أشاد صندوق النقد الدولي بالسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدول المصدرة للنفط في المنطقة، مشيراً إلى أن النمو الاقتصادي العالمي القوي وتحسن البيئة المالية العالمية وكذلك استمرار ارتفاع أسعار النفط جميعها عوامل تساهم في تلك السياسات، متوقعاً ألا تقل نسبة النمو الاقتصادي في هذه الدول عن 6% عام 2007 حيث يتوقع أن تبلغ نسبة النمو في الإمارات 2, 8%، وفي المملكة العربية السعودية 3, 6% وفي قطر 8% وفي سلطنة عمان 6% والبحرين 9 ,6% والكويت 5%.
وأشار تقرير حديث صادر عن البنك أن الزيادة الحالية في أسعار النفط خلقت الكثير من المردودات لدول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لأنها تمتلك ثلاثة أرباع الاحتياطات النفطية العالمية وتنتج نحو ثلث من الإنتاج العالمي للنفط. كما أنها استفادت أيضاً من ارتفاع الغاز التي تمتلك خمس الإنتاج العالمي وأيضاً ارتفاع أسعار الألمنيوم التي تحتضن العديد من دولها مثل المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات مصانع ضخمة لإنتاج الألمنيوم ويقدر الصندوق أن يتراوح متوسط سعر برميل النفط نحو 61 دولارا عام 2007 بالمقارنة مع 64 دولارا عام 2006.
لذلك يتوقع أن تنخفض الإيرادات النفطية بمعدلات محدودة هذا العام. وسوف يؤثر ذلك بدوره على فوائض الحسابات الجارية الخارجية إلا أن التأثير الأكبر على تلك الحسابات سوف يكون من جراء الزيادة الحادة في الواردات نتيجة تنفيذ الكثير من مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاجتماعية والاقتصادية الضخمة. إلا أن الميزانيات العمومية للدول النفطية سوف تبقى تتمتع بفائض مالي كبير وعلى دول المنطقة اتباع سياسات حكيمة في استثمار تلك الفوائض.
ويقول محسن خان مدير دائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي ان تقييم الصندوق للمخاطر التي تهدد دول هذه المنطقة هو تقييم ايجابي بشكل عام حيث ان التطورات العالمية المعاكسة المحتمل حدوثها بما في ذلك تراجع معدلات النمو الاقتصادي أو تقلبات أسواق المال وكذلك النزاعات العالمية ما زالت موجودة بالفعل، إلا انه في الجانب الآخر يلاحظ الصندوق ارتفاع الاحتياطات العالمية للدول النفطية والتي تقدر بنحو 600 تريليون دولار، كذلك انخفاض المديونية مما يعزز من قدرات تلك الدول في مواجهة أي تقلبات طارئة اقتصادية أو مالية.
ويضيف خان أن على هذه الدول أن تسعى لتحقيق تنمية مستدامة بل التسريع في معدلات النمو بغية تحقيق تحولات ملموسة في المستوى الحياتي وتخفيف البطالة، حيث يلاحظ أن النمو الاقتصادي القوي الحاصل حالياً لم يؤد بعد إلى خلق وظائف كافية في مواجهة التزايد السريع في إعداد العمالة. كما أن معدلات الفقر لم تنخفض بعد في عموم تلك المنطقة. ومن اجل تحسين هذه المعدلات على حكومات هذه الدول أن تسعى إلى تحقيق توزيعات الثروة الذي سوف يوفر بدوره دعماً للإصلاحات ويسهم في إدامة النمو الاقتصادي.
وفيما يخص الدول النفطية في المنطقة بشكل خاص، يتوقع التقرير أن يبلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي فيها نحو 6% بالرغم من تقديرات بالتراجع المحدود في معدلات أسعار النفط عام 2007.
ويعتبر التقرير أن إدارة الإيرادات النفطية وفقا لسياسات سليمة تعتبر الأولوية القصوى في هذه الدول. ففي معظم هذه الدول ارتفع الإنفاق الاستثماري بما في ذلك الاستثمارات الموجهة لزيادة الطاقة الإنتاجية والتكريرية من النفط مما سوف يخفف من نقص المعروض سوى النفط الخام أو المكرر.
كما أن الاستثمارات في القطاعين النفطي وغير النفطي سوف تؤدي إلى زيادة الواردات. وهذا يؤدي بدوره إلى تحقيق استفادة عالمية واسعة لزيادة الإيرادات النفطية ويسهم في تقليل الاختلالات التجارية. إلا انه في بعض هذه الدول برزت علامات التأثيرات المعاكسة للإنفاق التوسعي وظاهرة بعض الاختناقات الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك فإن هذه الدول عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الطاقة الاستيعابية لاقتصادياتها لدى القيام بتقرير سرعة تنفيذ المشاريع الكبيرة وذلك لضمان تحقيق معدلات نمو اقتصادية عالية ومستدامة وسط بيئة اقتصادية محلية مستقرة. كما تتطلب استراتيجيات تنويع الاقتصاد توسيع قاعدة القطاع الخاص عن طريق إصلاحات قانونية ومؤسسية إلى جانب خصخصة المؤسسات المملوكة للدولة. ويتطلب هذا عدة خطوات، بما في ذلك ما يلي : (1) زيادة تخفيف الضوابط والقيود على استثمارات القطاع الخاص، واعتماد معاملة موحدة لجميع المستثمرين - بما في ذلك المستثمرون الأجانب - وضمان حقوق الملكية لإرساء نظام سوق تنافسي كفء.
(2) وضع إطار واضح التحديد لخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة من أجل ضمان ثقة الأسواق، والتعجيل بتصحيح التباعد بين الأسعار القائمة على السوق وأسعار المدخلات والمخرجات- بما في ذلك أسعار المرافق العامة والتمويل طويل الأجل وغيرها من الخدمات التي يقدمها القطاع العام.
(3) تحرير التجارة والمنافسة المحليتين من الممارسات التقييدية التي ربما تكون قد تسببت في تثبيط استثمارات القطاع الخاص.
وتبرز السياسات الخاصة بتحرير تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الداخلة من القيود بأهمية متزايدة في تنويع القاعدة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة حتى يتم توفير رأس المال اللازم وما يرتبط به من أشكال التكنولوجيا لدعم عملية الخصخصة وتنمية القطاع الخاص. ويمكن أن تؤدي الخطوات المتخذة لتحقيق هذا التحرير إلى معالجة ثلاثة قيود محددة: (1) القواعد واللوائح التمييزية التي تحكم هذه التدفقات مقارنة بالقواعد واللوائح التي تحكم الاستثمار المحلي.
(2) عدم تكافؤ الفرص أمام المستثمرين المحليين والأجانب، وهو ما يتضح مثلا في اختلاف المعاملة الضريبية رغم الجهود المبذولة مؤخرا لتقليص هذا الفارق.
(3) عدم تطور أسواق رأس المال نسبيا في بلدان مجلس التعاون الخليجي. ومن خلال إطلاق مبادرات لمعالجة هذه القيود بما في ذلك رفع كفاءة النظام المالي على المستويين الوطني والإقليمي. وسوف تعلق على تقوية الإطار التنظيمي والرقابي المصاحب أهمية خاصة في إقامة أسواق مالية تتميز بالانفتاح وتنوع النشاط.
كذلك السياسات الخاصة بإصلاح سوق العمل والتي تحول دون انحراف جهود الإصلاح وتنويع مصادر الدخل عن مسارها الصحيح من جراء ضغوط البطالة . وتجنبا لإضعاف القدرة التنافسية، ربما يتطلب الأمر مواجهة هذا التحدي من خلال إستراتيجية طويلة الأجل تستهدف تنمية المهارات اللازمة لدى القوى العاملة الوطنية. ويتعين إيجاد وظائف للمواطنين الذين يدخلون سوق العمل، بما في ذلك الذين يمكن ان تتغير وظائفهم نتيجة لإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، مع تحقيق التكامل في أسواق العمل المجزأة حاليا.
وينبغي السعي إلى تحقيق هذا الهدف طويل الأجل بإجراء إصلاح شامل لسياسات التعليم والتدريب وإعادة توجيه النفقات الحكومية نحو بناء رأس المال البشري. أما في الأجل القريب، فينبغي النظر في اتخاذ خطوات لإصلاح سوق العمل عن طريق الإزالة التدريجية لتقسيمات السوق، وهو ما يمكن أن يشمل إنهاء العمل بسياسة الأمر الواقع المتمثلة في توظيف طالبي الوظائف الوطنيين في القطاع العام، وسد فجوة الأجور بين القطاعين العام والخاص بالنسبة للعمالة الوطنية، وتوسيع بنوك المعلومات لتحقيق التعارف بين طالبي الوظائف وأرباب العمل من القطاع الخاص.
المنامة ـ حسن العالي
