دعا التقرير الأسبوعي لشركة «بنيان الدولية للاستثمار» إلى اغتنام الفرص الاستثمارية التي يوفرها السوق العقاري في الإمارات عموما ودبي خصوصا، وأبرزها ما يسمى بشراء العقارات بهدف تأجيرها وجني أرباح مجزية. ولفت التقرير إلى أن من بين الأسباب التي ساهمت في عدم ظهور فئة المستثمرين من هذا النوع هو « تراجع حمى شراء العقارات بانتظار حدوث تطورات في السوق وتنحصر بتوقع حركة تصحيح سعري «لكن التقرير نصح المستثمرين بالقول» ربما لن يأتي هذا اليوم في الوقت القريب لأن الطلب ما زال متفوقا أمام العرض ما يجعل من الأفضل التوجه لشراء العقار بدلا من انتظار تراجع أسعاره».

وأشار التقرير إلى «أن هذا النوع من الاستثمار غير مستغل في الإمارات ودول الخليج على نحو واسع ولم تطرق بابه غير بعض الشركات العقارية مثل «اي تي ايه ستار» في دبي وقطر الأولى في الدوحة وعادة ما تقدم تلك الشركات عوائد ايجارية بنسب تتراوح مابين 10% و25% للمستثمر لديها وفق هذا النظام. لكن التقرير أكد ان هذا «الأسلوب الاستثماري» وجد شريحة ليست كبيرة بين الأفراد الذين طوروا الفكرة ـ ان صح التعبير ـ وقاموا بتأجير العقارات بهدف إعادة تأجيرها حيث يقومون بتأجير الشقة التي تتسع لأربعة أشخاص الى 10 أشخاص على طريقة «تأجير السرير الواحد». ويقول التقرير ان هذا الاستثمار محفوف بالمخاطر لأنه يخالف القوانين التي تمنع التأجير من الباطن ويعد نسخة مشوهة لاستثمار « الشراء بهدف التأجير او ما يعرف بـ (Buy-to-Let) في أوروبا وأميركا».

ويقول التقرير بأن « حمى شراء العقارات من اجل التأجير غير مستغلة على نحو واسع في الأسواق العربية، مثلما هو الحال في أسواق أخرى. وتوجد معاهد تقدم دورات تدريبية في كيفية تحقيق الملايين من تجارة العقار عبر الشراء من اجل التأجير، وهناك العديد ممن يتحدثون عن تحقيقهم لثروات على هذا الصعيد .

ولفت التقرير إلى ان « أسعار العقار تضاعفت، او أكثر، في معظم الأسواق في السنوات العشر الأخيرة. وتحققت ثروات هؤلاء المستثمرين بفضل عوامل مساعدة أهمها التوقيت وانخفاض تكاليف الفوائد».

لكن التقرير يشير من جهة أخرى إلى ان هذا النوع من الاستثمار بات مقلقا في أسواق أوروبا بسبب عدة عوامل ليصبح السوق العقاري هناك شبيها الى حد كبير بما كان عليه عام 1999 في ذروة الإقبال على اسهم شركات الانترنت، والذي عرف فيما بعد بفقاعة »الدوت كوم« التي انفجرت في الجميع في عام 2000. حتى ذلك الحين كان البعض أيضا يسّوق لتجارة الأسهم والأرباح فيها مما دفع البعض الى ترك وظائفهم للتفرغ لمجال المضاربة في الأسهم على الانترنت طوال ساعات النهار.

وعلى خلفية تقرير لندني نشرته «الشرق الأوسط فإن الوضع في أوروبا مختلف» ففي بريطانيا توجهت ثلث العقارات المباعة خلال السنوات الأخيرة توجهت لهذا النوع من الاستثمار، الأمر الذي فرض ضغوطا إضافية على الأسعار وأطاح من السوق فئة المشترين الجدد الذين تخطت العقارات قدراتهم المالية فتحولوا من مشترين الى مستأجرين.

وكان أسلوب الاستثمار سهلا ولا يحتاج الى دورات تدريب، الاقتراض السهل متاح في دبي خصوصا والإمارات عموما وما على المستثمر الا اختيار العقار الملائم واقتراض 90 % من ثمنه ثم طرحه للإيجار وسداد أقساط قرضه العقاري من الإيجار، مع الاحتفاظ بفارق الأرباح والاستفادة أيضا بارتفاع ثمن العقار. ثم يتكرر السيناريو في عدة عقارات وصلت في بعض الحالات الى 10 عقارات لكل مستثمر.

تحولات

ولكن تحولات الاسواق في الاشهر الاخيرة ترجح ان هذا النوع من الاستثمار يتجه الى صعوبات هيكلية من شأنها ان تجعل المعادلة خاسرة. وقد بدأت بالفعل مؤشرات زيادة طرح عقارات للبيع في الأسواق فور انتهاء تعاقدات الايجار فيها، كما ان واحدا من كل ثلاثة عقارات معروضة للبيع الآن في بريطانيا كانت مؤجرة. ولو كانت ارباح العقار المؤجر بالهوامش التي تدعيها بعض شركات التسويق والإقراض، لما اضطر أصحابها الى طرحها للبيع.

الحذر مطلوب

وبشكل عام هناك عدة عوامل تدعو المستثمر للحذر والتفكير مليا في هذا النوع من الاستثمار، وهي عوامل فاعلة في السوق وتزداد سوءاً شهرا بعد شهر وتمثل فيما بينها قنبلة زمنية استثمارية لابد من محاولة تجنبها. ومن هذه العوامل:

تراجع الإيجارات كنسبة من ثمن العقار: تمثل الإيجارات الجانب الأهم من العوائد العقارية (إلى جانب ارتفاع أسعار العقار) لأنها تمثل الدخل الشهري الذي يتيح سيولة مالية للمستثمر يستخدمها في تغطية تكاليف الاقتراض العقاري. وفي المتوسط تراجعت هذه النسبة في بريطانيا الى حوالي 4 ـ 5 في المائة ووصلت في بعض المناطق الى 9,3 في المائة. وكانت هذه النسبة خلال عقد التسعينات حوالي 10 في المائة مما يفسر الأرباح التي حققها من اشترى في ذلك الوقت. ويعود تراجع النسبة أساسا الى ارتفاع أسعار العقارات وليس الى تراجع الإيجارات، بل ان الإيجارات زادت أيضا بنسب صغيرة الى الحد الذي تستوعبه السوق.

وإذا كان البعض ينظر الى متوسط العائد، سواء في لندن او مواقع دولية اخرى، على أساس انه اكبر مما يحصل عليه من دفاتر التوفير المصرفية، فانه يخطئ في الحسابات على أساس ان ما يقترضه لتمويل العقارات التي تحقق له هذه النسبة قد يفوق في تكلفته ما يحصل عليه من إيجار. وإذا كان المستثمر يقترض في المتوسط نسبة 75 في المائة من ثمن العقار بسعر فائدة يصل الى ستة في المائة، مع فترات شاغرة تصل في المتوسط سنويا الى 25 يوما، فانه لن يغطي تكاليف القرض بالايجارات السائدة في الأسواق حاليا. وتشير إحصاءات هيئة مستثمري العقار البريطانية (ARLA) حاليا الى ان العائد العقاري في بريطانيا سلبي وبنسبة 1,2 في المائة.

توجهات أسعار الفائدة الصعودية: بعد فترة طويلة من استقرار معدلات التضخم في الأسواق الخليجية والأوروبية بفضل الواردات الصينية الرخيصة، تتجه الأسعار الى ارتفاع مرة اخرى بسبب ضغوط الأسعار في الصين من أجور ومواد خام. وينعكس هذا الوضع على ارتفاع أسعار الأسواق المستوردة من الصين، التي تضطر بنوكها المركزية الى رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم. ويمكن القول ان توجهات الفائدة على العملات الرئيسية في العالم حاليا هي توجهات صعودية.

ولأن الفائدة هي في الواقع ثمن الاقتراض، فان اكبر المصابين من ارتفاعها هم المقترضون العقاريون الذين يعتمدون على نسبة عالية من التمويل لعقاراتهم. ويلتهم هذا الارتفاع اي أرباح متوقعة من الإيجارات. وحتى يغطي المقترض تكاليف قرضه العقاري لابد أن يكون فارق النسبة المئوية بين نسبة الإيجار من ثمن الشراء ونسبة سعر الفائدة 2 في المائة على الأقل. فلو كانت نسبة الفائدة 5 في المائة، فلن يحقق المقترض أرباحا الا بنسبة إيجار تفوق 7 في المائة من ثمن شراء العقار.

توقعات الارتفاع الإضافي حاليا في أسعار العقار محدودة: هناك استثناءات مثل لندن وبعض المدن الرئيسية، ولكن بشكل عام تبدو أسعار العقار الحالية باهظة بل مهيأة لموجة تصحيح ينخفض فيها الثمن الى معدلات تتناسب مع متوسط معدلات الأجور. وحتى إذا ارتفعت أسعار العقار بنسب هامشية فهي لن تعوض تكاليف الشراء والاقتراض. وفي النهاية لا تبدو المعادلة مجدية، خصوصا ان مجال الاستثمار في الأوراق المالية وصناديق الاستثمار يوفر الآن معدلات لا تقل عن 7 في المائة سنويا. كما تدر السندات نسب 6 في المائة. وهذه النسب لا يحققها العقار حاليا.

زيادة تكاليف الشراء: بسبب ارتفاع أسعار العقار، يتعين على المشتري ان يوفر مقدم ثمن لا يقل عن اجر عام كامل في معظم الأحوال. كما ان عليه ان يتحمل تكاليف إضافية تزيد الآن عما كانت عليه منذ عام واحد بنسبة 25 في المائة. وتشمل الرسوم القانونية والمسح العقاري والضرائب. وحتى القروض التي تقدم بمزايا خاصة مثل تجميد سعر الفائدة، تأتي بتكاليف إضافية تطلبها البنوك مقدما.

زيادة مخاطر انهيار الأسعار: هناك العديد من المخاطر الواردة في السوق تعمل كأدوات تنبيه من مخاطر سقوط أسعار العقار. من هذه العوامل: دخول مرحلة كساد اقتصادي ينتج عنها فقدان وظائف بالجملة وإعلان حالات إفلاس تؤدي الى عرض عقارات للبيع القسري في المزاد، مما يؤدي الى تراجع الأسعار. أيضا يمكن لأسعار العقار ان تنهار في حالات تغيير في قوانين الضرائب كما سبق أن حدث في بريطانيا عام 1989 بعد إلغاء الإعفاء الضريبي المزدوج على شراء العقارات. واذا تراجعت البورصات بحدة يمكن ان ينعكس ذلك سلبا أيضا على أسواق العقار.

التوقيت: بعض الأسواق الحديثة مثل المغرب ودبي وساحل البحر الأحمر لم تجرب بعد موجات التصحيح. وفي بريطانيا كان آخر كساد عقاري بين عامي 1989 و1995. ومنذ ذلك الوقت والأسواق في صعود دائم. وعلى رغم تكرار التحذير من موجات تصحيح تهبط فيها الأسعار، الا ان الأسواق ما زالت منطلقة بمعدلات يصعب استمرارها على هذا المنوال.

ولكن موجات التصحيح من أساسيات الاستثمار العقاري ولا بد للمشتري ان يتعامل معها بواقعية وإلا فقد فيها الكثير عندما تفاجئه. واستمرار موجة الانتعاش لفترة طويلة لا يلغي موجات التصحيح وإنما يعمق من أثرها عندما تصل. وفي بريطانيا، هناك مؤشرات إحصائية غير ملحوظة تلمح الى ان موجة التصحيح بدأت بالفعل. ففي الربع الأول من هذا العام، باعت نسبة 2,5 في المائة من مستثمري العقار بغرض الإيجار عقاراتهم، مقارنة بنسبة 1,4 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وتقول مؤشرات شركات العقار البريطانية ان الأسواق تشهد في الأسابيع الأخيرة المزيد من العقارات المعروضة للبيع، الأمر الذي يشير الى تراجع درجة حرارة السوق. وتضيف الشركات انه في الوقت الذي تعرض فيه المزيد من العقارات في السوق، فان الاهتمام من المشترين يتراجع بعض الشيء عما كان عليه.

ويمكن ملاحظة ذلك عمليا على مواقع الانترنت التي تزيد فيها نسبة العقارات المعروضة للبيع عما كانت عليه من قبل، وبنسب تصل الى 15 في المائة عما كانت عليه في بداية هذا العام. وتقول شركة »يور موف« النشيطة في لندن ان العقارات المتاحة لديها زادت في الآونة الأخيرة بنسبة 20%.

أسباب مختلفة

وعلى الرغم من أن الصيف هو تقليديا موسم النشاط العقاري في السوق إلا أن خبراء السوق يقولون ان الزيادات هذه المرة تعود لأسباب مختلفة لأنها جاءت بنسب عالية وبطريقة مفاجئة وغير متوقعة. ويختلف الوضع الآن جذريا عما كان عليه منذ عام واحد عندما كان السوق يعاني من ارتفاع الأسعار بشكل شهري مع وجود نقص شديد في العقارات المعروضة للبيع في السوق.

حماسة

وتتحمس شركات العقار لهذا التغيير الواقع في السوق لأنه يبشر بالعودة الى الوضع الطبيعي الذي يتوازن فيه العرض والطلب في السوق بدلا من ان تكون السوق مرجحة لكفة البائعين على حساب المشترين او العكس. ويعبر أكثر من مندوب عقاري بريطاني عن قناعته بان الأسواق تقترب الآن من ذروتها وان الأسعار تسير الى استقرار.