أظهرت ندوة اقتصادية عقدت في سلطنة عمان أن أهم أسباب ارتفاع الأسعار في المواد الاستهلاكية بالدول العربية تكمن في انعدام السياسة التموينية وغياب ثقافة الاستهلاك وانتشار السلوك الخاطئ في التسوق من خلال الأخذ بما يزيد على الحاجة، وهو ما أفرز النزعة الشرائية الكبرى في مجتمعات نامية يقل فيها حجم الإنتاج الفردي مقارنة مع مجتمعات الدول المتقدمة التي تشهد أرقاماً تزايدية في حجم الإنتاج مقابل الاستهلاك.

أكدت الندوة التي نظمتها الجمعية العمانية لحماية المستهلك على ضرورة إيجاد التوازن في الأسعار وبحث المستهلك عن السلع البديلة وعدم التركيز على منتج أو علامة معينة لتحقيق الاستقرار في الأسعار مشيرة في ذلك إلي أن المستهلك بدورة يساهم في إيجاد التضخم وتمكين بعض التجار من الاستغلال وإظهار الجشع والأساليب الاحتكارية في المواد الاستهلاكية.

وقال رئيس الاتحاد العربي للمستهلك الدكتور محمد عبيدات إن غياب ثقافة الاستهلاك وعدم البحث عن البدائل في السلع الاستهلاكية والأخذ بقدر الاحتياج هي أهم الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار في المواد الاستهلاكية وتمكين التاجر من استغلال المواقف ورفع الأسعار

مشيرا في محاضرته بالندوة إلى ضرورة إيجاد التوازن في الأسعار وضرورة تشكيل لجنة تراقب سير الأسعار في المواد الاستهلاكية الضرورية في الأسواق المحلية وأن تقوم هذه اللجنة بإعداد دراسات ومقارنة للأسعار والوقوف على أهم مسببات رفع الأسعار لمعالجتها من خلال تحديد الخطوات التي يمكن الانطلاق منها لمعالجة الجوانب التي تؤدي إلى رفع الأسعار واستغلال المستهلك وذلك بالتواصل مع الشركات والتجار

وهو ما يعتبر من أنجع السبل لحماية المستهلك والحد من الارتفاع العشوائي والاستغلالي في الأسعار خاصة منها أسعار المواد الاستهلاكية التي تساهم الأسرة فيها بدور كبير من خلال انعدام ثقافة الاستهلاك وعدم الأخذ بقدر الاحتياج الاستهلاكي والضروري.

وأشار الدكتور محمد عبيدات إلى أن غياب السياسة التموينية يساهم بدوره في عدم تحديد ما يجب أن يكون في سلة الغذاء للأسرة وبالتالي ظهور النزعة الشرائية الكبيرة للاستهلاك التي تؤدي إلى زيادة الطلب على السلع ومن ثم زيادة الأسعار، وأكد الدكتور عبيدات في محاضرته أن سلوك التسوق يساهم بدوره في عملية رفع الأسعار وتمكين التجار من استغلال المستهلكين

حيث إنه لو تم الشراء بكميات أقل وبقدر الاحتياج سيساعد ذلك على تجنب الابتزاز الذي يمارسه بعض التجار بهدف تحقيق اكبر قدر من الربح من خلال المبيعات، وغالبا ما يكون المستهلك هو الدافع الرئيسي في ظهور جشع التجار وهنا لابد من التفكير في وجود إستراتيجية البحث عن البدائل من السلع في حال ارتفاع السعر في سلعة معينة يكمن ان تعوض بسلعة أخرى وهو ما سيؤدي إلي وضع التاجر ذلك في الحسبان وبالتالي استقرار الأسعار.

بدوره أكد وكيل وزارة التجارة والصناعة في سلطنة عمان أحمد الميمني على ضرورة الأخذ بثقافة الاستهلاك وتطوير الأسلوب الاستهلاكي وعدم التركيز على علامة معينة في سلعة ما بما يؤدي إلى زيادة الطلب على العرض ومن ثم زيادة الأسعار،

كما يجب على المستهلك أيضا البحث عن البديل في السلع حتى لا يشكل زيادة في الطلب تؤدي إلى زيادة السعر حيث إن ندرة الشيء تزيد في سعره، مشيرا إلى تقصير بعض التجار من خلال التركيز على السلع التي يزيد عليها الطلب والابتعاد عن توفير المواد التي تعد بديلة بالنسبة للمستهلك.

من جانبه شدد رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية لحماية المستهلك الشيخ سعيد الخصيبي على أن أوجه التعاون بين حماية المستهلك والتجار والموزعين لابد أن تكون أكثر واقعية وشفافية في تحليل الظواهر والمعطيات والأسباب المؤدية لارتفاع السلع الاستهلاكية والمنتجات الخدمية، وهذه الشفافية يتحملها الأفراد والمؤسسات والهيئات المعنية بضبط العلاقة بين التاجر والمستهلك.

وأكد على أهمية دور ومسؤولية الهيئات والمنظمات والجمعيات القانونية والمدنية التي ترعى مصالح طرفي العلاقة (التاجر والمستهلك)، وتتولى تنظيم العلاقة بينهما خصوصا في عصر نشهد فيه تحولات اقتصادية ومتغيرات اجتماعية حساسة، وقد أدت هذه المتغيرات إلى تحديات معيشية أصبحت تثير هلع المستهلك وتربك التزامات التاجر على حد سواء،

ومن ثم فإن الاستهلاك في مضمونة التسويقي يشكل عنصرا فاعلا في حركة التجارة والاقتصاد، فليس هناك إنتاج منتظم بدون استهلاك منتظم، والتسويق هو المحرك الرئيسي لانتظام واستمرارية الاستهلاك والإنتاج ولابد ان تنسجم المعايير الأخلاقية للتسويق مع المصالح الاستثمارية للإنتاج من اجل إبقاء العلاقة وطيدة ومتحركة بين المستهلك والتاجر،

وبما ان التطور التكنولوجي والعلمي ساهم في توفير أدوات إعلامية متقدمة وحاضرة ومؤثرة في ثقافة الجمهور فإن تطوير هذه الأدوات الإعلامية بشكل إيجابي سوف يساهم في التقليل من الآثار السلبية لسياسات الاحتكار والامتياز التي تخترق قوانين الحماية والرعاية، الأمر الذي ينعكس سلباً على العلاقة بين حماية وتعاون التاجر.

وأشار الخصيبي إلى أن التجارب الاقتصادية أثبتت في أوقات الأزمات والمتغيرات أن القيم العاطفية لها دور محدود في الحد من التجاوزات التي تمس الحقوق والالتزامات، باعتبار أن الأفراد يصنعون قراراً ظرفياً وعلاجاً مؤقتاً بحكم فطرتهم وعفويتهم لعلاج مشاكل مثل ارتفاع الأسعار وغيرها، وان هذه المبادرات العاطفية وان كانت رائعة في قوة انطلاقها ونقاء سريرتها

إلا أنها لا تصمد إمام قيم أخرى تشوبها دوافع غريزية كالجشع والطمع واللا مسؤولية مما يؤدي لتهميش مبادئ وقيم حماية المستهلك وإصابتها بالشلل والخلل، وان تأسيس علاقة ايجابية متوازنة تقوم على الثقة المتبادلة والشفافية سوف يحقق المعادلة الصعبة التي يتمناها ويسعى إليها الجميع،

وهي تعاون وثيق وصادق بين احتياجات المستهلك وجهود التاجر والتزامات الموزع، وعليه فإن أصحاب الأعمال والمستثمرين والتجار والموزعين بحاجة للمزيد من الإنتاج والتشاور والتفاهم مع جمعيات حماية المستهلك ودوائر القرار الحكومية لضبط الارتفاع في الأسعار والخدمات، لأن هذا الانفتاح سوف ينشئ علاقة متوازنة تحترم مصالح جميع الإطراف،

وفي هذا الإطار أود أن أشير إلى أن خلق بيئة استهلاكية لدعم أفكار إنتاجية وتسويقية أبداعية باتفاق أطراف السوق من مصنعين ومنتجين وتجار وموزعين ومستهلكين ومراقبين يحتاج إلى تطبيق أعمق والتزام أصدق بالسياسات التسعيرية حتى لا تتأذى العلاقة بين المستهلك والتاجر وتكون الضحية فيها جمعيات حماية المستهلك.

دور فعال لجمعيات حماية المستهلك

أجمع المشاركون في الندوة على ان استمرار جمعيات حماية المستهلك واجتهادها الدءوب في وضع حلول توفيقية ووسطية هو من اجل الحد من استفحال مشاكل السوق وتقلباته ولذلك نحن بحاجة إلى الإعلام ليمارس دورا اقتصاديا يتجاوز دوره التقليدي الإعلامي في نقل الخبر حتى نتجنب إثارة ذعر المستهلكين وتصعيد مخاوفهم في مواجهة ارتفاع شرس في الأسعار والخدمات تسود فيه نظرية العرض والطلب التي لم تنصف العرض بجودته وكفاءته ولا أنصفت الطلب برغبته وإمكانياته.

كما أجمعوا على ضرورة إنشاء لجان تشرف عليها وزارات التجارة والصناعة لمراقبة الأسعار في الأسواق وتفعيل دور هذه اللجان للحد من عملية ارتفاع الأسعار وإيجاد الحماية الحقيقية للمستهلك الذي دوما ما يكون الضحية بين شركات الإنتاج والتوزيع وجشع بعض التجار. كما طالب المشاركون بإيجاد فروع أو لجان تابعة للجمعية العمانية لحماية المستهلك في جميع المحافظات والمناطق لتأكيد دورها في حماية المستهلك وعدم التركيز على مركز معين.

مسقط ـ علي البادي