أظهرت دراسة جديدة أجرتها جامعة ديوك وشركة بوز ألن هاملتون للاستشارات الإدارية، أن الشركات تعمل بصورة متزايدة على نقل وحداتها الوظيفية المتطوّرة وذات المهام الدقيقة كتصميم الإنتاج والبحوث والتطوير إلى كلّ من الصين والهند وغيرها من الأماكن التي توفر خدمات التعهيد. والسبب الأول لذلك يعود إلى قدرة هذه البلدان على تأمين قوى عاملة تتمتّع بمهارات عالية في العلوم والهندسة والتي لا تتوفّر بكثافة في الولايات المتحدة وأوروبا.

وعلى الرغم من أنّ الشركات ما زالت تنقل إلى الخارج مزيداً من الأعمال التي تتطلّب مهارات عالية، يتزايد قلقها حيال فقدان المراقبة الإدارية التي تترافق مع عملية تعهيد الوحدات الوظيفية المرتبطة بشكل وثيق بعملها الرئيسي. ودراسة ديوك سايبر/ بوز ألن هاملتون للعام 2006 التي تعنى بالاوفشور (نقل العمليات إلى الخارج) هي الثالثة ضمن مجموعة سنوية من الدراسات، أطلقتها شبكة البحوث الخاصة بالاوفشور تحت إشراف البروفسور آري ي. لوين من كلية فوكا للأعمال في جامعة ديوك. وقد أجرت جامعة ديوك بالتعاون مع شركة أركستون للاستشارات الدراستين الأوليين في عامي 2004 و2005.

أما الدراسة التي أجرتها جامعة ديوك مع شركة بوز ألن هاملتون في عام 2006، فتتسّم برؤية شاملة للعناصر الاستراتيجية التي تدفع الشركات إلى اتخاذ قرار بنقل عملياتها إلى الخارج. كما تبحث في نماذج التسليم التشغيلية في الخارج ونتائج الأداء الناجمة عن الجهود المتنوّعة التي بذلتها هذه الشركات. وقد تناولت دراسة العام 2006، 530 شركة من الولايات المتحدة وأوروبا على السواء، عبر شراكات أبرمت مع جامعات في المملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا والدول الاسكندنافية.

وتتضمّن الدراسة الاستنتاجات الرئيسية التالية:

على الصعيد العالمي، تحلّ الحاجة إلى تعهيد المواهب مكان العمالة ذات المهارات المتواضعة والتكلفة المنخفضة كعامل حاسم في استراتيجية الشركات لنقل عملياتها إلى الخارج. ويفيد ما نسبته ثلاثة أرباع الشركات التي تنشئ مراكز لتوسيع نشاط إنتاجها وتطويره في الخارج بأنّ «الوصول إلى القوى العاملة المؤهلة» هو أهم محرّك لاستراتيجية الشركات الرامية إلى نقل عملياتها إلى الخارج.

كما أنّ 70% تقريباً من الشركات التي شملتها الدراسة تختار موقعها الجديد في الخارج على أساس توفّر الخبرات المطلوبة. وقد ازداد التوجّه نحو «توفر القوى العاملة المؤهلة» بصورة لافتة (بنسبة 70% خلال السنتين الماضيتين) كونه سببا رئيسيا لإنشاء مراكز لتوسيع نشاط الإنتاج وتطويره في الخارج.

وأشار مدير ديوك/ سايبر (مركز التعليم وبحوث الأعمال الدولية) والمحقق الرئيسي في شبكة البحوث الخاصة بالاوفشور إلى أنّ «الشركات في الاقتصادات المتقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا لا تستطيع محلياً ايجاد المواهب ذات المهارات العالية التي تحتاج إليها للمحافظة على استراتيجياتها الخاصة بالنمو والابتكار.

لذلك، تعمل الشركات العملاقة على تطوير سبل جديدة لتعهيد المهارات وإدارتها على الصعيد العالمي، فتتجه إلى الصين والهند وبلدان أخرى في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية بحثاً عن المواهب ذات المهارات العالية.

و«تنقل الشركات عملياتها إلى الخارج لأنّها لا تتوفر في بلد المنشأ؛ فتوجهها هذا هو ردة فعل على الانخفاض المستمر في عدد الخريجين الذي يحملون شهادات عالية في الهندسة والعلوم ولاسيما في ظل انخفاض نسبة منح تأشيرات العمل السنوية الأميركية من نوع H1b. وأشارت التقديرات إلى حاجة الشركات في العام الماضي إلى 50000 خريج من حاملي شهادات الماجستير والدكتوراه».

ولم تكن منطقة الشرق الأوسط مركز استقطاب للعمليات المنقولة والمعهدة بفعل التكلفة النسبية العالية للقوى العاملة والوصول المحدود إلى المواهب المؤهلة. غير أنّ الأمور بدأت ببطء تتخذ منحى آخر مع التدفق الكبير للمواهب المؤهلة إلى المنطقة ولاسيما إلى الخليج، نظراً إلى النمو الاقتصادي الهائل التي تشهده هذه المنطقة، وارتفاع مستوى المعيشة فيها والنظام الضريبي الملائم.

وأدّت هذه التوجّهات إلى بروز مراكز استقطاب لنقل العمليات إلى الشرق الأوسط، خصوصاً منطقة دبي للتعهيد التي تعتبر خير مثال على ذلك. ومنذ إطلاقها في عام 2005 تمكّنت منطقة دبي للتعهيد من اجتذاب أكثر من 70 شركة، وهي تسعى الآن إلى رفع هذا العدد حتى أربع مرات أكثر خلال السنوات الخمس المقبلة.

خلافاً للمعتقدات السائدة، لا يؤدي نقل الوظائف ذات القيمة العالية إلى خسارة ملحوظة في فرص العمل المتوفرة في بلد المنشأ، إنما إلى المزيد من فرص العمل الصافية الجديدة على مستوى العالم. ففي الولايات المتحدة، أدّت المشاريع الخاصة بالاوفشور التي تتطلّب وحدات وظيفية «ذات مهارات عالية» كالبحوث والتطوير، والبيع والتسويق، وتصميم المنتجات والهندسة، إلى استحداث ما معدّله وظيفة واحدة لكل مشروع.

من ناحية أخرى، يبلغ معدّل خسارة الوظائف المحلية ضمن الوحدات الإدارية 23 وظيفة لكل مشروع يتم نقله إلى الخارج. اعتبر فيناي كوتو نائب رئيس في بوز ألن هاملتون، «أنّ منطقاً جديداً يحرّك عملية صنع القرار، حيث إن نقل العمليات إلى الخارج يستلزم مزيداً من القوى العاملة ذات المهارات العالية. لم تعد المسألة تقتصر على قوى عاملة محدودة المهارات، بل باتت ترتكز أكثر فأكثر على مبدأ الوصول إلى معاقل جديدة للمواهب ذات المهارات العالية».

وتتحوّل المخاوف حيال نقل العمليات إلى الخارج من العوامل الخارجية كتدهور الوضع السياسي، إلى العوامل الداخلية كفقدان المراقبة الإدارية والوقع على الفعالية التشغيلية. اعتبر 48% من الشركات أنّ مسألة «فقدان المراقبة الإدارية» تشكّل خطراً رئيسياً ناجماً عن نقل العمليات إلى الخارج، ما أظهر زيادة بنسبة 30% مقارنة بنتائج عام 2005.

في المقابل، انخفضت نسبة الشركات التي تعتبر «تدهور الوضع السياسي» و«انعدام الاستقرار السياسي» خطرين ولا بد من التوقف عندهما، إذ وصفت 22% فقط من الشركات التي شملتها الدراسة هذين العاملين «بالمهمين» أو «المهمين جداً». عموماً، أبدت الشركات قلقاً متزايداً حيال قدرتها على إدارة نشاطاتها الخارجية، فيما تقلّصت مخاوفها حيال الاختلافات الثقافية التي بلغت نسباً عالية جداً في الدراسات التي أجريت خلال عامي 2004 و2005 بنسبة 50%.

من جهته، لفت ربيع أبو شقرا وهو مدير في بوز ألن هاملتون إلى أنّ «العديد من الشركات تبذل جهوداً حثيثة لإعادة تصميم هياكلها التنظيمية وتنفيذ إجراءات رامية إلى مساندة نقل العمليات إلى الخارج. فغالباً ما يكون العائق أمام نقل العمليات إلى الخارج داخل الشركة وليس خارجها».

لا تزال الهند الوجهة المفضّلة لنقل العمليات. فيما تركّز معظم الدراسات الصادرة أخيراً على الصين كونها الوجهة المفضّلة إلى جانب الهند، وتؤكّد البحوث أنّ الهند ما زالت الموقع المفضّل على الإطلاق في العالم في هذا الإطار. إلاّ أنّ الصين تبرز كوجهة مهمة في مجال الهندسة وتطوير نشاط الإنتاج وتنفيذ العمليات التجارية، إذ يزداد عدد الشركات التي تنشئ فروعاً إضافية للمجموعات الهندسية هناك إلى جانب عمليات التصنيع. وبصورة مشابهة، تستقطب الفلبين بشكل متزايد الأعمال الإدارية ومراكز الاتصال.

وفي الوقت الذي تظل فيه الهند الوجهة المفضلة للشركات الأميركية، تفضّل الشركات الألمانية أوروبا الشرقية. وقد اختار 42% من الشركات الأميركية الهند لنقل العمليات، مقارنة مع 15% من الشركات الألمانية. وفي الوقت عينه، اختار 24% من الشركات الألمانية أوروبا الشرقية لنقل العمليات، مقارنة مع 7% فقط من الشركات الأميركية.

ترى الشركات الأوروبية في الاختلافات الثقافية خطراً يهدد نقل العمليات إلى الخارج، فيما تتركّز مخاوف الشركات الأميركية بشكل رئيسي على جودة الخدمة. فقد اعتبر 38% من الشركات الأوروبية التي شملتها الدراسة أنّ الاختلافات الثقافية تمثّل خطراً جدياً مقارنة مع 28% من الشركات الأميركية. في المقابل، أشار 68% من الشركات الأميركية التي شملتها الدراسة إلى أنّ جودة الخدمة تشكّل مصدر قلق رئيسيا في هذا السياق، مقارنة مع 39% من الشركات الأوروبية.

يستخدم نقل العمليات إلى الخارج كأداة لتسريع إطلاق المنتجات والمشاريع في الأسواق. فقد اعتبر 48% من الشركات التي شملتها الدراسة أنّ «تسريع إطلاق المنتجات والمشاريع في الأسواق» يشكّل محرّكاً مهماً لقراراتها المتعلقة بنقل العمليات إلى الخارج، ما يظهر زيادة بحوالي 70% خلال عام واحد فقط. ولا تُستخدم العمليات الخارجية كأداة لتخفيض التكاليف، إنما لتحقيق أهداف العمل الاستراتيجية.

استنتاجات الدراسة

غالباً ما تتجه الشركات الصغيرة أكثر من الشركات الكبيرة إلى نقل وحداتها الوظيفية الأكثر تطوّراً إلى الخارج. وأفاد 48% من الشركات التي لا يتجاوز عدد موظفيها الخمسمئة أنّ أولى مبادراتها الخاصة بنقل العمليات إلى الخارج تضمنت تطوير نشاط الإنتاج والابتكار أو الهندسة مقارنة مع 16% من الشركات الكبيرة.

ـ تعمل الشركات الأميركية بصورة متزايدة على تعهيد العمل إلى موردين خارجيين بدلاً من القيام بعملياتها «الاستقطابية» المنقولة إلى الخارج. ويعتزم أكثر من 84% من الشركات الأميركية التي شملتها الدراسة والتي تنظر في إمكانية نقل عملياتها إلى الخارج تعهيد عملياتها إلى موردين خارجيين، مقارنة مع 7% من الشركات التي تنفّذ مشاريع مشتركة و9% من الشركات التي تخطط للنموذج «الاستقطابي».

في عام 2004، وبحسب دراسة أجرتها جامعة ديوك وشركة أركستون للاستشارات، كانت 42% من الشركات الأميركية التي شملتها الدراسة تعتزم القيام بعملياتها «الاستقطابية» المنقولة إلى الخارج. في المقابل، تتمتّع الشركات الألمانية والإسبانية على وجه التحديد بالقدرة على اختيار نموذج التسليم الخاص بالخدمات الاستقطابية (78% و76% على التوالي). ويتلاءم هذا النموذج مع الأهمية المتزايدة التي توليها الشركات الألمانية والاسبانية للمنحى اللغوي والثقافي في معاييرها الخاصة بنقل العمليات إلى الخارج.