سلبيات عديدة ويقول د. حمدي عبدالعظيم الخبير الاقتصادي: إن مشروعات الـ .د.ش مرتبطة بالخصخصة وتهتم بالاستثمار في مجال البنية الأساسية والطرق السريعة والطاقة ومحطات الكهرباء والمرافق العامة في الدول العربية، وهذه العقود تعطي حق الامتياز للمستثمرين لمدة تتراوح من 30 إلى 50 سنة حسب الاتفاق ويحصل المستثمر على القرض ويقوم بتمليكه وتشغيله خلال فترة الامتياز وبعد انتهاء الفترة يتخلى عن الملكية للحكومة التي تقرر شأن المشروع بعد ذلك..
مشيراً إلى أن هذا النظام يساهم في تخفيف الأعباء عن الموازنة العامة في الدول العربية، لأن مشروعات البنية الأساسية تتكلف مليارات الدولارات ولا تسمح موارد الحكومات العربية بتحمل أعبائها، بالإضافة إلى أنها تعتبر أيضا من عوامل جذب الاستثمار الأجنبي بالخارج ونقل التكنولوجيا المتقدمة إلى الدول العربية واستيعاب أيد عاملة تساهم في علاج مشكلة البطالة.
وأضاف: إن التطبيق العملي لهذا النظام في الدول العربية أسفر عن وجود بعض المشاكل أو السلبيات، التي يجب القضاء عليها وأهمها قيام بعض المستثمرين بالحصول على التمويل اللازم من البنوك مما يساهم في حدوث أزمة سيولة في الدولار الأميركي لدى البنوك المركزية في الدول العربية،
بالإضافة إلى زيادة الواردات من الخارج وزيادة عجز ميزان المدفوعات، كذلك حصول بعض المستثمرين على مزايا إضافية تزيد على المزايا التي أضافها الاقتصاد القومي، مثال ذلك الحصول على مساحات صحراوية كبيرة دون مقابل أو بمقابل رمزي في بعض الحالات،
بالإضافة إلى قصور في تنفيذ بعض المشروعات من الناحية الفنية، بحيث يصبح المشروع مستهلكاً بعد انتهاء فترة الامتياز وتتسلمه الحكومات غير صالح للعمل.. موضحاً أنه للتغلب على هذه المشكلة لابد من وجود ممثل للحكومات العربية أثناء عملية إنشاء المشروع لمراجعة الدراسات الاستشارية ومراقبة تنفيذ المشروع طبقاً للمواصفات المعتمدة.
ويقترح د. عبدالعظيم أن يقوم المستثمر بالتأمين على المشروع ضد أية مخاطر اقتصادية أو غير اقتصادية، حتى يمكن للحكومات العربية أن تتسلم المشروع صالحاً للتنفيذ دون أن تتحمل أية خسائر على أن يلتزم المستثمر بإجراء الصيانة الدورية والموسمية للمشروع وآلاته ومعداته ويتولى مندوب من الحكومات العربية الإشراف على التنفيذ والتأكد من مطابقة الصيانة للمعايير الفنية المطلوبة،
كذلك يجب أن يلتزم المستثمر بالضوابط الموضوعة من قبل الحكومات العربية الخاصة بجودة التشغيل بصفة دورية وعدم التلاعب في كفاءة العمل أو الخدمة وضوابط التسعير التي تراها الحكومات العربية للسلع أو الخدمات التي يقوم بها المستثمر.
أسس تحكم عمليات التمويل والتسويق
يرى أسعد سمعان الخبير المصرفي العربي أن إسناد المشروعات للقطاع الخاص ليس مقصوراً على العقود التي تكون الحكومات العربية طرفاً فيها، وإنما كل من طرفي العقد من القطاع الخاص مشيراً إلى أنها تخدم المنتج من ناحية التسويق والمستهلك لتمويل مشروعه،
وقد طبق هذا النظام في دول الخليج والمغرب العربي وسوريا ولبنان، ففي الجزائر وفي أول استثمار كبير من نوعه خارج قطاع البترول والغاز الجزائري فازت عدة شركات عربية بعقود لإقامة مشروعات تزيد قيمتها على ملياري دولار،
وفي المملكة العربية السعودية اتفقت الحكومة مع أحد المصارف الوطنية للقيام بإنشاء مبان مدرسية يصل عددها إلى 2000 مدرسة في مختلف المدن السعودية وتقوم على نظام التأجير المنتهي بالتملك لمدة تتراوح بين عشر سنوات و15 سنة. ويضيف: من الضروري توافر 6 معايير لاجتذاب المستثمرين للمشروعات وهي معايير سياسية واقتصادية وقانونية ومالية وإدارية
إضافة إلى معيار المخاطرة ويتمثل المعيار السياسي في احترام الوعود والثقة في القرار السياسي والالتزام والاهتمام بالنمو، أما بالنسبة للمعيار القانوني فهو خاص بطول مدة التقاضي والإجراءات والضمانات والثقة في النظام القانوني والقضائي، بينما يتمثل المعيار الاقتصادي في ضرورة أن تطمئن الشركات العالمية إلى قوة الاقتصاد من خلال دراسة الأداء وقياس مدى التقدم والاستقرار الاقتصادي،
أما بالنسبة للمعايير الإدارية فتتمثل في ضرورة تعامل الموظفين مع المستثمرين بدون تعقيد بيروقراطي.. أما بالنسبة لمعيار المخاطرة فيقصد به أنه نظراً لطول مدة المشروع نجد أن المستثمر يبحث عن مدى استقرار العملة واستقرار القوانين وإلا سوف يجمد سعره بهذه المخاطر أو يترك البلد.
القاهرة ـ «البيان»