تعتبر قضية ارتفاع الإيجارات، وما يدور في فلكها من علاقة شد وجذب بين المالك والمستأجر، قديمة جديدة في قطر، وشهدت سن قانون أميري مؤقت، يحدد نسبة الزيادة على الإيجارات ب10% فقط، وهي النسبة التي حدت إلى مدى بعيد من التحكم المطلق للمالك بمصير المستأجر في العقار.
وفي عام 2006 أصدر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر، قانون الإيجارات رقم 4 بشأن بعض الأحكام الوقتية الخاصة بإيجار الأماكن والمباني، وهو ما يشمل المباني التجارية والسكنية. ويضع لزيادة إيجاراتها سقفا محدداً. وساهم هذا القانون في ضبط العشوائية غير المبررة لظاهرة ارتفاع الإيجارات وما ترتب عليها من آثار سلبية أهمها ارتفاع معدلات التضخم، وغيرها من التأثيرات المجتمعية السلبية.
لكن القلق ينتاب المواطن القطري، والمقيم على حد سواء، باعتبار أن هذا القانون الذي صدر قبل ما يقارب العامين في طريقه إلى الجمود ما لم يتم تفعيله، خاصة وأنه صدر بصورة مؤقتة ولمدة سنتين فقط. وقال المحامي والقانوني يوسف أحمد الزمان: منذ أكثر من ثلاثة عقود وضعت قطر أسساً قانونية لتنظيم العلاقة بين أصحاب العقارات المؤجرين والمستأجرين، مستهدفة من هذا التنظيم تحقيق التوازن بين صالح الفريقين سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية،
فصدر في ذلك الوقت القانون رقم 2 لسنة 1975 في شأن إيجار الأماكن والمباني. وأضاف أنه بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدور القانون والتعديلات التي أدخلت عليه تعود مسألة العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين إلي الواجهة، لا سيما حول زيادة أجور الأعيان المؤجرة.
وأشار إلى أن إلزام المؤجر بعدم زيادة الأجرة إلا وفقاً لنسب معينة وفي مدد محددة تدخل من المشرع بهدف عدم إرهاق المستأجرين إذا ما أراد أصحاب العقارات فرض زيادة في الأجرة المتفق عليها بعد إنهاء عقودهم.
وأوضح أن المشرع تدخل في أعقاب أزمة المساكن التي حصلت في نهاية السبعينات، وبداية ثمانينات القرن الماضي بفرض القانون المذكور، لكن سرعان ما انخفضت الإيجارات مع نهاية عام 1995، وألغى المشرع تلك الأحكام.
ويشير القانون القطري الحالي إلى أن أحكامه تسري على العقارات، والأماكن، والمباني، وأجزائها على اختلاف أنواعها، المؤجرة للسكن أو لغير ذلك من الأغراض، وسواء كان المستأجر شخصا طبيعيا أو معنويا خاصا أو عاما. ويستثنى من نطاق تطبيق هذا القانون، الأملاك العامة للدولة والأراضي الزراعية والأراضي الخلاء.
وقال: إن القانون الذي صدر مؤخرا، سوف يخفف من وطأة المشكلة بيد أنه لن يكون تلك العصا السحرية التي سوف تحل المشكلة برمتها. وتطرق إلى الدور الذي ينبغي لشركات المساهمة العقارية والتي زاد عددها في الآونة الأخيرة القيام به لحل أزمة الإيجارات وتوفير العقارات المناسبة.
وأضاف: تأسست تلك الشركات من أجل القيام بكافة الأعمال والتصرفات القانونية المتصلة بالنشاط العقاري من بيع وشراء وإدارة وتشغيل وبناء وتعمير وتجديد وتقسيم الأراضي والعقارات بمختلف أنواعها المملوكة لهذه الشركات أو للغير وممارسة جميع الأنشطة العقارية.
وهي أغراض تبدو في اعتقادنا غاية في الأهمية لتنطلق منها هذه الشركات للمشاركة الإيجابية في حل قلة المعروض من العقارات في الدولة وبالذات لنوعية معينة من العقارات يزداد الطلب عليها. إلا انه من خلال ما نقرؤه ونسمعه عن المشاريع التي تقوم بها هذه الشركات نجد أنها اتجهت في استثماراتها إلي نوعية مختلفة من المشاريع.
مشيراً إلى أنه مما يلفت النظر أن جميع الشركات المساهمة التي ساهم فيها معظم المواطنين القطريين من جميع الطبقات اتجهت في أعمالها إلى وجهة واحدة وهي تشييد وإقامة وبناء المجمعات السكنية الفخمة والأبراج العالية ذات الكلفة الباهظة وتكاد تكون ورش أعمالها أو مشاريعها في منطقة واحدة تعتبر أسعار الأراضي فيها من أعلى الأسعار الأمر الذي ترتب عليه أن أصبحت فيه قيمة الوحدات السكنية التي تقوم بعرضها هذه الشركات سواء للبيع أو الاستثمار أو الإيجار باهظة التكاليف
كما أنها لا تلبي الحاجات الحقيقية والضرورية لطائفة عريضة من المواطنين، وغدت هذه الأبراج وتلك المجمعات مقصورة علي طبقة معينة من الأجانب أو مكاتب الشركات والوزارات والمؤسسات والهيئات. موضحاً أن هذه المشاريع لن تساهم في حل مشكلة الإيجارات.
وقال إن هذه المشاريع الفارهة لا تلبي حاجة طبقة عريضة من المواطنين والمقيمين، لافتا إلى أن هذه الطبقة تتمثل في القطريين الذين لا تشملهم قوانين الإسكان الشعبي، وكبار الموظفين والأرامل والمطلقات، فجميع هؤلاء بحاجة ماسة إلى مساكن تؤويهم تكون مناسبة من حيث النوعية والقيمة.
بالإضافة إلى طائفة كبيرة من الشباب القطري تتأخر معاملات حصولهم على مساكن حكومية. وطالب الزمان بضرورة مراجعة كل تلك المشاريع، منبها إلى الحاجة إلى مجمعات سكنية يمكن إقامتها في محيط العاصمة القطرية الدوحة، وعلى بعد خمسة عشر كيلومترا من المدينة الرئيسية.
إلا أن المقلق أن أزمة الإيجارات في قطر باتت تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الوطني، من خلال التسبب بالتضخم، وهو ما أقر به يوسف حسين كمال، وزير المالية، والقائم بأعمال وزير التجارة والاقتصاد القطري، والذي أكد أن مشكلة التضخم كانت الموضوع الأساسي على طاولة النقاش في اجتماع المجلس الأعلى الذي ترأسه أمير قطر والذي بحث كيفية معالجة التضخم، حيث أمر الشيخ حمد بتشكيل لجنة لهذه الغاية.
وقال وزير المالية متناولا الحلول المتوقعة لمشكلة التضخم: لابد من تخصيص أراض للمناطق الصناعية لأن العديد من المواد الخام التي تم استيرادها يمكن أن تصنع في قطر بدلاً من استيرادها حتى تقل تكلفتها. وضرب مثلاً بوجود مصنعين فقط للرمل لا يكفيان لسد الاحتياجات فضلاً عن قرار استيراد الجص من الخارج.
وحول الإجراءات التي يفترض أن تتخذها الحكومة قال كمال إنها تشمل تسهيلات خاصة بمواد البناء والحكومة بدأت تتحرك في هذا الاتجاه ولا يوجد مانع من تخصيص الأموال اللازمة وتخصيص أراض لمصانع الطابوق والردي مكس بأسرع وقت وإجراء معالجات سريعة.
ولفت إلى أن توجيهات أمير قطر قد بدأت فعليا بتوسعة ميناء الدوحة لزيادة ما تستورده الدولة من الإسمنت. لكن الوزير القطري ألمح إلى أن الدولة لا تتجه إلى حل مشكلة الإيجارات بشكل جذري، وذلك كي لا يتم التأثير على سوق العقارات والسوق المالية، وقطاع المصارف التي تستفيد من الطفرة العمرانية في الدولة.
الدوحة ـ أيمن عبوشي