استقالة رئيس البنك الدولي الأميركي الجنسية «وولفويتز» التي أعلنت مؤخراً كانت لأسباب شخصية وأخلاقية نتيجة علاقة بينه وبين صديقة له من العاملين بالبنك ولا تتعلق بالعمل ولا بإنجازات سلبية لم يرض عنها مجلس إدارة البنك الذي أعلن هذه الاستقالة دون اعتراض أحد من الأعضاء.
أما استقالة رئيس صندوق النقد الدولي الأسباني الجنسية «رود ريجو دي راتو» والتي أعلنت فجأة في 29 يونيو الماضي كانت غامضة وستظل غامضة لسنوات طويلة ما لم يفصح صاحبها عن الأسباب الحقيقية التي دفعته للاستقالة، خاصة وأنه يبررها بسبب انشغاله بتعليم أولاده!! كما أنها جاءت بعد أربعة أيام فقط على اختيار مجلس إدارة البنك الدولي للأميركي (روبرت زوليك) رئيسا للبنك.
ولعل استعراض نشاط صندوق النقد الدولي في السنوات الأخيرة ومسيرته السلبية في تنفيذ أهدافه، والتي توضح أنه يقوم بتحقيق إنجازات إيجابية لصالح فئات محددة ودول معينة بينما يحقق إنجازات سلبية ضد الغالبية العظمى من شعوب الدول النامية التي تعيش على الفقر المدقع والفتات، وهو ما يعكس تحويل الصندوق إلى أداة تقف مع الدول المتقدمة وضد الدول النامية.
ولعل ذلك يوصلنا إلى كشف جزء من غموض الاستقالة خاصة وقد استمر هذا الوضع خلال العقدين الأخيرين وساء أكثر في السنوات الأخيرة بعد تعديلات الإشراف على تحديد سعر الصرف للعملات المحلية، وبالرغم من الانتقادات العديدة التي وجهت إلى أنشطة الصندوق والمظاهرات الضخمة التي قامت ضده أثناء اجتماعاته السنوية الأخيرة.
لقد نشأ صندوق النقد الدولي لتنفيذ النظام الدولي النقدي العالمي في عالم ما بعد الحرب والذي يقوم على أداتين: سعر الصرف والرقابة على التحويلات النقدية بين الدول المختلفة، والهدف الرئيسي لهذا النظام - وهو الذي وضعه أقطاب الاقتصاد في العالم منذ عام 1945 - هو أن تعيش كل دولة في حجمها وبمقدراتها ومجهودات المقيمين فيها، فلا تعتصر جهود دول أخرى لصالحها ولا تعتصر دول أخرى جهودها.
وبحيث تعيش كل دول العالم في سلام اقتصادي قائم على عدالة توزيع الدخول بين الدول - وبالتالي لا تتعدي دول على دول أخرى لأسباب اقتصادية ويتم التبادل الدولي (تجاري وخدمي ومالي) بأسعار صرف تتناسب مع قوة الدولة الاقتصادية ودون السماح بهجرة رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى إلا لأغراض استثمارية تستفيد منها كل الأطراف.
ولقد تم تخطيط النظام النقدي العالمي في مؤتمر «بريتون وودز» بغرض منع قيام حروب أخرى بعد أن قاسى العالم كثيراً من الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث عاش سكان العالم في ظلام دائم ما يزيد على خمس سنوات ومات ما يقرب من خمسين مليون نسمة وشرد أضعافهم، وكان لابد من الوصول في (بريتون وودز) إلى اتفاق يمنع كوارث قد تحدث في المستقبل.
وعلى أن يشعر سكان كل دول العالم أنهم يحصلون على نصيبهم العادل من العيش الكريم والذي يتناسب مع جهودهم في العلم والعمل، ولكن للأسف لم يحدث ذلك حيث كانت الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بالتدريج خلال ما يقرب من خمسين عاماً على إنشاء الصندوق، وهو ما أدى إلى قيام جمعية دولية أطلق عليها «جمعية خمسين عاماً تكفي» كرمز للمطالبة بإنهاء عمل الصندوق وإحلال مؤسسة دولية أخرى بديلة عنه تحقق الأهداف الدولية العادلة التي خرج عنها الصندوق.
ومع ذلك استمر نشاط صندوق النقد الدولي المناهض للفقراء وبقوة تصويتية كبيرة للدول الكبرى - إلى أن يتم إعادة النظر في التصويت في ضوء ما حدث في الاجتماعات الأخيرة في سنغافورة خلال سبتمبر الماضي، خاصة وأن الحصص التصويتية التي تقررت منذ نشأة الصندوق عام 1945 لم يتم إجراء أية تعديلات عليها، وهي تعطي لكل عضو 250صوتاً يضاف إليه صوت واحد عن كل جزء من حصته يعادل مئة ألف وحدة سحب حقوق خاصة.
ونظراً لأن حصة الولايات المتحدة الأميركية تبلغ 2750 مليون دولار أميركي من رأس المال الكلي للصندوق الذي يبلغ 9200 مليون دولار أميركي (بينما يبلغ أعضاؤه 84 دولة)، فهي بذلك تعتبر أكبر مساهم في الصندوق ولها أكبر قوة تصويتية بين الدول الأعضاء (حوالي الثلث) يليها المملكة المتحدة وحصتها تبلغ 1200مليون دولار أميركي، لذلك فإن الدولتين تستطيعان الوقوف ضد أي قرار ليس في صالحهما، وبالتالي لم يستطع الصندوق تحقيق أهدافه بالشكل الذي يساعد الدول النامية والفقيرة على معالجة مشاكلهم الاقتصادية بما يتفق مع عدالة النظام النقدي العالمي، بينما حقق العكس للأسف.
وفي ضوء القوة التصويتية الكبيرة للدول الكبرى تقررت التعديلات الأخيرة التي أعلنها صندوق النقد الدولي في أواخر يونيو الماضي لمراقبة أسعار الصرف والتي تتيح للصندوق التدخل في سياسات بعض الدول المتعلقة بسوق الصرف وتحركات سعر العملات المحلية مقابل العملات الأجنبية، وتم ذلك بالرغم من اعتراض بعض الدول العربية والنامية على هذه التعديلات خوفاً من أن تؤدي إلى قضايا سياسية تستفيد منها بعض الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
خاصة وأن هذه التعديلات أُعلنت بعد خلافات شديدة ومستمرة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية على تحديد سعر صرف اليوان والذي يقدر في نظر بعض الدول الكبرى بأقل من قيمته الحقيقية وبشكل يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع الصينية المصدرة إلى هذه الدول وينافس أسعار منتجاتها المحلية.
لقد اعترض على هذه التعديلات عدد كبير من الدول النامية على أساس أنها تَحِد من حريتها في تقدير سعر صرف عملتها المحلية، وكان من بين الدول المعترضة عدد كبير من الدول العربية - على رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت ولبنان وسوريا وسلطنة عمان وجيبوتي واليمن ومصر.
بينما وافقت عليها بل وقادت إليها الولايات المتحد الأميركية وبعض الدول الأوربية، وذلك على أساس أنها تعكس أفضل الممارسات الحالية في مراقبة أسعار الصرف والسياسات النقدية المحلية التي نصت عليها اتفاقية صندوق النقد الدولي، وبذلك اختلف أعضاء الصندوق على إقرار هذه التعديلات، وكان على رأس المعترضين الصين، وعلى رأس المؤيدين الولايات المتحدة الأميركية.
وبالتالي تقررت التعديلات وأصبحت التزاماً على كل الأعضاء!! ولم تكن تعديلات الإشراف على تحديد سعر الصرف أول القرارات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على إدارة الصندوق واضطر جميع أعضائه إلى الالتزام به بالرغم من معارضة أغلبهم، ولكن كانت هناك انتقادات أخرى سابقة وجهت إلى برامج الصندوق والتي يعلنها لمساعدة الدول الفقيرة بينما لم تلتفت إليها الدول الكبرى، بالرغم من أن هذه الانتقادات تضمنت شروطاً قاسية للدول النامية وضد سياساتها الاقتصادية والنقدية، وكان في مقدمة هذه الانتقادات:
1) صرامة البرامج ومتطلباتها احداث تغيرات عكسية جوهرية في سياسات الدول النامية خلال فترة زمنية قصيرة، وهو مالا يتناسب مع أوضاع هذه الدول الاقتصادية.
2) تُسبب هذه البرامج اتجاهات انكماشية وتؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وتخفيض مستويات الدخل الحقيقي لمستويات لا يمكن تحملها في أغلب الدول النامية.
3) تركز البرامج على المتغيرات النقدية وخاصة وضع حدود للتوسع في الائتمان المحلي وكذا الائتمان الممنوح للقطاع العام ، وهو ما يؤدي إلى عقبات في عمليات التنمية نتيجة مشاكل نقدية واقتصادية مثل التضخم وعجز موازين المدفوعات.
4) تُطالب بتخفيض أسعار الصرف والتي غالبا ما تتضمنها شروط الصندوق مما يزيد من عجز ميزان المدفوعات لما لهذا التخفيض من أثر مباشر على التضخم المحلي في الوقت الذي تتأخر فيه استجابة جانب العرض للتوسع في الصادرات والإحلال محل الواردات.
5) لا تأخذ برامج الصندوق في حسبانها اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية والدول الفقيرة ولا تراعي البعد الاجتماعي داخل هذه الدول.
لقد سيطرت الدول الكبرى على الأنشطة والسياسات التي يعدها صندوق النقد الدولي وحولت برامجه في مساعدات الدول النامية إلى برامج دعم للدول المتقدمة، وبالتالي أصبح رؤساء الصندوق منفذين لسياسات الدول الكبرى، وهو ما أدى إلى قيام الكثيرين منهم بتقديم استقالاتهم بعد فترة وجيزة من تعيينهم.. ولعل ذلك يفسر بعض الغموض بالنسبة لاستقالة الرئيس الأسباني الحالي للصندوق والذي تم ترشيح الفرنسي «دومينيك ستراوس»، خلفا له. بينما كان يسعى لتولي مسؤوليات من أجل خدمة إسرائيل وقال في حديث صحافي «إنني أستيقظ كل صباح وأسأل نفسي كيف يمكنني أن أكون اليوم مفيداً لإسرائيل».
مستشار وكاتب اقتصادي مصري