أصبحت السمة الغالبة على سياسة صندوق النقد والبنك الدولي إطلاق خبرائهما لتحذيراتهم للحكومة اليمنية من مواجهة أزمة تمويل خطيرة بسبب تراجع مردودية القطاعات الرئيسية من سنة إلى أخرى مما قد يؤثر على توفير مخصصات تمويل الخدمات ومواجهة أعباء المديونية الخارجية خاصة مع تزايد فاتورة الغذاء من عام إلى آخر.

ويرى هؤلاء الخبراء أن بوادر أزمة للاستدامة المالية بدأت تلوح في الأفق مع تراجع إنتاجية النفط وتدني إنتاج القطاع الزراعي مقابل ارتفاع كلفة فاتورة الغذاء لهذا البلد الذي اشتهر بالزراعة منذ القدم، فمع اكتشاف النفط في النصف الأول من عقد ثمانينينات القرن الماضي وما صاحبها من موجة جفاف وتقلبات مناخية تعمقت تبعية الميزانية العامة للصادرات النفطية من جهة وزاد الاعتماد على الواردات الخارجية للغذاء وخاصة منها الحبوب.

فقطاع النفط الذي يعد أهم مصادر التمويل للمالية العامة أصبح معرض لنكسة خطيرة إذ واصل الإنتاج تراجعه معززا المخاوف من شبح نضوب هذه المادة الحيوية التي بات يعتمد عليها الاقتصاد اليمني بدرجة أساسية منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلا ان ذلك الاعتماد أصبح عرضة لنكسة كبيرة

بسبب تراجع الإنتاج ونفاذ هذه المادة في أفق الفترة (2016 - 8102( طبقا لما ذهبت إليه تقارير المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي) الأمر الذي سينعكس على التمويل العمومي لأن العائدات النفطية تمثل 72% من موارد الموازنة العامة ومابين 90 إلى 92% من الصادرات وتقدر عائدات النفط ب 28% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.

وحسب المعطيات الإحصائية التي يوردها البنك الدولي إن المخزون المؤكد من النفط حتى 2005 لا يمثل سوى 10 في المئة فقط مما كان عليه العام 2000م والتي قدرت آنذاك بـ 7 ,5 مليارات برميل وأن الاكتشافات الجديدة حتى الآن ليست في المستوى الذي يمكن له أن يعوض التناقص المتسارع في إنتاج النفط

إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إجمالي الاحتياطي النفطي المؤكد والمتوقع حتى حدود يونيو من العام الماضي 2006 تقدر بـ 417 ,1 مليار برميل المؤكد منه فقط 707 ملايين برميل وأن هذه التقديرات تزيد عن تقديرات نهاية العام 2005 بحوالي 5% بالنسبة للاحتياطي المؤكد و17% لمجمل الاحتياطي المؤكد والمحتمل.

وحسب الموازنة العامة فقد تراجع الإنتاج النفطي حلال العام 2006 بنسبة 35% عن العام الذي سبقه ونقل عن وزير المالية اليمني نعمان الصهيبي قوله إن حصة الحكومة من عائدات النفط تراجعت خلال الربع الأول من العام الجاري من 70% من إجمالي الموارد العامة للدولة إلى 58% حلال الفترة نفسها من العام الماضي وذلك على الرغم من ارتفاع سعر برميل النفط في السوق الدولية خلال هذه الفترة.

وتعد هذه المؤشرات مثيرة لقلق المؤسسات المالية الدولية التي تسعى دائما إلى تحسين ملاءمة الخزينة العامة تجاه الدائنين وضمان البلد المدين بالوفاء بالتزاماته مما يدفع هذه المؤسسات إلى التحذير من مخاطر الأوضاع المالية التي تؤثر على تلك الملاءة كما هو حال اليمن الذي يواجه مثل تلك الالتزامات.

وتقدر المديونية الخارجية اليمنية حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري 53 ,5 مليارات دولار، بما يعادل 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلا انه مع شحة مصادر الاقتصاد من عام لآخر سترتفع المديونية إلى مستويات حرجة للغاية من 29% من الناتج المحلي إلى 47 في المئة بحلول العام 2025 ويتوقع خبراء البنك الدولي ان تتضخم خلال العشرين سنة المقبلة لتصل إلى 97 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي

فيما الاحتياط النقدي من العملة الصعبة المقدر ب 6, 7 مليارات دولار ستنفذ خلال الخمس السنوات التالية للنفط مما يجعل الحكومة اليمنية أمام أزمة تمويل حقيقية نتيجة لعدم الاستدامة المالية الناتجة عن تراجع الموارد في القطاعات الرئيسة.

وعلى مستوى القطاع الزراعي الذي يعد النشاط الرئيس للسكان تشهد مردودية هذا القطاع تراجعاً من عام إلى آخر فبعد أن كانت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي 17 في المئة عام 2000 أصبح يراوح مابين 13 و11% وتنخفض النسبة إلى أقل من ذلك بكثير بدون احتساب القات حيث بلغ المتوسط السنوي لمساهمته في الناتج المحلي دون القات خلال الفترة 2001 - 5002 فقط 67, 8%

على الرغم من ان الفلاحة تشغل ما نسبته 56% من إجمالي قوى العمل ويمثل مصدر عيش 75% من السكان وقد انعكس في الزيادة المستمرة لقيمة الفاتورة الغذائية من سنة إلى أخرى إذ يشير تقرير صدر مؤخرا عن وزارة الصناعة والتجارة أن حجم الواردات من القمح زاد من مليون و639 ألف طن بقيمة 37 مليار و298 مليون ريال عام 2003 إلى مليونين و942 ألف طن بقيمة 70 مليارا و242 مليون ريال عام 2006.

يبدو أن الثلاثي المخيف تراجع الإنتاج الزراعي وتزايد الفاتورة الغذائية من عام إلى آخر ونضوب النفط وهاجس تراجع الجدارة الائتمانية للحكومة اليمنية ستبقى هي المحددات الأساسية لتوجهات سياسة التمويل العمومي طبقا لما تراه المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدوليين).

صنعاء ـ عبدالكريم سلام