جرى تداول العقود الآجلة للنفط قرب مستوى 77 دولاراً للبرميل في التعاملات الآسيوية أمس غير بعيدة عن أعلى مستوى لها على الإطلاق الذي سجلته في وقت سابق من الأسبوع بعد ان رد مسؤولون في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» بفتور على دعوة أميركية إلى زيادة الإنتاج مكررين القول بأن العالم لا يعاني نقصا في إمدادات الخام.

وفي إحدى مراحل التداول كان الخام الأميركي الخفيف للعقود تسليم سبتمبر منخفضا 3 سنتات فقط عند 83. 76 دولاراً للبرميل بعد أن صعد 33 سنتا في الجلسة السابقة. وقفز الخام الأميركي يوم الأربعاء الماضي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 77. 78 دولاراً لكنه تراجع بحدة بفعل علامات على تحسن معدلات التشغيل في مصافي التكرير بالولايات المتحدة، قبل أن يرتفع مرة أخرى. وانحفض خام القياس الأوروبي مزيج برنت 6 سنتات إلى 70. 75 دولاراً للبرميل بعد أن أنهى الجلسة السابقة على مكاسب بلغت 41 سنتا. وشهدت الساعات الماضية جدلاً حاداً في معسكري المنتجين والمستهلكين حول طبيعة العوامل التي تقود إلى ارتفاع الأسعار. وجدد مسؤولون في أوبك معارضتهم لدعوة أميركية بزيادة الإنتاج، فيما لا تزال مخزونات الخام الأميركية أعلى من متوسطاتها التاريخية رغم إبداء محللين ومسؤولين أميركيين مخاوف من ان ارتفاع معدلات التشغيل في مصافي التكرير ستستنزف المخزونات سريعا.

وقال وزير النفط القطري عبدالله العطية إن أوبك لا يمكنها أن تفعل شيئا بشأن أسعار النفط المرتفعة لأنه لا يوجد نقص في إمدادات الخام في الأسواق. وأوضح: «المخزونات في الدول الصناعية في مستويات مرتفعة. وهذا دليل على انه لا نقص في المعروض على الإطلاق. المخزونات يمكن أن يعاد تكوينها بسرعة كبيرة. هناك مع ذلك وفرة من النفط في السوق ونحن نعرف أننا لا يمكن أن نتحرك إلا حينما يوجد نقص حقيقي في الإمدادات. اننا نريد دليلا على ان هناك حاجة إلى مزيد من الإنتاج». وقال العطية إن قطر تضررت بشدة من ضعف الدولار لكنها لا تعتزم ان تطلب من زبائنها دفع ثمن الخام بأي عملة أخرى. وسجل سعر الدولار ادنى مستوى له على الإطلاق مقابل اليورو الأسبوع الماضي.

واضر ضعف الدولار بالقوة الشرائية لمنتجي النفط بالعملات غير المربوطة بالعملة الأميركية. ورأى العطية أن الخروج عن نظام الدفع بالدولار سيكون صعبا جدا إذا لم يفعل المنتجون الآخرون الشيء نفسه. وتابع قائلا ان ضعف الدولار حد من آثار ارتفاع سعر النفط على المشترين الأوروبيين واليابانيين. وكانت إيران ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك أثارت عاصفة في أسواق المال حينما طلبت من مشتري النفط اليابانيين أن يدفعوا بالين لا الدولار الشهر الماضي.وقال مندوب آخر في منظمة أوبك إن أسواق النفط العالمية تشهد إمدادات معروض كافية مع أن الأسعار سجلت مستوى قياسيا مرتفعا جديدا هذا الأسبوع وانه لا داعي أن تزيد أوبك الإنتاج في الربع الرابع للعام.

ورد المسؤول عندما سئل عما إذا كانت أوبك سترفع الإنتاج في الربع الرابع للعام حينما يشتد الطلب عادة مع مقدم الشتاء في نصف الكرة الأرضية الشمالي «لا اعتقد انه ضروري في الوقت الحالي. ولكن إذا ارتفع الطلب أو قل المعروض عما نعتقد فسوف ندرس قطعا زيادة المعروض». ويأتي تقييم أوبك متناقضا بشدة مع وجهات نظر بعض محللي الطاقة الذين يرون ان الأسعار قد تصل إلى 95 دولارا هذا العام إذا لم ترفع أوبك الإنتاج لان الطلب يرتفع بدرجة أكبر من مستويات الإنتاج. ودأبت السوق منذ 2003 على دخول مرحلة تصحيح حادة بعد ارتفاعها إلى أعلى مستوياتها في كل عام.

وبعد بلوغها الذروة في العام الماضي هوت الأسعار بنسبة 36% في الأشهر الستة التالية لتنزل عن 50 دولارا للبرميل. ويقول محللون ان موجة الصعود الأخيرة هذه يغذيها بالأساس تدفق استثمارات جديدة وليس أنباء كبيرة تتصل بالعوامل الأساسية مثل الأعاصير أو توترات الشرق الأوسط. وبالمقارنة مع أسواق الطاقة الأخرى يقف الخام الأميركي وحيدا في صعوده على مدى الشهر الماضي، فقد تراجعت أسعار البنزين وزيت الوقود وغيرهما من المنتجات النفطية منذ منتصف يوليو مع زيادة إنتاج مصافي التكرير الأميركية وارتفاع المخزونات. وأفضى هذا إلى انكماش هوامش أرباح مصافي التكرير.

وكان وزير الطاقة الأميركي سام بودمان قد دعا أوبك إلى زيادة الإنتاج في سبتمبر وقال إن سعر النفط عند 80 دولاراً للبرميل قد يؤثر على الاقتصاد الأميركي. وأظهرت احدث بيانات حكومية للمخزونات الأميركية ان إمدادات النفط الخام سجلت هبوطا فاق التوقعات بلغ 5. 6 ملايين برميل الأسبوع الماضي في حين زادت مخزونات البنزين والمشتقات الوسيطة. وفي ذات الإطار قال فيل فلاين المحلل في مؤسسة الارون تريدنج في شيكاجو «تصريحات أوبك تشير إلى أنهم لا يريدون زيادة إنتاج النفط وهذا هو السبب الرئيسي في ان أسعار النفط الخام ترتفع ثانية».

وحثت الولايات المتحدة ووكالة الطاقة الدولية ومقرها باريس أوبك مرارا على زيادة الإنتاج للمساعدة على كبح الأسعار المرتفعة. غير ان أوبك تعزو الأسعار المرتفعة إلى ضيق طاقة تشغيل المصافي في الدول المستهلكة والتوترات السياسية الدولية بسبب البرنامج النووي لإيران. ومن المقرر ان تعقد أوبك اجتماعها التالي في 11 من سبتمبر المقبل لمناقشة سياستها النفطية.

الأسعار تبقى قوية خلال الفترة المقبلة

قالت جينيس اتكينسون لإدارة الأصول إن أسعار النفط ليست متضخمة بل تتجه إلى البقاء قوية في المستقبل ومن شأن عوامل سياسية جديدة أن تدفعها للارتفاع بدرجة أكبر. وأشار توم نيلسون كبير المحللين لدى الشركة التي تدير صناديق للطاقة بأكثر من 1. 2 مليار دولار إلى أن أسعار النفط ارتفعت في الأسابيع القليلة الماضية بدون أي عوامل سياسية بارزة مثل الحرب في لبنان بين إسرائيل وحزب الله التي دفعت الأسعار صعودا العام الماضي.

وأوضح «ما شهدناه الصيف الماضي كان ارتفاعا من 60 دولارا للبرميل إلى 75 دولارا جراء الصراع بين إسرائيل ولبنان. لا أعتقد أنه من غير المعقول القول إنه إذا حدثت مثلا أزمة رهائن في إيران أو أي شيء من هذا القبيل فقد ترتفع الأسعار بسهولة إلى 85 دولارا أو حتى 90 دولارا». ورأى نيلسون أن الاحتمال النزولي الوحيد في أسعار النفط يتمثل في تحركات منظمة أوبك لاسيما إذا قررت التراجع عن تخفيضات الإنتاج التي فرضتها العام الماضي.

وقال «لو أن أوبك، قررت أن السوق أصبحت شحيحة جدا وأن مخزونات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية غير كافية لفصل الشتاء وأنهم سينتجون المزيد فلست أشك في حدوث تراجع كبير». وأضاف أن ميزان القوة في سوق النفط يميل لصالح أوبك بوضوح حيث تجد الإمدادات من خارج أوبك صعوبة في الارتفاع ويتوقع تراجعها في السنوات الثلاث المقبلة.

وأوضح انه لا يرى خطرا كبيرا على النفط من آثار المخاوف بشأن الإقراض العقاري مرتفع المخاطر والتي أثارت الهلع في أسواق الأسهم والائتمان في الآونة الأخيرة، مشيرا إلى أن عمليات البيع في النفط خلال الأيام الماضية كانت أكثر ارتباطا بنتائج مخيبة للآمال من شركة النفط الأميركية العملاقة اكسون موبيل. وأضاف «تنتج اكسون خمسة ملايين برميل يوميا في المركز الثاني خلف السعودية مباشرة. أن تأتي النتائج دون التوقعات يصدم الناس قليلا، اعتقد أن شركات النفط العملاقة المتكاملة مثل اكسون وشيفرون ورويال داتش شل وبي.بي مقدرة بأقل من قيمتها الحقيقية. إنها متداولة بما يعادل عشرة أمثال إلى 11 مثل الأرباح المتوقعة هذا العام مقارنة مع 16 أو 17 مثلا في السوق عموما».