يراهن المسؤولون في بورصة دبي للذهب والسلع على النجاح المؤكد لعقود قضبان الصلب الآجلة التي تخطط لطرحها للتداول، وينهض هذا الرهان في رأي جون شورت المدير تنفيذي للفولاذ والمعادن الأساسية في مركز دبي للسلع المتعددة على واقع يزخر باستيفاء كافة الشروط والمقومات التي تكفل نجاحها، حيث ستؤسس هذه العقود آلية عالمية في تسعير الصلب، مما سيملأ فراغا لم تتمكن أي بورصة من البورصات العالمية من شغله حتى الآن.

وسيساعد في الوقت ذاته في تمكين منتجي ومستهلكي الصلب على حد سواء من التحوط ضد مخاطر تقلبات الأسعار في أسواق الصلب العالمية والتي تنطوي على تأثيرات بالنسبة للطفرة العقارية والإنشائية التي تشهدها منطقة الخليج ، وما يتبعها من تأثيرات على اقتصاديات دولها وترتكز مقومات النجاح على حالة ازدهار النشاط العقاري في منطقة الخليج والمدعوم بتحقيق الدول الخليجية فوائض مالية ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، وما رافق ذلك من تصاعد للطلب على منتجات الصلب،

فضلا عن ازدهار صناعة الحديد والصلب على المستويين الخليجي والعربي، وهو ما يؤمن سوقا مزدهرا للمتاجرة المادية على منتجات الصلب، ويكفل في الوقت نفسه تسليم الكميات المتضمنة في العقود والتي تبلغ 10 أطنان للعقد الواحد.

ويمتلك عقد الصلب الآجل المخطط إطلاقه في بورصة دبي للذهب والسلع في رأي جون شورت المدير التنفيذي للفولاذ والمعادن الأساسية في مركز دبي للسلع المتعددة كافة الشروط والمقومات التي تكفل نجاحه.

وتابع شارحا أنه ربما لا تعمل التعاملات الآجلة على الصلب بشكل كفء في بعض الأسواق كالهند والصين، وذلك بسبب التدخل الحكومي على مستويات مختلفة في تحديد الأسعار، ولكن يسعى التداول في بورصة دبي للذهب والسلع إلى أن يكون محصنا ومستقلا إزاء كافة هذه الاعتبارات.

بورصات الهند والصين

ويذكر في هذه المناسبة أن جون شورت يتولى عملية التطوير وإطلاق عقود قضبان الصلب، وتوطيد علاقات متينة بين المركز وقطاع الفولاذ والمعادن الأساسية. وتقديم الأفكار الإبداعية التي تعزز نمو قطاع أعمال الفولاذ في دبي، وقبل انضمامه إلى «مركز دبي للسلع المتعددة»، شغل شورت منصب مدير الاستراتيجية والمشاريع في دوفيركو بارتيسبيشن هولدينجز»( Duferco Participation Holdings)، الشركة الأم ل«دوفيركو» التي تتخذ من سويسراً مقراً لها

، وأكبر مجموعة في مجال إنتاج وتجارة الفولاذ في العالم. كما عمل في السابق رئيساً لأعمال الفولاذ العالمية في «ستاندرد بنك لندن المحدودة» ( Standard Bank London Limited)، ومديراً عاماً لعمليات «ستيمكور»( Stemcor) في منطقة الشرق الأوسط؛ ومديراً منتدباً لشركة «ستيمكور للمشاريع والعقود» (Stemcor Projects and Contracts).

وشورت، الذي يحمل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة أكسفورد، هو أيضاً شريك مؤسس في «ستيل ديريفاتيفز» (Steel Derivatives)، شركة الاستشارات التي تتخذ من دبي مقراً لها وتقدم خدمات إدارة مخاطر الأسعار للعديد من العملاء في قطاع إنتاج الفولاذ حول العالم.

وعلى الرغم من امتلاك كل من الهند والصين بورصات يجري فيها التداول على عقود الصلب الآجلة، إلا أن هذه البورصات تخدم فقط الأسواق المحلية للدولتين، ويقتصر التداول فيها على الشركات المحلية، والتالي، فإن الأسعار تعكس ظروف الطلب والعرض المحليين،

في حين سيكون التداول في بورصة دبي للذهب والسلع متاحا لكافة الشركات الدولية، كما أن سعر حديد التسليح في بورصة دبي للذهب والسلع سيكون ملائما في تحديد سعر منتجات الصلب الطويلة والمسطحة بالأسواق الآسيوية والأوروبية، وذلك بحكم التدفق التجاري لهذه المنتجات على دبي، الأمر الذي يجعل العقد آلية ملائمة لاستكشاف السعر على المستويين الإقليمي والدولي.

تقلبات الأسعار

وستعكس تحركات أسعار عقد قضبان الصلب الآجل في بورصة دبي للذهب والسلع تحركات الأسعار في الأسواق الإقليمية كأبوظبي ومسقط والكويت وإيران، وتتيح العلاقات الارتباطية بين أسواق الصلب في دبي ومثيلتها في الأسواق الإقليمية مجالا للتحوط ضد المخاطر والذي يعمل بشكل كفء عندما يكون هناك تطابق في الأسعار بين السوقين المادي والآجل خلال المستقبل القريب،

وبالتالي، يكون في مقدور المشاركين في السوق الاستفادة من خلال تنفيذ صفقات قائمة على المراجحة بين أسعار التعاملات الآجلة والفورية في الأسواق المادية. وبمقدور التجار والمصنعين والمستهلكين الاستمرار في تنفيذ صفقات المتاجرة على الصلب في الأسواق المادية، حيث إن سوق التعاملات الآجلة يعد مكملا للأسواق المادية وليس بديلا له.

وتظهر أهمية عقود دبي الآجلة للصلب في ضوء التقلبات الحالية التي تشهدها أسواق الصلب في العالم، والتي تعزز الحاجة لدى المستهلكين والمنتجين لتأسيس آلية للتحوط ضد مخاطر تقلبات الأسعار، إذ إن حالة استقرار الأسعار التي شهدتها الأسواق خلال العامين الماضيين، بدأت في التغير نتيجة لتحول الصين إلى مصدر صاف للصلب.

إذ يعتمد منتجو الصلب في منطقة الخليج على استيراد الحديد الخام من الصين والهند وتركيا، وبالتالي، تأتي قضية الأسعار في مقدمة اهتماماتهم، ويلجأ المنتجون إلى التحوط من مخاطر الأسعار من خلال تنويع المنتجات الوسيطة، حيث يستخدم البعض منهم قضبان الحديد، ويستخدم البعض الآخر خردة الحديد.

ويشير هنا محللون إلى أن أسعار الصلب تميزت بالقوة حتى منتصف عام 2006، واستمدت هذه القوة جزئيا من ازدهار الطلب المحلي، فضلا عن عوامل أخرى مرتبطة بالسوق العالمي والتي برز في صدارتها تشدد إمدادات الصلب نتيجة للتوقفات الطارئة في العمليات الإنتاجية في مصانع الصلب في دول أميركا الشمالية والبرازيل،

وقاد هذا الازدهار في الطلب إلى صعود ضخم في الأسعار خلال عام 2005، حيث قفزت بنسبة 30 % خلال النصف الأول من العام المذكور، وأدى كذلك التصاعد الحاصل في أسعار المواد الخام إلى ارتفاع أسعار الصلب، إذ صعد سعر الحديد الخام خلال عام 2005 بنسبة 19 %، ومن المتوقع ـ بحسب بعض التقديرات ـ أن يكون قد صعد بنسبة 10 % خلال عام 2006.

وظهرت المخاوف من صادرات الصلب الصينية بشكل واضح في عدد من المناطق في العالم، حيث عبّرت مجموعات صناعة الصلب في دول أميركا الشمالية ودول أميركا اللاتينية ومناطق أخرى عن قلقها من تزايد حجم الصادرات الصينية من الصلب، والتي أطلق حولها مزاعم أو ادعاءات تركز على كون صناعة الصلب تعتبر صناعة مدعومة مما يجعلها قادرة على الدخول في تنافس غير عادل.

وهكذا، تعتبر الأسعار المتقلبة للصلب أحد الهواجس التي تشغل اهتمامات قطاعات الأعمال والمستهلكين ومستثمري العقارات، حيث يخيم عدم استقرار الإمدادات والأسعار على أجندات تنفيذ المشروعات، ويقود في بعض الأحيان إلى تأخيرات في إنجازها،

وتعمل بورصة دبي للذهب والسلع على التخفيف من وطأة هذه المشكلة من خلال تخطيطها لإطلاق عقود الصلب والتي من المتوقع أن توفر أدوات لإدارة السعر والتي تحتاجها الأسواق بشدة سواء بالنسبة للصناعة أو المستهلكين أنفسهم. وتعد عقود الصلب الآجلة واحدة من أربعة عقود آجلة تستهدف سلسلة إمدادات الصلب، وسوف تركز في المقام الأول على أسواق الصلب الإقليمية.

صناديق التحوط

علاوة على ما سبق، سيتيح العقد لصناديق التحوط إمكانية الاستفادة من مزايا التعاملات الآجلة حتى لو كانت منتجاتهم من الصلب مختلفة عن العقد المتداول في بورصة دبي للذهب والسلع، وتختلف في سوق المتاجرة المادية على منتجات الصلب أسعار منتج عن آخر، ولكن بالإمكان الاستعانة بأسعار عقد قضبان الصلب المتداول في البورصة في تحديد أسعار منتجات الصلب الأخرى عن طريق الخصم أو الإضافة.

وقال كولين جريفث رئيس بورصة دبي للذهب والسلع إنه جرى وضع تفاصيل العقد بما ينسجم مع احتياجات الصناعة، وسوف يعالج أوجه القلق المثارة في الصناعة على نحو كفء وفعال، مشيرا إلى أن بورصة دبي للذهب ليست مجرد ساحة للتداول مثلها مثل البورصات الأخرى، ولكنها مؤسسة ملتزمة بلعب دور رائد في الأسواق المحلية والإقليمية، وذلك بما يخدم كافة اللاعبين في السوق.

وتابع حديثه قائلاً: إن أسعار التعاملات الآجلة في البورصة سوف يجري بثها على مدار الوقت، وذلك على نحو يجعلها آلية مرجعية في تحديد أسعار الصلب لمختلف اللاعبين في السوق، كما أنها سوف تفيد في التغلب على المخاطرة المرتبطة بالطرف الآخر، بالنظر قيام شركة دبي لمقاصة السلع التابعة لبورصة دبي للذهب والسلع بعمليات المقاصة والتسوية، الأمر الذي يعد بمثابة ضمانة للصفقات التي يجري إبرامها في البورصة.

الطفرة العقارية

ومع الطفرة غير المسبوقة في مجال الإنشاءات ومشروعات البنية التحتية، يشهد سوق قضبان الصلب نموا ضخما في الشرق الأوسط، وتشير التقديرات أن هذا السوق يستحوذ على 20 % من إجمالي الطلب العالمي على قضبان الصلب، وتستأثر دول مجلس التعاون الخليجي على ثلث هذه النسبة، بكمية تبلغ 12 مليون طن متري سنويا، ومن المتوقع أن ينمو طلب دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 9% سنويا حتى حلول عام 2010،

وذلك بالمقارنة مع معدل نمو عالمي يبلغ 3 % سنويا. وتعتبر منطقة الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة في العالم خارج السوق الصيني التي تشهد معدلات نمو على صعيدي الاستهلاك والإنتاج تتجاوز نسبة 5 %، وعلى مدى العقد الماضي، تضاعف الإنتاج ثلاث مرات ليصل إلى 20 مليون طن متري سنويا،

ويستحوذ حديد التسليح على ثلثي هذه الكمية، ولكن تستورد المنطقة سنويا 10 ملايين طن متري أخرى، تستحوذ منها الإمارات على كمية مقدارها 3 ملايين طن متري، ومن المقدر أن يتجاوز حجم السوق في الشرق الأوسط كمية تتراوح بين 25 إلى 30 مليون طن بحلول نهاية العقد الحالي، وهو ما يؤسس سوقا للتداول المادي تتراوح قيمته بين 12 إلى 15 مليار دولار.

وتشير الأرقام التي تحققت على مستوى دول الاتحاد العربي للحديد والصلب في مجالي الإنتاج والاستهلاك للمنتجات النهائية خلال السنوات الخمس الماضية إلى معدلات نمو عالية كانت هي الأعلى بعد الصين، حيث بلغ معدل النمو السنوي في مجال المنتجات النهائية خلال الفترة ما بين 2000 ـ 2005 (87. 8%)، كما حقق معدل نمو الاستهلاك خلال نفس الفترة رقماً تجاوز (36. 8%).

ولقد عزز الطلب المتزايد في الأسواق المحلية، ووجود فرص للتصدير إلى الأسواق العالمية من التوجهات الجديدة لرؤوس الأموال العربية للدخول في إقامة مشاريع جديدة للصلب بعضها أخذ بعين الاعتبار بشكل رئيسي الاتجاه نحو التصدير، وبعضها الآخر يرى في نمو الطلب في السوق المحلية مبرراً كافياً لإقامة مشاريع جديدة، وذلك في ضوء وجود وفرة مالية في المنطقة نجمت بشكل رئيسي عن تحسن أسعار النفط، الأمر الذي دفع إلى البحث عن مجالات للاستثمار.

ازدهار الصناعة

ويأتي ازدهار صناعة الحديد والصلب في الدولة في صدارة العوامل الداعمة لعقود الصلب الآجلة، حيث تم خلال العامين المنصرمين إطلاق العديد من مشروعات الصلب لتلبية الطلب المتصاعد، وتفيد التقديرات أنه من المتوقع أن تبلغ الطاقة الإنتاجية للمشروعات الجديدة حوالي 4 ملايين طن سنويا من الصلب،

أغلبها من قضبان حديد التسليح والمنتجات الطويلة والاستثناء هو مشروع الغرير للحديد والصلب الذي سينتج المنتجات المسطحة. لتغطية احتياجات السوق من حديد التسليح، حيث تزايد استهلاك حديد التسليح ووصل حسب بعض التقديرات إلى حوالي 3 ملايين طن سنة في عام 2005.

وهكذا، تتوافر المقومات الداعمة لإطلاق عقود الصلب الآجلة سواء من حيث وجود طلب متصاعد على منتجات الصلب المدفوع بازدهار الطفرة العقارية، أو من حيث وجود صناعة صلب مزدهرة على مستوى الدولة أو على المستوى العربي بشكل عام،

وما يواكب ذلك من توافر مقومات تكفل تسليم الكميات المتضمنة في العقود، أو من حيث اتسام أسواق الصلب العالمية بالتقلب، مما يعزز الحاجة لدى المشاركين في السوق لإطلاق آلية تسعير تمكنهم من التحوط ضد مخاطر تقلبات الأسعار.

دبي ـ مجدي عبيد